islamaumaroc

الاستشراق وقضايا الإسلام وثقافته-10-

  دعوة الحق

142 العدد

و الاسلام ذلك الدين الرائع الفذ في احكامه و تشريعاته ،كلما وجد ففرصة سانحة لانقاد الرقيق، و رفع الجنس الانساني الى ذروة الانطلاق الا و سارع الى اقتناصها، ذلك انه جعل العتق كفارة عن كثير من الدنوب، و رغب ايما ترغيب في تحرير الانسان من غل العبودية، و فيما يلي اقدم صورا جد طيبة لحدب شريعة الاسلام على الانسان و هو يرسف في قيود الذل و الهوان:
أ- كفارة القتل الخطأ لقوله تعالى( و من قتل مؤمنا خطا فتحرير رقبة مؤمنة الخ ..)
ب- كفارة الظهار و فيها يقول تعالى : ( والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل ان يتماسا ) .
ج – كفارة الحنث في اليمين لقوله سبحانه : ( لا يواخذكم الله باللغو في ايمانكم و لكن يواخذكم بما عقدتم الايمان ، فكفارته اطعام عشرة مساكين من اوسط ما تطعمون اهليكم او كسوتهم او تحرير رقبة . الخ .. )
د- مكاتبة الملوك على نصيب من المال لاعطائه حريته وذلك في قوله تعالى ( والذين يبتغون الكتاب مما ملكت ايمانكم فكاتبوهم ان علمتم فيهم خيرا ، وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ).
ه – حق الارقاء في مصارف الزكاة لتحريرهم و في ذلك يقول تعالى ( انما الصدقات للفقراء و المساكين و العاملين عليها و المؤلفة قلوبهم و في الرقاب ) .
و- العتق بالتدبير (1) كأن يقول السيد لعبده انت حر بعد وفاتي ، و بهذا القرار يمنع على السيد ان يرجع عما قرره .
ز- لفظ العتق او ما في معناه اذا صدر عن المالك كان هازلا ام جادا ام سكران تم العتق.
ح- السيد قد ينحب من جاريته ولد ، فاذا اعترف به اعتبر الولد حرا من يوم ولاته و تمسي الام بعد وفاة سيدها حرة .
ط- كفارة الافطار في رمضان عندا.
ي- العتق يتم بالمثلة و هو ان يعذب السيد مملوكه او يمثل به .
ك- الترغيب في الاعتاق وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم ( أيما رجل اعتق امرا مسلما استنقد بكل عضو منه عضوا من النار )
يتبين من هذا ان شريعة الاسلام قد فتحت باب العتق على مصراعيه ، و تسقطت اوهي الاسباب
لتحرير العبيد ، ذلك انها لم تترك فرصة تمر دون ان تتحينها لتقدمها للسيد حجة عليه لفك اسر مملوكه .
تلك مجهودات عملاقة ، و مساع مضيئة اضطلع بها منهاج الله من اجل الحرية الانسانية ، فما هي معاملته للرقيق؟
معاملته مشرقة ، غاية في اللطف ،ذروة في الرقة ، كمال في الرأفة و ليس هذا الكلام كلام شاعر يتوسل بالمجاز و التسبيه ، او الصورة الفنية و الخيال الانيق ، كلا والف كلا ، ان ذلك يعتضد بالواقع الملموس المتمثل في الجيل الاول من المسلمين الصالحين و ما نقلته الينا مصادر لا سبيل الى الارتياب فيها . و اليك البيان الشافي عما اقول .
كنت قد المعت فيما سبق الى معاملة الشعوب للمملوك و نظرتها له ، و تجريدها له من كل الحقوق التي يتمتع بها الاحرار ، على حين الاسلام معاملته له مثالية ، وبرهان ذلك انه اوصى به خيرا و امر من كان تحت يده رقيق ان يطعمه و يلبسه و الا يرهقه ، و في هذا يقول تعالى : ( و اعبدوا الله ، و لا تشركوا به شيئا ، و بالوالدين احسانا و بذي القربى و اليتامى و المساكين و الجار ذي القربى و الجار الجنب و الصاحب بالجنب و ابن السبيل و ما ملكت ايمانكم ، ان الله لا يحب من كان مختالا فخورا )
و بالنظر الى هذا البر الالهي في الآية نلحظ ان الله جل و علا قرن وجوب الرفق بالرقيق بوجوب الايمان به ووجوب الاحسان بالوالدين ، و تلك عناية و أي عناية من الله الكريم بمخلوقه المستعبد المتشوف الى الرحمة و الحدب .
و كان النبي صلى الله عليه و سلم قد اعتق – و هو خير اسوة – زيد بن حارثة و خيره بينه و بين اهله فاختار البقاء معه ، وقد زوجه بنت عمته زينب بنت جحش ، و هذا ان دل على شيء فانما يدل على ان الرسول عليه السلام هدف من وراء ذلك رفع الرقيق الى مكانته كانسان .
ولم يجتزيء السرول صلى الله عليه وسلم بهذا الامر فقط ، بل انه ولى زيدا الآنف الذكر اميراعلى الجيش فيه الانصار و المهاجرون ، و عندما قتل ولى بعده ابنه اسامة وهو لا يزال شابا ، و في الجيش ابو بكر وعمر رضي الله عنهما و هما من هما في الاسلام .
ومما ورد في الاحياء للامام الغزالي في باب حقوق المملوك .( واما ملك اليمين يقتضي حقوقا في المعاشرة لابد من مراعاتها ، فقد كان آخر ما اوصي به الرسول صلى الله عليه وسلم انه قال : (اتقوا الله فيما ملكت ايمانكم اطعموهم مما تأكلون و اكسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم من العمل ما لا يطيقون وفيما احببتم فامسكوا او كرهتم فبيعوا ولا تعذبوا خلق الله فان الله مالككم اياهم ، ولو شاء لملكهم اياكم )(2) .
ومما يرويه ابو داود في سنته ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( من اعتق رقبة مومنة كانت فداءه من النار (3) .
ولقد دعا الاسلام الى تحرير الاقاء الكفار ليرد اليهم اعتبارهم الانساني و يتمثل ذلك في قوله تعالى : ( لا يواخذكم الله باللغو في ايمانكم ، ولكن يواخذكم بما عقدتم الايمان ، فكفارته اطعام عشرة مساكين من اوسط ما تطعمون اهليكم او كسوتهم او تحرير رقبة الخ )
و المتمعن فيما سبق يلحظ ان الله تعالى لم يصرح في كفارة اليمين بنوع الرقبة و يميزها بصفة الايمان كما في كفارة القتل ، وبسبب هذا اختلف الحنفية مع المالكية و الشافعية اذ رأى الاحناف ان الرقبة الكافرة تجزى في كفارة اليمين لان اللفظ مطلق ، والاصل في المطلق ان يظل على اطلاقه ، و عند المالكية و الشافعية ان المقصود بالرقبة الرقبة المؤمنة كما نص على ذلك الله تعالى في كفارة القتل . حملا للمطلق على المقيد .
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يدخل الجنة خب ولا بخيل ولا منان و لا منافق ولا سييء الملكة ، وأول من يقرع  باب الجنة المملوك و المملوكة ، فاتقوا الله و احنوا فيما بينكم وبين الله ، و فيما بينكم وبين مواليكم ) .
وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( يارسول الله نعفوا على الخادم ، فصمت رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قال : اعفوا عن الخادم كل يوم سبعين مرة ) . و اذا رحنا نستنطق اكثر من هذه المصادر الاسلامية عن موقف الشريعة المحمدية من الارقاء لوجدنا بين ثناياها معينا ترا من الرحمة الشفيفة ، و عالما حافلا زاهرا بالعطف و الرافة نحو الانسان المستبعد يخرس الالسنة الحداد و العقول الفجة، و يبرهن على مدى الاهتمام البالغ الذي يوليه المنهاج الالهي الخالد للانسان أي انسان ليضمن له حياة تظللها الحرية و المساواة و العدالة الاجتماعية.
اما ما كان يجترحه النخاسون من بيع الاطفال و النساء فالاسلام بريء منه براءة الذئب من دم  يوسف، بل حرمه تحريما باتا قبل ان تزعم الدول المتحضرة كامريكا مثلا  انها قاومته في حين تشجعه و تحض عليه، و يتمثل ذلك في تفضلها الجنسالابيض على الاسود و تمنع هذا الاخير من ممارسة حقوقه المشروعة في كل مجال من مجالات الحياة ، و قد ادى التعصب المقيت بالشعب الامريكي الى ان يزري بالرجل الاسود زراية فاحشة و ليس ادل على ذلك من ان بعض الفنادق و المنتديات يضع اصحابها فوقها لافتات كتبت عليها هذه العبارة البغيضة الوقحة (للبيض فقط).
ومما يبعث على الضحك ان رجال القانون في  امريكا – و هم يمثلون النخبة المثقفة و يرعون قانون البلاد – اصدروا حكما جائرا سنة 1963 في محاكم فلوريدا حول قضية اتصال جنسي بين امراة بيضاء و رجل اسود(4).
و رغم المضايقات العديدة التي يتعرض لها الرجل الاسود في امريكا فان الزنوج اثروا في الحياة الامريكية ، و نبغ منهم شعراء كالشاعر جيمس بيل ، و موسيقيون من بينهم هاري بارلي ، و فنانون كاالفنان هيوكي لي اسميث و غيرهم كثير.
وفي اتون هذه المعارك العنصرية الجاهلية البالية ساهم الادب و الشعر – وهما المرآة الصقيلة تنعكس عليها الحياة حلوها ومرها ، جميلها و عصيبها – في مواجهة هذا الميز العنصري ولافضه رفضا لا هوادة فيه ، و لهذا ننصت بوعي و اهتمام الى شاعر متحرر ابيض وهو ( بويل) يقول في قصدية له ( انشودة الذكرى) متحدثا عن مأساة الانسان الضائع المهان .
انحن ياوطني العزيز فقد وجدت الخلاص.
انحن لتقديم الصلوات والشكران.
انت لم تبق فقيرا ضمن حدودك بل تستطيع الآن ان تقف فارفع الى السماوات عدالة بهة رجل قد تحرر (5).
والاستعمار على العموم في العصر الحديث همه ووكده استعباد الشعوب الضعيفة كانجلترا وفرنسا ، وقصة استعباد هاتين الدولتين للامم المتخلفة وسياستهما الوحشية فيها معروفة لدى الجميع.
اذا لما يهاجم اولئك الاسلام ويلوثونه بتهم باطلة الانه يصرح بأعلى صوته ( لا فضل لاسود على لبيض و لاابيض على اسود الا بالتقوى ) ، الانه يمحق الفوارق العرقية و يدعو الى المساواة بين الاجناس ويقول باعتزاز ( كلكم من آدم و آدم من تراب).
اقول لماذا هاته المهاترات اللفظية الفارغة و الرق كرهه الاسلام اشد الكره ولم يعترف به الا في حالة واحدة وهي الحرب الشرعية حيث يؤسر فيها المنهزمون الذين كانوا قد صارحوا الدولة الاسلامية بالعداوة ، وناصبوها العداء ، وذاك اذا ما ارتأى رئيس الدولة استرقاقها لمصلحة من المصالح .
ومع هذا فان الضرورة الملحة هي التي اوجبت على المسلمين الاعتراف بالرق في الحرب ، و آية ذلك ان الاعداء كانوا يسترقون المسلمين و يذيقونهم الوانا من الذل و الخنوع ، فاضطرتهم هذه الظروف الى المعاملة بالمثل ، و بالرغم من ذلك فقد اختلفت معاملة المسلمين لارقائهم عن معاملة الآخرين لهم اختلافا جذريا ولاسيما في الحرب ، وفي هذا يحدثنا التاريخ الاسلامي بعز وفخر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلق سراح الاسرى في غزوة بدر بدون فداء ، واطلق البعض الآخر بفدية و كما فعل مع نصارى نجران عندما قدموا له جزية فرد عليهم اسراهم وقد شرع كتاب الله تعالى هذا القانون – قانون اسرى الحرب – ليكون هديا تسير عى نوره البشرية في مسيرتها الطويلة منسجما والجوهر الحقيقي للحياة فقال تعالى ( فاما منا بعد واما فداء حتى تضع الحرب اوزارها).
وعلى هذا الهدى الالهي سار ولاة المسلمين في حروبهم الكثيرة ، فكان منهم من يهب الحرية لاساراه وخصوصا اذا لم يتمكن من الاضطلاع بحقوقهم كاملة ، و نفس الامر فعل صلاح الدين الايوبي البطل الباسل مع اسراه عندما عجز عن اطعامهم .
تبين من كل ماسبق بهتان المستشرقين وشعوذتهم ، ومدى الحقد الدفين الذي يكنونه للاسلام ، وتبين كذلك الطريقة الحكيمة التي عالج بها منهاج الله قضية الرقيق تلك الطريقة التي تعتبر فذة في بابها لم يهتد اليها العقل البشري لحد الان وان حاول ان يجابه بها العبودية بيد ان هذه المجابهة لم تكن تنطوي على دراسة رشيدة تحدوها النية الحسنة ، جانب انها هزيلة بدائية لا تساير موكب الحياة في تنقلاته و تغيراته ، و اكبر دليل على ذلك تجربة ابراهام انكولن في تحرير العبيد ، هذا الرجل عمل من اجل انقاذ الارقاء ولكن كانت النتيجة الفشل او ما يشبه الفشل ، لان قانونه لم ينظر الى المشكلة من اعماقها ، و انما نظر اليها من ظاهرها بعكس الاسلام فانه قام بعميلة التحرير من الجانب النفسي للارقاء – كما مر سابقا – ثم بعد ذلك اخذ يشجع على مجابهة هذه المعضلة البشعة ، من اجل هذا تحرر ارقاؤه تحررا حقيقيا وشعروا بالحرية الحقة او شاركوا في بناء الدولة الاسلامية كباقي عباد الله ، وانا ارقاء ابراهام لنكولن فانهم لم يحسوا في باطنهم بالسيادة ، لان رواسب العبودية كانت لا تزال تجري في دمائهم فرجعوا الى سادتهم يضرعون اليهم ان يقبلوه مملوكين مستعبدين (6).
فحكمة الاسلام في تحرير العبيد حكمة عجيبة باهرة تعلن بصراحة تامة انها من صنع مدبر الكون بلغها الى البشر نبيه المصطفى صلوات الله عليه وسىمه ، و لا يمكن ان يجادل فيها الا جاهلي معاند اعمت بصيرته الجهالة و الوقاحة . ولقد صدق الشاعر الذي قال :
اذا لم يكن للمرءعين بصيرة
      فلا غرو ان يرتاب و الصبح مسقر

(1) انظر الحديث عن التدبير بتفصيل حاشية الرهوني على شرح الزرقاني ج 8  ص 190 وما بعدها الطبعة الاولى ،و انظر ايضا هامشه في نفس الصفحة و ما بعدها لكنون
(2) ص 195 ج 2 طبع على نفقة عثمان خليفة
(3) ص 354 ج 2 الطبعة الاولى سنة 1371 ه
(4) راجع كتاب ثورة الزنوج في امريكا للدكتور عبد الملك عودة سلسلة كتاب الهلال سنة 1965 _ ص 101.
(5) راجع كتاب السود في امريكا لمرغريت جوست بوتشر تعريب الدكتور ممدوح حقي ص 185 _ دار الكتاب .
(6) راجع كتاب شبهات حول الاسلام للكاتب الاسلامي العظيم محمد قطب ص 41 الطبعة السادسة 1964 م

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here