islamaumaroc

حول الأسرة المغربية

  دعوة الحق

142 العدد

لاشك في ان الاسرة المغربية خاصة ، والاسرة العربية –الاسلامية عامة ، و الاسرة البشرية بصفة اعم ، تستحق من الباحثين الاجتماعيين كل عناية و اهتمام . ولعل هذا هو ما حدا بالدول و الشعوب الحديثة من ناحية و سائرة في طريق النمو ، الى الاعتناء بهذا الموضوع ، ويبحثه في مختلف المناسبات ، و على مختلف المستويات ، و دعاها في الوقت ذاته الى عقد المؤتمرات من اجله بين الفينة و الاخرى .
وغير خاف ان كلا الامرين ( الاهتمام بالاسرة ، و النشاور من اجل الصالح العام ) لم يكونا يوما ما بالشيء الجديد على الحياة العربية اولا ، و الحياة الاسلامية بعد ذلك . فعقد المؤتمرات و المشاورات في مختلف الشؤون السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و غيرها ، هو من صميم الحياة العربية والاسلامية ، و شارة من اهم شارات الديمقراطية العربية من اقدم العصور . فزيادة على ما نعلمه جميعا عن طريق القرآن الكريم ( سورة النمل الآيات 20 – 44 ) مما قامت به ملكة مملكة سبا العربية ( 950  - 115 ق . م ) حينما جاءها كتاب سليمان عليه السلام ، اشير هنا الى واقعة احدث عهدا من تلك ، وقعت في عهد النبي محمد عليه الصلاة والسلام بالمدينة المنورة ، ويمكن ان نسميها اول مؤتمر نسوي اسلامي ، او اول اضراب قامت به نسوة النبي صلى الله عليه وسلم و بعض صحابته الاجلة رضوان الله عليهم .
ذات يوم تأخر الرسول عن الصلاة ، ولم يخرج لها في وقتها ، وتساءل المسلمون عن سبب تأخره ، فما كان من ابي بكر رضي الله هنه الا ان اقبل يتحرى الامر ، ويستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يؤذن له . ثم اقبل عمر للتحري ايضا فاستذاذن فلم يؤذن له . ثم اذن لهما ، فدخلا و النبي صلى الله عليه وسلم جالس و حوله نساؤه وهو ساكت واجم ، فقال عمر : (( لأكلمن النبي صلى الله عليه وسلم لعله يضحك )) . فقال عمر : (( يارسول الله ، لو رأيت ابنة زيد ( امرأة عمر) سالتني النفقة انفا ، فوجأت ( لكزت وضربت ) عنقها )) . فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدا ناجذه ( اقصى ضروسه ) وقال : (( هن حولي يسالنني النفقة )) .
فقام ابو بكر الى عائشة ليضربها ، وقام عمر الى حفصة ليجأ عنقها  ايضا ، و كلاهما يقول ، (( تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده )) فقلن : (( والله لا نسال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابدا شئا ليش عنده )) .
اجل ، كان عند الرسول الاعظم الشيء الكثير ، لكنه لم يكن يملك منه الا الشيء اليسير ، كان له خمس الغنائم الحربية ، و كان له الفيء ، واكن بيت مال المسلمين و خزينة الدولة تحت تصرفه . ومع ذلك كان يؤثر غير اهله على اهله ، فكان يعطي اليتامى و الفقراء و المساكين و امثالهم و يحرم اهله ، و يكتفي معهم بالتمر و الماء و خبز و الشعير . قالت عائشة رضي الله عنها : (( ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتاليين ، حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم )) . وقال عمر رضي الله عنه : (( دخلت يوما على رسول الله وهو مضطجع على حصير خشن ، فجلست ، فاذا الحصير قد اثر في جنبه ، واذا عليه ازار ليس عنده غيره ، واذا انا بقبضة من الشعير بمقدار صاع في ناحية من الغرفة ، فابتدرت عيناي بالبكاء . فقال صلى الله عليه وسلم : مايبكيك يا ابن الخطاب ؟ فقلت : يا نبي الله ، و مالي لا ابكي و هذا الحصير قد اثر في جنبك ، و هذا ملبسك عليك ليس عليك غيره ، و هذه خزانتك لا ارى فيها الا هذه القبضة من الشعير ، وذلك كسرى و ذلك قيصر يعيشان في الثمار و النعيم و الثياب الفاخرة ، و انت نبي الله و صوفته ؟)) فاجابه الرسول الكريم قائلا : (( يا ابن الخطاب ، اما ترضى ان تكون لنا الآخرة و لهم الدنيا ؟ ))
هذا منتهى الزهد ، بل منتهى العظمة في الزهد . الخير موجود وفير ، لكنه مقسوم قسمة ربانية لم ترض عنها زوجات النبي ، لانهن – من جهة – طمحن الى تحسين مستوى معيشتهن و هذا شيء طبيعي في النفس البشرية التي تتوق دائما الى ما هو افضل ، ولان النبي (ص) عودهن – من جهة اخرى – على الحرية والتعبير عنها ، ورفع من قيمة المرأة في الاسلام الى درجة لم تكن تحلم بها النساء الجاهليات.
كيف امكن حل هذه المشكلة او هذا الاضراب الذي شنته زوجات الرسول عليه السلام ؟ جاء الجواب من الله سريعا شاقيا مؤيدا لموقف النبي الكريم اذ انزل عليه آيتي الخيار ، فبدأ النبي (ص) بعائشة وقال لها : اني ذاكر لك امرا ما احب ان تعجلي فيه حتى تستامري ابويك ))  . قالت (ض) : (( ماهو ؟ )) فتلا عليها الايتين 28 – 29 من سورة الاحزاب : (( يا ايها النبيء قل لازواجك ان كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين امتعكن (1) و اسرحكن سراحا جميلا ، و ان كنتن تردن الله ورسوله والدار الاخرة ، فان الله اعد للمحسنات منكن اجرا عظيما )) .
وجاء جواب عائشة اسرع من لمح البصر ، قالت : (( افيك استأمري ابوي ؟ بل اختار الله ورسوله )) .
اليس هذا عين ما يحصل الآن من حركات اضراب او اعتصاب مما تستدعيه الحياة الديمقراطية في العصر الجديث ؟ نرجح ا ن موقف امهات المؤنين هذا ، تقرر بعد التمار و اجتماع عقد لبحث قضية الزيادة في النفقة ، و ان النبي (ص) و صاحبيه (ض) فوجئوا بهذا القرار ، فتصرف كل حسب اجتهاده و على طريقته الخاصة ، وبقي النبي العظيم الذي يملك كل شيء ولا يملك شيئا ، ينتظر الارشاد من ربه الاعلى الذي لم يخيب امله فأوحى اليه بما حل المشكلة ، وحل الاضراب في ان واحد ، مع الرضى التام بالنتيجة .
كانت الاسرة – لا الفرد – هي خلية المجتمع الاولى في العصور و الامم البدائية ، و في شبه الجزيرة العربية ايم جاهليتها . وكانت الاسرة العربية الجاهلية هي القبيلة كلها ، ففي هذه القبيلة لم يكن اعتماد الفرد على نفسه كبيرا ، بل كان يعتمد على الاسرة أي القبلية ، فهذه كانت هي المسئولة عنه سواء من الناحية القانوينة ام من الناحية الاجتماعية ، فهي التي تطالب بحقوقه المهضومة، و هي التي تاخذ بثأره ، و هي التي تدافع عن جريمته التي ارتكبها ، و هي التي ترث ممتلكاته بعد وفاته . كل هذا لان البنية الاجتماعية بسبه الجزيرة العربية في العهد الجاهلي كانت تقوم على اسا قرابة الدم ة لحمة النسب . حقيقة ان ابناء القبليى العربية المنحدرين من اصل واحد ، المتحدين اجتماعيا م اجل الدفاع المشترك ، هم مرتبطون فيما بينهم بعبادة مشتركة،
وبعادات و تقاليد معينة ، ولكنهم اولا وقبل كل شيء كانت توحد بينهم رابطة الدم وصلة القرابـــــــة (2) .
ولما جاء الاسلام قام بتحويل جذري في تأليف الاسر ، فجعل رابطة الدم غيرذات اهمية كبيرة ازاء رابطة العقيدة ، فالمومنون اخوة ، و هم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بهضا ، وهم كاجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو ، تداعى له سائر الاعضاء بالسهر و الحمى . ثم ان المعنى الظاهري لنصرة الظالم الواردة في قولهم : (( انصر اخاك ظالما او مظلوما )) لوله الاسلام ففسر نصرة الظالم تفسيرا جديدا هو كفه عن ظلمه .
وقام الاسلام ايضا بتحويل خطير آخر ، حيث رفع من قيمة الفرد ، فبعد ان كان مندمج الشخصية ، مغمورا في القبيلة ، برزت شخصيته بعد الاسلام ، وصارت له الحرية الكاملة في العمل و التصرف في ظل القانون ، فالمسلمون كلهم سواسية كأسنان المشط ، لا فضل لعربي على عجمي ، ولا لابيض على اسود الا بالتقوى . (( ان اكرمك عند الله اتقاكم )) (( و كلكم لآدم ، وادم من تراب )) . ثم الا الاسلام زاد فرفع قيمة الشخص درجة اخرى ، حيث جعله ذا صلة مباشرة مع الله ، لا واسطة بينه وبين ربه . ففي استطاعته ان يصلي ويعبد الله في كل مكان ، وان يدعوه و يناجيه كيف شاء و متى اراد . وهذا اسمى تعبير عن ثبوت الشخصية و الحرية الفردية للمسلمين .
يقول الاستاذ سانتلانا الآنف الذكر (( المصر السابق ص 292 ) مايلي :
(( الحاجة الى التكاثر دعت المسلمين الى الترابط الجنسي ، وكذلك دعت الى تكوين الاسرة . و من ثم كانت الرابطة القانوينة منبعثة من الزواج . القانون حقيقة اجتماعية : قسم منها يرجع للمجتمع ، و قسم آخر للفرد .فالقسم الاول الذي لا يتعلق باهتمامات الفرد الخاصة يدعى حق الله . و من حقوق الله القواعد المتعلقة بالحرية ، بالرعاية ، بالزواج ، بالنسب ، بالحلال و الحرام ، بقانون الجزاء . فهذه الحقوق لا يمكن الاستخفاف بها لانها تختص بالصالح العام او بالنظام العام . اما القسم الآخر فيتعلق بالحياة الخاصة للافراد ويدعى حقوق الانسان .
و انطلاقا من الحرية كقاعدة اساسية للقانون ، توصل فقهاء الاسلام الى نتيجتين هامتين :
1 – الحرية تجد حدها في طبيعتها هي ، لان الحرية غير المحدودة تعني تحطيم النفس ، وذلك الحد هو القاعدة القانونية او القانون .
2- انعدام الحد هو في الواقع استبداد ، ذلك ان القانون شرع للمصلحة العامة او للخير الاعظم للفرد وللمجتمع على حد سواء . ))
هذا هو الاطار العام لصورة الاسرة العربية – الاسلامية و من ضمنها الاسرة المغربية . ولاستكمال هذا الصورة اورد هنا ما جاء متعلقا بالاسرة المغربية في بحث نشرته الجمعية الفرمسية المضادة للرق و نصه :
اولا – (( الاسرة في المغرب تتالف من الاب ، الام ، الابناء ، الاحفاد ، وبصفة عامة ، من كل اولئك الذين يحملون نفس اللقب ، سواء كانوا يعيشون معا او منفصلين . في البادية توجد حالات يكون فيها رئيس الاسرة : الاب او الجد الو العاصب الاكثر نفوذا .
ثانيا – العبيد و المعتقون و الخدم ، ولو انهم يعيشون في دار سيدهم ، لا يكونون جزاء من الاسرة ، لانهم معتبرون بمثابة اشياء (3) و خاصة العبيد .
ثالثاا – نظام الرياسة في الاسرة هو اولا الاب ، و عند عدمه الابن الاكبر ، و في حالة ما اذا كان هذا الابن معيبا ، تؤول الرياسة الى الجد للأب .
رابعا – رئيس الاسرة له الحق المطلق على اقربائه ، ما عدا الحكم عليهم بالاعدام . و في مقابل هذا الحق المطلق ، عليه واجب النفقة ، و تلبية حاجيات الجميع ، طبقا لحاله ووسائله المالية .
خامسا – رئيس الاسرة مستقل في دائرة التي يزاول فيها كل سلطة ، و لكنه في الحياة الاجتماعية هو تابع لرئيس القبيلة .
سادسا – من هذه السلطة يستثنى – كما اشير سابقا – حق الحياة او الموت الذي لا يمكن ان يزاوله لا على زوجته و لا على اولاده ولا على خدمه و عبيده.
سابعا – كذلك لا يستطيع رب الاسرة ان يقدم لا زوجته ولا اولاده في مقابل الديون ، و لا ان يبيعهم و لا ان يؤجر خدماتهم لشخص ثالث من اجل تادية اشغال معينة . ولكنه يستطيع كل ذلك فيما يتعلق بالعبيد )) .
بعد هذا كله نتسائل فيما بيننا عن وجود الاسرة المغربية : فهل توجد هذه الاسرة حقا ؟ جوابنا هنا سيكون بالايجاب و الاجماع لا محالة ، لانه لولا وجود الاسرة المغربية لما وجدنا نحن ، و لما امكننا الاجتماع هنا لبحث ظاهراتها الاجتماعية و مشكلاتها . اننا هنا لمناقشة موضوع نظام الاسرة المغربية لا لخلق الاسرة المغربية .
لكن يوجد من يكاد ينكر هذه الحقيقة على المغرب و المغاربة زاعما ان ليس بالمغرب اسر بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى . يقول ادواردو دي ليون وراموس (4) :
(( ان ظام الاسرة المغربية التي يصفها احد الاختصاصيين في مشكلات افريقة بانها ابوية السلطة (5) Patrarcal  ، يتضمن مفتاح مباديء الشريعة الاسلامية المطبقة واقعيا .
(( لاشيء يبعد الاسرة المغربية من نظام اللطة الابوية مثل تراكم عدد الافراد الذي ينتجه الزواج في المغرب . ان نظام السلطة الابوية يفترض مسبقا وجود رابطة من العواطف ناشئة من لحمة القرابة الطبيعية ، تحت سلطة رئيس محترم ومحبوب ، وهو بدوره يحب و يعتبر اولئك الذين يوجدون تحت امرته. و البطريق بسبب الدم هو الاب ، المعلم ، المدير ، المستشار الذي يمثل قلوب اولاده واقربائه و سائر من بالمنزل ...
(( اما الاب المغرب فهو مختلف للبطريق تمام المخالفة ، هو في داره يزاول سلطة استبدادية ، كما لو لم يكن هناك أي قانون سوى ارادته ، او أي حق غير متعته و ما يوافق هواه . لايحب و لا يحب . كل اهتمامته تقتصر على اعطاء الغذاء و الكساء – على ندرة ذاك و قلة الاحتياج الى هذا – لاولئك الذين يؤويهم حرم المنزل الذي اسسه .
(( و نتيجة لهذا ، يمكن التأكيد بان المعنى الذي تحمله كلمة الاسرة ، خاصة في اوربا و امريكا ، لا زجزد له في المغرب البتة . حيث فيها ( أي في الاسرة المغربية ) الاب فقط هو الذي له كل الحقوق ، و هو الذي يتمتع بشخصيته . ان سلطة الاب التي يزاولها على اولاده القاصرين باسم القانون . هي هناك ( أي في المغرب ) كما كان الامر في رومة القديمة – تتمثل في الاستبداد و الطغيان .
(( المسلم ابا كان او زوجا هو رب الاسرة و سيدها المطلق . حينما يدخل الدار يتحرك فيها ببطء و بعظمة مع رزانة ووقار و اعتبار شبيه بما يمنح للكاهن الاعظم يقف لبضع دقائق ، ودون اية حركة ، و في صموت تام وسط رعيته ، يسمح بان يقترب منه نساؤه واولاده و ان يقبلوا بيده . و بعد هذا ينسحب الجميع الى اطراف المنزل مبرهنين بذلك على الخضوع و الاحترام التام . ليس هناك – حينئذ – ما يقال حيال حقوق الاسرة المشار اليها انفا )) .
ثم يدخل المؤلف في تفاصيل تافهة ، فيتحدث عن طريقة تناول رب الاسرة عشاءه المتمثل في (( الكسكس )) مع لحم الدجاج او الغنم ويقول : (( انه يتناول حبات الكسك و اللحم  بالاصابع و الاظفار ، لان القرآن يحرم استعمال السكين ( كذا) ثم يضيف : (( قد يتجرأ الولد الذكر فيتناول من قصعة الطعام ، فيبتسم له بينما الفتاة اذا تجرأت على ذلك صدت تمام ، وطردن لتنزوي في ركن من الغرفة ، مشيعة بنظرات الازدراء .
(( و حينما ))  يملأ رب الدار بطنه )) كما يقول المثل العربي ( كذ ) يرتاح قليلا ليشرب . تأتيه بالماء احدى بناته / اما الذكور ف يمكن ان يقوموا بمثل هذا العمل . وبعد الانتظار الطويل المشفوع بالخضوع من جانب النساء و الاطفال و الكلاب يعلن كلماته المقدسة : (( الآن ، كلوا انتم )) و في نفس الوقت يبتعد عن القصعة بعد ان يقذف فيها كل العظام و فضلات اللحم الذي اكل )) .
هذا بعض ما قاله الكاتب الذي عاش في المغرب فترة من الزمن حيث مثل بلاده في لجنة التحكيم التي الفت سنة 1910 للنظر في الشكاوي المروفوعة ضد (( المخزن)) ( الحكومة المغربية ) ، ثم في الشكاوي الاسبانية – الفرسية سنة 1910 ثم اعاد طبعه و توسع فيه سنة 1915 ، اننا لو فكرنا في الرد عليه و على امثاله ، لاحتجنا الى سنوات و مجلدات ، و لكن لنتركه يشهد كتابه على مدى ما يكنه للمغرب و المغاربة من كره و ضغينة .
ان الاسرة العربية الكبيرة المتمثلة في القابائل العربية الجاهلية ، و التي تحولت بعد الاسلام الى امة متحدة و متحدية لامم غيرها ، كانت تعبد غير الواحد الاحد ، هذه الامة التي كانت الموئل الوحيد للعدالة و الايمان على وجه الارض مصداقا لقوله تهالى (( كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تومنون بالله . ))
هذه الاسرة العربية الكبيرة ، تعرضت – مثل اسرة المغربية – الى القذف و القد في اعز مقوماتها من جانب بعض المتعصبين .
نعلم جميعا ان الانساب هي اعز ما يعتز به الفرد العربي ، و اهم ما تحافظ عليه الامة العربية . هذه قضية مسلمة لا غبار عليها ، فكل فرد عربي في القبلية يعتز بنسبة ، و كل قبيلة عربية تحفظ انسابها و تفاخر باجدادها ، و تضع بينها و بين غيرها سياجا حصينا يحول دون أي تدليس او ادعاء ... ولكن بعض المسترقين و في نقدمتهم روبرتسن سميت في كتابه : النسب والزواج في شبه الجزيرة العربية القديمة Kinship and Marriage in Early Arabia
يرون ان انساب العرب كلها اكاذيب ، و ان نظام الاسرة في الجزيرة العربية كان قائما على نظام الامومة الذي تراسه ام كثيرة الرجال ، ويجهل فيه الاب تماما.
ويري هؤلاء المخادعون ان اسماء القبائل العربية ليست اسماء رجال عاشوا حقيقة ، و انما اكثرهم شبيه بما يسمى بالطوطم (6) Totem عند الامم المتوحشة . وقد تصدى للرد على هذه الفكرة الخاطئة العلامة جرجي زيدان في كتابه تاريخ التمدن الاسلامي ( ج 3 ص 240 – 277 )  فلا حاجة بنا الى تنفيدها هنا .
وكل ما نود الاشارة اليه في هذا المجال هو ان الاسرة المغربية – و هي عربية مسلمة في الصميم – اصابها من الترهات و الاراجيف ما اصاب الاسرة العربية قبل الاسلام و بعده ، و ذلك لاغراض قد تتباين في ملامحها الخارجية ووسائلها ، و لكنها متحدة – او متشابهة على الاقل – من حيث الجوهر و الغايات البعيدة التي ترمي الى تحقيقها .
وارى ان الكاتب دي ليون كانت تحدوه في اقواله تلك عوامل يمكن اجمالها في ثلاثة :
أ – حقد و حنق دفيم كان يكنه لهذا الشعب الذي اواه  فترة من الزمان ، و قدم له – على عادة الكرم المغربي – الحفاوة و حسن الضيافة و حتى الوسام الفاخر ، فاضظلع من ذلك على محاسن كثيرة استحال بعضها في نظره الى مساويء . وان من الناس من يجعل الحبة قبة او العكس لقضاء حاجة في نفسه ، كما ان منهم من لا ينظر الا بعين السخط ، وهذه لا ترى الا المساويء .
ب – خدمة هدف سياسي كان يرمي اصحابه الى التقليل من شأن المغرب و المغاربة ، و الحط من قيمتهم ، و تشويه سمعتهم ، و اظهارهم بمظهر
المتاخرين المنحطين اجتماعيا ، ليبرروا ما كانوا يروجونه من قيادة مزعومة نحو الحضارة الاوربية الحديثة بينما كان هدفهم الحقيقي الاستعمار و استغلال الثروات ، و تمزيق وحدة تراب البلاد . وفد تم لهم ما ارادوا بسبب اتحادهم في تآمرهم و صدق تكاليهم من اجل اخضاع هذا البلد الذي ظل امدا طويلا جدا و هو كالصخرة الصلدة اما قرني الوعل.
ج- جهل او تجاهل لتاريخ الاسلام و لتاريخ المرأة المسلمة و تحررها عبر العصور و الاجيال ، فقد رد الاسلام للمراة – المغربية و المشرقية على السواء – اعتلارها كمخلوقة لها حقوق على المجتمع ، وواجبات تؤديها خدمة للمجتمع ، فلم تعد مخلوقة تواد او تورث او تحتقر لا لشيء الا انها انثى ، بل صارت في ظل الاسلام ، تسهم ايجابيا في خدمة المجتمع ، و العمل على ترقيته و النهوض به اجتماعيا .
و ليس في مقدورنا استقصاء الامثلة في هذه العجالة ، و لا حتى الاشارة الى نساء بارزات لبعن ادوارا هامة في تاريخ الامة العربية سواء في المدينة المنورة او بغداد او مصر او قرطبة او مراكش او فاس ، و انما حسبنا الاشارة الى مغربية واحدة كان لرجاحة عقلهاو دعائها السياسي اثر كبير في دفع زوجها الى قنة المجد ، و نعني بالمغربية زيبن زوجة يوسف بن تاشفين ملك المغرب و امبراطور الاندلس .

(*)  عقدت جمعية الطالب المغربية بتطوان في نهاية الربيع الماضي ( 17- 6  - 1971 ) ندوة حول الاسرة المغربية ، ودعت كاتب هذه السطور الى الاسهام في الندوة ، فكان هذا بعضا مما اسهم به .
(1) اعطكن متعة الطلاق و هي بعض الهدايا ( من قميص او ازرار او ملحفة ) التي تأخذها المرأة بعد تطليقها .
(2) دافيد سانتلانا استاذ النظم الاسلامية والسياسية و الدينية بجامعة روما : في فصل له عن (( القانون و المجتمع )) حرره بكتاب the legacy of islam  الذي كتبه عدة مستشرقين و نشره الانكليزيان : سير توماس ارنولد و الفرد كيوم ، مطبعة جامعة اكسفورد ، الطبعة 10 ، سنة 1968 ، ص 284 .
(3) استعمال هذه الكلمة هنا استعمال ماكر و خال من الجمال الذي نحسه في مثل قول لبيد بن ربيعة :
الا كل شيء ما خلا الله باطل   وكل نعيم لا محالة زائل
(4) Marruecos M su suelo , su poblacion y su derecho 2 edi madrid 1915 , p 109 ss
(5) رب الاسرة او البطريقُم El patriarca      اسم اطلق في التوراة على اشخاص كانوا رؤساء لاسرات موسعة عديدة الافراد .
(6) هذا اصلاح حديث يرجع تاريخه الى سنة 1881 ، ويعني ان قبيلة متوحشة ما ، نسبت نفسها الى طوطم ما ( حيوان او نبات او غيرهما ) و اتخذته ابا لها يحميها و تحترمه و تقدسه ، فان كان حيوانا امتنعت عن اكله ، و ان كان نباتا امتنع افرادها عن قطعه و هكذا

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here