islamaumaroc

الموحدون سادة البحار

  دعوة الحق

142 العدد

في السجلات البحرية التاريخية التي تحفل بها المتاحف والخزائن الخاصة بألمانيا وهولندا وإنجلترا, نقرأ الشيء الكثير عن الأسطول المغربي في القرن الثاني عشر الميلادي، وحيث أن تلك الوثائق تعزز عادة بالخرائط التوضيحية البحرية, فنحن نجد خرائط ذلك الوقت وقد أشير إلى شمال إفريقيا بالدوائر والخطاطيف إشارة إلى تمركز الثقل البحري في هذه الجهة, وتفوق المغاربة على غيرهم من الأمم في ميدان بناء الترسانات وسائر أنواع المراكب المقاتلة.
غير أننا نبادر إلى القول - ما دمنا في صدد تحديد أهمية ومكانة الموحدين في هذا الجانب من جوانب العظمة في تاريخ العالم - بأن الأسطول الموحدي لم يوجد من العدم كما كان الشأن في الدولة المرابطية، التي لم تكن تملك حتى ما يمنكها من حصار مدينة مغربية كسبتة, تلك المدينة التي بقيت أكثر من نصف قرن ممتنعة عنهم ومنشقة عن حكمهم.
فمن الحقائق المؤكدة أن أساطيل المرابطين انتقلت برمتها, وانتقلت معها أحواضها وذخيرتها وبحارتها إلى الموحدين أي أن الأمر يتعلق بأكثر من 120 قطعة بحرية أغلبها من النوع الجبار كالحراقات التي تحمل المجانيق والكور والنفط المشتعل, والمسطحات التي تشبه من حيث الشكل والوظيفة بوارج الجيب الحديثة, والطرادات التي تستعمل في الهجوم على الصقالي والأبراج وتلاحق مراكب الأعداء, وأخيرا الشواني، وهي عبارة عن قلاع ضخمة عائمة فوق سطح الماء.
وقد رأينا في حديثنا عن بطولات الأسطول المرابطي, كيف عزف أبو عبد الله بن ميمون القائد الأعلى وآمر الأسطول بعدم الدخول في الخلاف المرابطي الموحدي، بل انتظر حتى انكشف الوضع بينهما عن تغلب الأخيرين, وثمة انحاز إلى صفهم حفاظا على هذه الأداة القوية والهامة التي يقع عليها وحدها واجب مدافعة الدول الأروبية وكبح جماحها.
ولقد حدا بقية رؤساء البحر حدو رئيسهم وأطاعوا أمره بالتزام الحياد التام تم انضموا إلى الأسرة الحاكمة الجديدة.
وكان من حسن طالع الموحدين أنهم تمكنوا في مدة قصيرة من وضع نهاية للمقاومة المضادة في المغرب والشمال الإفريقي, كما كان من حسن طالعهم أنهم استطاعوا توحيد كلمة الجيش بعد أن تفرقت تلك الكلمة مدة طويلة بين أمراء وشيوخ المرابطين, وبعد أن كان كل عامل أو ثائر يجد كامل السهولة في استمالة بعض القواد وإعلان العصيان في مختلف نواحي المغرب, وكان من حسن طالعهم أخيرا أن البلاد نعمت, ولأمد طويل بالهدوء والاستقرار مما سمح بالتوسع في تنظيم الدولة سياسيا وإداريا وتزويدها بالقوة الحربية في البحر والبر.
ويذهب ابن خلدون في مقدمته أن العناية بالأسطول في عهد الموحدين لم تظهر إلا على عهد الأمير عبد المؤمن ابن علي, ويظهر أن هذا المؤرخ كان يعني بالعناية شروع الأسطول في ملاحمه المشهورة التي قفزت به إلى الطليعة. والدليل على ذلك أن ابن خلدون يقرر بأن أساطيل المسلمين وصلت في عهد هذا الأمير إلى ما لم تصل اليه من قبل ولا من بعد, وذلك من ناحية العدد الذي ناهز 400 قطعة محاربة، ولا من ناحية جودة الصناعية وإتقان الحيل الهندسية والعلم بالشؤون البحرية.
 وفي هذا العهد كانت المدن الواقعة على البحر في المغرب والأندلس والشمال الإفريقي تعج بالحركة والنشاط، وكمثال على ذلك نورد نصا نقله الناصري عن جذوة الاقتباس وعلق عليه، وهو يخص ترسانة مدينة سلا: (( دار الصناعة المذكورة في هذا الخبر هي الدار التي كانت تصنع بها الأساطيل البحرية والمراكب الجهادية, يجلب إليها العود من غابة المعمورة فتصنع هناك تم ترسل إلى الوادي وكان ذلك من الأمر المهم في دولة الموحدين, ودار الصناعة بسلا بناها المعلم أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله بن الحاج الإشبيلي, وكان من العارفين بالحيل الهندسية ومن أهل المهارة في نقل الأجرام ورفع الأثقال بصيرا باتخاذ الآلات الحربية الجافية
ومن أهم الأحواض البحرية دار الصناعة بقصر مصمودة وهي مختصة بالمراكب المسطحة الضخمة الصالحة للقتال ولنقل الجنود في نفس الوقت. وترسانة سبتة لترميم وإصلاح السفن, وأحواض باديس ووهران وطنجة والمهدية بتونس وعنابة.
 ولم يكتف الموحدون بتوسيع وترميم الترسانات والموانئ القديمة فحسب بل أسسوا ربطا وأضافوا إليها حيزا بحريا أقاموا عليه دور الصناعة. ونذكر على سبيل المثال مدينة ((مهدية)) القريبة من مدينة القنيطرة الحالية, فهذه المدينة التي أسسها بنو يفرن وتخربت على يد البورغواطين أدرك السلطان يعقوب المنصور أهميتها الكبرى كمفتاح لوادي سبو وطريقا مفتوحا نحو سهل الغرب بل نحو فاس. فأمر ببنائها من جديد وأنزل بها قبائل بني رياح المعروفة بقوة شكيمتها, وكانت ترسانتها مما يجب أن يفخر به تاريخ المغرب من حيث جدة الآلات وبراعة المهندسين وكثرة اليد العاملة, وعلاوة على ذلك, وبالإضافة إلى حوض التدريب والاختبار الّذي هيأه الموحدون بمراكش لتدريب وامتحان البحارة كانت المهدية الميدان الرئيسي لما يسمى اليوم بالمناورات.
ويبرز في ميدان أهمية الأسطول الموحدي جانب آخر له وزنه وقيمته, وهو المتعلق بالقيادة. وقائد الأساطيل الذي خلف ابن ميمون هو عبد الله بن سليمان الذي كان يجلسه أمراء الموحدين إلى جانبهم في المجالس الرسمية والاستعراضات, لما كانوا يعلقونه من أهمية على دوره الخطير في مراقبة العمل بالأحواض والإشراف على التدريب وقيادة المراكب الجهادية.
وفي عهد أبي يعقوب تولى القيادة أحمد الصقلي, وهو تونسي الأصل من مواليد مدينة جربة وقد أسره الإيطاليون في إحدى هجوماتهم على ساحل تونس وأخذوه أسيرا, وكان من أكفأ البحارة في التاريخ الوسيط حسب شهادات المؤرخين الطليان. وله مواقف عظيمة في محاربة الأساطيل العدوة بالبحر الأبيض المتوسط وساحل البرتغال. وإلى حنكته وقوة شكيمته يرجع الفضل في دفع خطر بني غانية الذين ظلوا متشبثين بالدعوة المرابطية أكثر من خمسين سنة، ومتحصنين في جزر البليار الواقعة بين فرنسا واسبانيا .
وكان هناك نظام خاص للأسطول في العهد الموحدي يختلف قليلا عما كان موجودا من قبل، ذلك أنه بالإضافة إلى رؤساء المراكب وضباط الفرق والقائد العام الذي يعود اليه أمر إصدار الأوامر, كان يوجد منصب سام ذو صبغة سياسية يحمل صاحبه اسم (( المشرف الأكبر))
وكان المشرف الأكبر يرافق الأسطول ويكون همزة وصل بينه وبين قادة الجيش الآخرين. ومن أشهر المشرفين العامين في الفترة التي نؤرخ لها محمد بن إبراهيم بن جامع الذي صاحب الأسطول الذي استرد مدينة بجاية من يد بني غانية، وناب عن أمير المغرب في قبول استسلام حاميتها. ثم محمد عطوش وأبو العلاء إدريس بن يوسف بن عبد المؤمن على ما ذكره مصدر وحيد وهو المعجب لعبد الواحد المراكشي.
وباستقصاء الأحداث العظيمة التي جرت في إبان ولاية الموحدين, لا نجد ما يشير إلى أي انكسار مني به أسطولهم باستثناء معركة بحرية واحدة جرت في عرض مياه البرتغال, وكانت القوة فيها غير متكافئة ووقعت عدة خيانات, مما حمل النصر إلى الأعداء, وأتى السلطان بنفسه على رأس قوة جديدة, ولكن الوقت كان قد فات, وأسطول الأعداء القريب من مراسيه استطاع أن يجمع أمره ويسدد ضربته الأخيرة التي كان من بين شهدائها السلطان أبو يعقوب نفسه سنة 598 للهجرة .
إن هذه الانتكاسة لم تكن لتخلو من فائدة, ذلك أن الموحدين حسنوا فيما بعد من أسلوب عملياتهم, وأعادوا تنظيم قواتهم, وتغيير أماكن تجمعات الأسطول. وقد أتت تلك التغييرات أكلها بسرعة، ففي عهد السلطان عبد المؤمن بن علي وقع تطهير سواحل البحر الأبيض المتوسط من أية قوات بحرية معادية, وافتتحت المهدية عاصمة تونس.
أما المعركة التاريخية الكبرى فإنها وقعت بسواحل طرطوشة بين الكاطالونيين وحلفائهم الفرنسيين والإيطاليين وقراصنة الجزر الشرقية الخاضعة للصقالبة, وبين أسطول الموحدين. كان عدد قطع أسطول الأعداء 200 مقابل 80 قطعة مغربية هي أسطول الشرق.
إن التفوق العددي كانت تقابله النوعية والتدريب والتصميم.
لقد أثبت أسطولنا وجوده وسجل أروع الانتصارات, وحقق لنفسه التفوق لمدة طويلة .
وعد وأوعد
قيل : إن وعد وفى وإن أوعد استثنى.
وإني وإن أوعدته أو وعدته       لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
                               ***
ولابن الرومي :
إن خلف الوعيد ليس بعار       إنما العار كله خلف وعدك
                              ***
ويقول أبو تمام :
قوم إذا وعدوا أو أوعدوا غمروا        صدقا ذوائب ما قالوا بما فعلوا
                              ***
ويقول آخر :
لها كل يوم موعد غير ناجز ووعد إذا ما رأس حول تصرما
فإن أوعدت شرا أتى دون وقته      وإن وعدت خيرا أرات وأعتما

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here