islamaumaroc

المعاني الإنسية والروحية في الشعر العربي -3-

  دعوة الحق

142 العدد

انتهجنا في المقالين السابقين ، سبيلا للكلام عن المعاني الروحية في الشعر الجاهلي ؛ بان جعلنا الشك الذي يخامر بعض النقاد ، في نسبة ذلك الشعر الى الجاهليين ؛ يحتك بالتثت من صدق نسبته اليهم ، قبل ابداء الراي في محتواه .
وقد اعتمدنا في المقال الثاني ، أي القرآن الكريم ، التي تعرضت لمعتقدات الجاهليين ، فيصلا في تقويم المعرف من الشعر الجاهلي . فما طابق من الشعر آيات القرآن ، اعتبرناه شعراموثوقا من نسبته الى ذويه ، ممثلا بحق ، لمعانتهم الوجدانية . وذلك باعتبار ان تدوين الشعر الجاهلي يوجد من يشك في امانته ، بينما تدوين القرآن ، ليم يشك في حفظه ناقد كما التزمنا بان نردف القرآن الكريم بما ذكره التاريخ المتحدث عن عقائد العرب قبل الاسلام ، على اساس ، ان التاريخ دعم للحجة القرانية . ثم يلي ذلك الشعر و الشعراء.
و بسبيل ما يفضي بنا الى الغاية من المنهج المتبع ، فان من بين ما بين ايدينا الآن من مصنفات التاريخ ، كتاب الاصنام لهشام ابن الكلبي . وهو اقدم مصدر واوسعه في هذا المجال.
عرف مؤلفه العقود الاخيرة من قرن التدوين ، وتوفي في العقد الاول من القرن الثالث الهجري .
وترجمته عند ياقوت ، و ابن النديم ، حافلة بمآثر هذا الاخباري الواسع الاطلاع. وقد نعته احمد زكي – من المحدثين- عند تقديمه لكتاب الاصنام ’ بأ، ابن الكلبي من جهابذة العلماء الذين تفتخر بهم الحضارة العربية في تدوين طائفة من المعلومات . بيد ان شكوكا تعتور رجال الحديث فيه – من بينهم الامام احمد ابن حنبل – من شانها حملنا على مناقشة المعلومات التي يقدمها ابن الكلبي في الاصنام ، على ضوء ما قد كنا انتهينا اليه من معلومات ، مصدرها القران الكريم  نورجال التفسير .
فقد روي ابن الكلبي تفسيرات لوجود الاصنام ببلاد العرب بسبب واحد من هذه الاسباب الخمسة :
- اولها : ان شخصا يدعى عمرو بن لحى ، سافر الى بلاد الشام للاستشفاء بحمة البلقاء – تقع اليوم في جنوب شرقي المملكة الاردنية – فوجدبعض اهلها يعبدون الاصنام ، فحمل منها الى بلاده . واصبحت من ايامه تعبد.
- ثانيها : ان ودا ، وسواعا، وسغوث، ويعوق، و نسرا المذكورة في القرآ، (1) اسماء اصنام ، كان يعبدها العرب ؛ هي في الاصل اسماء رجال كانوا في قومهم صالحين . فلما ماتوا ، جعل لهم محبوهم اصناما يشخصونهم بها . وسرت عادة التعلق بهم حتى تملكت نفوس من جاء بعدهم من الخلف . وغدت هذه الاصنام ترقى درجة العبادة .
- وثالث اسباب الاصنام كما يرويها ابن الكلبي : ان ادم عليه السلام عندما ، مات وضع له ابناؤه من بني شيث صنما ياتونه فيعظمونه و يتبركون به ، فجاء الخلف ، فقلد السلف ، و اصبحت عبادة قومية .
- ورابع الاسباب التي يرويها كتاب ابن الكلبي : ان عاشقين مسخا في الكعبة لاثمهما فيها ، فأصبحا موضوع عبادة .
- وآخر الاسباب فيما يرويه ابن الكلبي : ان العرب كانت تحترم الكعبة ، فاذا ما ودعها منهم مودع صحب معه حجرا من ارضها ، استئناسا به ، وصبابة بمصدره ، حتى صار ذلك عبادة.
تلك هي التعليمات التي يقدمها ابن الكلبي في شبب عبادة الجاهليين للاصنام .
والاربعة الاخيرة منها ، نراها تؤول الى تفسير واحد ، غايته البعيدة : عبادة الله .
• ذلك ان المرء اذ يخلص تعلقه بشيء ما ، قانه يرى بعد بعاده عنه، يسعى الى ان يترك منه ليده ما يؤنسه ، ويذكره بما تعلق به . وهذا ينطبق على السبب الاخير وارد الذكر . وتكون الكعبة بهذه المثابة مذكرا لم في عبادة الله .
• كما ان العاشقين – في السبب الرابع – اللذين مسخا في الكعبة ، واصبحا يعبدان ، انما عبدت فيهما العظة التي جلاها الله عليهما ، مجسمة ، لكونهما اثما في اعظم بيوت الله قدسية . وانا اذ نتشخص كيف كان العربي يهرع الى اللذين مسخهما الله فيعبدهما مثالا على مايجب تجنبه ، فانما نتصور احساسا كان لديه بالطمائنينة . ناتجا عن عبادة الله الغية القصوى من عبادة العظة .
• ولكن قصة صنم وضع لآدم بالذات – حسب السبب الثالث – لا يقوي الظن بصحتها . اذ لو كان قد تم لذلك حدوث لكان له صدى في القرآن ، و لا سيما و عن ادم ما يصور عصيانه و اكله من الشجرة ، ثم هبوطه مع زوجه الى الارض التي غدت مستقرا لهم و متاعا الى حين .
• بيد ان وضع اصنام لاولئك القوم الصالحين – حسب السبب الثاني في كتاب ابن الكلبي – رواية يؤكد ما جاء فيها ابن جرير الطبري و ابن كثير كلاهما ، حينما فسرا الاية (1) ( و لا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق و نسرا) . فقصة وضع الاصنام لقوم صالحين ، ليست ممتنعة بين بعض الناس ، كان الحرص على انشائها و ما يزال جاريا ، على الرغم من مرور الاف السنين ، و كا يميز بين الانشاءين ان السابق كام ينبعث عن عاطفة دينية ، بينما المعاصر ناشيء عن عاطفة قومية . ولعمري ان القديم منهما ابل قصدا ، فقد كانوا فيه – برغم انحراف عبادتهم – يسببه لديم بساطة تصورهم لجلال الله و هو الذي لا تدركه الابصار . بينما ادعياء كمال التصور من الوثنيين المحدثين يمثلون بالاصنام المعاصرة ، جلال الانسان لفكرة ابتكرها ، او عمل قام به ، و ما اعظم ذلك في تقدير من كان تصوره واهيا . والحق اننا لا نعرف من من النسلين ابسط تصورا واوهي بصيرة.
• اما التعليل الاول لدى ابن الكلبي في اقامة الانصاب بين الجاهليين ، يكون عمرو بن لحي اتى بها من حمة البلقاء ، فانها وان بررت نفسيا بكونها وردت من بلد استشفاء ، فنالت التقديس تعلة بذلك ؛ فانها من الناحية التاريخية ، قصة ضعيفة النسج ، لان ابن الكلبي في نفس الكتاب يروي بان العرب انما عرفناهم يعبدون الانصاب و الحجارة ، و يحملونها معهم ، فينتقون مما حملوه احسنها ، فتوضع قبلة عبادتهم ، وثلاثا مما بقى ، يضعونها اثافي للقدر . فاذا رحلوا تركوا الاثافي و  المعبود على حد سواء ، وهكذا دواليك. فالجاهليون لم يكونوا يعنون بتمثيل الفم ، والعين والرأس ، والروايات التي تزعم بان بعض الاصنام كانت كهيئة الشخص ، روايات قليلة واغلبها مدخول نصراني الغاية منها نسبة ما تتضمنه من فنية التمثيل الى التأثير النصراني.
ويقول صاعد الاندلس في طبقات الامم ، بان العرب لم تكن تعبد الاصنام لذاتها مثلما يعتقد بعض الجهال . ولم تكن تراها الهة حقا ، و لا مصدر لطمانينيتها الروحية ، فلم يعتقد قط هذا الراي صاحب فكرة بددليل ما ورد في القرآن من انهم انما كانوا يعبدونها لتقربهم الى الله زلفى .
وفكرة نشاة الاصنام من قلب بلاد العرب ، او مما هو داخل عليها ، ليس امرا مدهشا في ذاته ، مثله في ذلك كمثل فكرة انشاء التماثيل للأبطال القوميين في بعض بلاد المسلمين اليوم . فان اقامتها موجودة على أي حال ، سواء كانت من صميم القوم انفسهم ، او
انما تسربت من الخارج .منشأها لدى اولئك وهؤلاء ، عاطفة متاجة ، تكون دينية احيانا ، و قد تكون قومية احيانا اخرى ، وياعثها في جميع الاحوال ضعف في القدرة على التصور بدون واسطو . و لكنها في حد ذاتها لا تعني عبادة مخلصة وجهها للصنم .وقد قال الله تعالى في سورة لقمان : ' اذا غشيهم موج كالظل دعوا الله مخلصين له الدين ، فلما نجاهم الى البر فمنهم مقتصد ، و ما يجحد باياتنا الا كل ختار كفور ، (1) وقد علق ابن كثير بعد ان فسر الآية بسنده : بان المشركين عند الاضطرار يدعونه وحده ، لا شريك له .
والاضطرار ههنا ، وفق مانفهمه ، انما هو احساس بالتحرر من التبعية للجماعة في عادة ، او تقليد ، مبعثه لدى الفرد ، شعور خاص بالوحدة في الحال او بالغربة في المفاهيم ، او باليتم من الابعاد الموروثة .ويوقظ في المرء احساسا من هذا النوع ، رغبة ، او رهبة ، تملأ عليه منافذ سواها من الاحاسيس. ولذلك كانوا يدعون الله مخلصين له الدين اذا غشيهم موج كالظل.
واذا نحن قارنا عبادة العرب للأصنام بعبدة غيرهم من الاغريق وجدنا بونا شاسعا بينهما يدل على اننا لا نخطيء حيث نصف عبادة العرب الجاهليين لها بانها استئناس . فان تاريخ عبدة الاصنام حافل يذكر الاختصاص المنوط بآلهاتهم . الامر الذي لا نجد له نظيرا عند العرب. فليس لهم توسل ، او استجداء او استمطار لرحمة من الاصنام . ونحن نصادف في انساب العرب الى جانب عبد العزى و عبد الشارق اسماء عبد الله و عبد الرحمن . وهذا دليل على اصالة التوحيد بين ما كانوا يعبدون.
وثمة في حياة الجاهليين قصص تخفى خلفها دلالات روحية ، من ذلك مثلا ما يتضمنه جواب عبد المطلب لمن جاءخ منذرا بهجوم الحبسشة على الكعبة ، حيث قال : (( ان للبيت ربا يحميه)) و منها  تلك التي تصف حزن ابي احيحة و هو على فراش المرض ، متخوفا من ان لا تعبد العزى بهدع ، اذ يرد عليه محدثه (( والله ما عبدت حياتك لأجلك .)) و منها  كذلك قصة الصنم سعد . فقد اتاه نفر بابلهم ليتباركوا به ، و كان  ساعتها قد اهرق عليه دم ، فنفرت الابل من مشهده ، و شردت من صاحبها ، فقال يصف احساسه :
اتينا الى سعد ليجمع شملنا
      فشتتنا سعد فلا نحن من سعد
و هل سعد الا صخرة بثنوفة
      من الارض لا يدعي لغي و لا رشد
ومن ذلك ايضا ما يروى عن امريء القيس بانه جاء الصنم المدعو ذا الخلصة يستقسم في اخذ الثأر لأبيه القتيل فلما طلعت الأزلام بالعدول عن ذلك ، احتد الرجل و قال :
لو كنت ياذا الخلص الموتورا
      مثلى و كان شيخك المقبورا
لم تنه عن قتل العداة زورا
و يستدل بهذه القصة على ضحالة و ثوق الرجل بالصنم ، بل على ضحالة مجرد الاستئناس به.
ولديهم حكاية القبيلة التي اكلت صنمها المصنوع مما يشبه العجوة ، وقد كانت يومئذ في مجاعة . فانها ايضا دليل على التفاهة التي كان بعضهم ينظر بها الى اصنامهم ، بانها لا تعز و لا تذل.
اما تعدد الاصنام بينهم يومئذ فانه ليس دليلا على توغل في الوثنية ، بقدر ما يدل على تقليد اجتماعي ، بين القبائل فيما بينها . ودليل كذلك على الباعث الروحي فيما بينها و بين ما يرمزون به الى الله. وقد علل الشهرستاني في هامش الفصل بين الملل و النحل سبب تعدد الاصنام عند العرب بما كان هؤلاء يقولونه : من انها تقربهم الى الله زلفى . فلما رأت بقية قبائل العرب ذلك في البيت الحرام ، اتخذت هي ايضا لنفسها اصناما لتقربها الى الله.
ثم ان من بينهم من لم يكن محدود التصور فاستطاع ان ينبذ شكل الاصنام نهائيا ، ومنهم ابن نفيل القائل
تركت اللات و العزى جميعا
      كذلك يفعل  الجلد الصبور
فلا العزى ادين ولا ابيتها
      ولا صنمي بني غنم ازور
ولا هبلا ازور وكان ربا
      لنا في الدهر اذ حلمي صغير
 وهم مع ذلك ، برغم احساساهم القوي بوجود الله و بقدرته وحدانيته ، فانهم لم ينفكوا من جاهليتهم ، مصداقا لقول الله عنهم في سورة يوسف (( وما يومن اكثرهم بالله الا و هم مشركون . )) (2)
وبعد ، فالنتيجة من هذا ، ومما سبق ، نستطيع ان نقدم صورة عما يرسمه الشعر الجاهلي من معان روحية معتمدين في ذلك شكلا على ما سبق ان ذكر من مصادره ، و مقرين بصدق انتمائه لذويه مضمونا ، ان هو عكس من معتقداتهم ما يطابق ايات القرآن التي تخص هذا الجانب من حياتهم .
وقد عرضنا التاريخ في هذا المقال دعما للكلمة السابقة التي كانت مخصصة لمعان الآيات الكريمة و ما يزال للحديث بقية .

(1) سورة نوح مكية 71 / 23.
(2) مكية   12 / 106.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here