islamaumaroc

ظاهرة الضياع في ضوء الإسلام

  دعوة الحق

142 العدد

من المصطلحات التي طرحت على الفكر الاسلامي مفهموم ( الضياع) على نحو العبارات التي يرددها بعض الشباب من عبارات ترجع في الأصل الى مصادر وافدة ذلك أن الامة العربية الاسلامية اذا ما التمست مناهجها وقيمها فانها لا تخضع لمثل هذه المذاهب والنظرات التي تتعارض مع طابعها وتشكلها الاساسي والجذري وفطرتها الأصلية . وترأثهاالحي الذي أقامه الاسلام على اساس التوحيد والايمان والاخلاقوالترابط الواضح بين العقل والقلب وهو ترابط مستمد من تركيب الانسان نفسه فهو مواف له ، يحول دون التمزق او الضياع الذي يكون مصدره في الواقع، ذك الانفصال بينهما واعلاء احدهما ووضع الآخر بعيدا عن الضوء.
أن العامل الاول الذي يحول دون خضوعنا لثل هذه اذاهب هو تكامل نظرتنا الى الحياة وتلك الوسيطة التي تتسم بها طبيعتنا وسطية تحول دون الانحراف أو التجمد.
فنحن لا نتحيز لجانب العقل وعالم الشهادة وحدهما، ولكنا نؤمن بالعقل والقلب اسلوبا للمعرفة،  ونقيم عالم الشهادة والغيب معا متكاملين ونؤمن بالبعث والجزاء.
ولذلك فنحن لا نسرف ولا نفرق في فلسفات الحسيات والماديات والفرائز ، ولا نسرف كذلك ولا نغرق في فلسفات الزهد وتعذيب النفس والرهبانية .
ومن هنا فان فكرنا مطبوع دائما بطابع اسماحة و التفاؤل و التطلع الى رحمة الله وهو ما يحول دون التمزق و الضياع .
بينما يقوم التمزق والضياع في بيئات قصرت مفهومها على النظرة المادية وحدها ، وانكرت الايمان بالله ، وعزلت المجتمع عن الالتزام الخلقي .
ولقد اقام الفكر الاسلامي مستمدا من القرآن ميزانا ظل حيا على مدى العصور لم يسقط أبدا ، ذلك هو ميزان التكامل والوسطية والحركة ، ذلك القسطاس الذي كان قادرا دائما على تعديل مسار الفكر الاسلامي اذا اتجه نحو التجزئة أو الانحراف أوالتوقف .
وقد كشف التاريخ في موجاته المتصلة وحركاته المتوالية ان مصدر الخطر على المجتمع الاسلامي انما يجيء من التخلف او الانحراف عن مفهوم الاسلام ، أو الانفصال عنه في نظرته المتكاملة للكون و الانسان و المجتمع . وهي نظرة  قوامها التوحيد و منهجها العدل و الحق وروحها الايمان وطابعها الاخلاق في نطاق الوسطية الجامعة بين ااروح و المادة والعقل والقلب و الدنيا و الآخرة .
وهذا هو مفتاح ازمة التمزق و الضياع التي فرضتها فلسفات الوجودية و الغروبيدية حين طرحت انفصال الدين عن المجتمع والاخلاق عن الحياة.
ولقد كانت اصالة فكرنا وعمق جذوره وذاتيته الخاصة  دائما عامل قوة و ايجابية  قادرة على شجب تيارات التمزق و الضياع .
ان اخطر ما يلقى الى الاجيال الجديدة من سموم الاقطار التي لا تصمد لحظة واحدة امام ضياء الحق أو نور العلم تلك النظرية التي تقول بأ، الاخلاق نسبية مع كل عصر أو بيئة .
وهي نظرية تهدف الى القول بأن هذا العصر الذي طفت فيه المادية و الحضارة التكنولوجية من شأنه أن يفهم (( الاخلاق)) فهما مغايرا لمفاهيمها التي جاءت بها رسالات السماء.
والحق أن الاخلاق ترتبط بالانسان ذلك الكائن الحي الذي يقوم تركيبه على الروح والجسم والعقل ، والذي لم يتغير هذه المواد في تركيبه منذ استوى على هذه الارض ، فالاخلاق مرتبطة به وليست مرتبطة بالصورة المادية للمجتمع.
ومن هنا كانت صياغة الاخلاق التي تحمي وجوده وتضبط مسيرته وتدفع الاخطار وتحفظه بناء سليما قادرا على العمل والدفاع عن أرضه وصنع الحياة ، كانت هذه الصياغة ملائمة تماما لتركيبه و نوازعه .
وابرز مفاهيم الاخلاق بالنسبة للانسان (( الالتزام الاخلاقي)) وقد اخطأ بالعمد (( دوركايم)) حين اشاع نظرية مسمومة تقول : أن الاخلاق خاضعة لظروف الحياة ، وأ، نظام الاسرة ليس نظاما فطريا.
هذه النظرية الخطيرة التي ارتبطت بالايديولوجية اليهودية لتدمير الانسانية ( وجماعها : التغير المادي للتاريخ واتغير الجنسي للمجتمع و الوجودية )
هذه المحاولة لتجريد الاخلاق من فكرة الالتزام والواجب و الضمير الخلقي هي أخطر المحاولات التي صنعت فكرة الضياع و القلق و التمزق. والحق ان الاخلاق لا توجد كقوة فاعلة في المجتمع دون فكرة الالزام ، ايمانا بأن الالزام هو العنصر الاساسي أو المحور الذي تدور عليه قضية الاخلاق .
والواضح أن زوال فكرة الالزام يقضي على جوهر الحكمة العملية التي تهدف اليها الاخلاق ، فاذا انعدم الالزام انعدمت المسؤولية ، زاذا أعدمت المسؤولية ضاع كل أمل في وضع الحق في نصابه واقامه اسس العدالة.
وفهوم الالزام يقتضي أن تكون الفضيلة قوة كامنة اذا ملأت نفس المرا حفزته الى العمل النافع . حيث تتحول الفضيلة من قوة معنوية في انفس الى قوة حسية .
ويكون الميز الاخلاقي بمثابة سلطة ملزمة يتقيد بها الجميع . وقد دعا القرآن الى الالزام الخلقي وكشف عن أن النفس الانسانية عرفت منذ تكوينها الاول معنى الخير والشر.
(( ونفس ماسواها فألهمها فجورها و تقواها))
وقد ألهمت النفس الانسانية الحدس الخلقي ، فعرفت طريقي الفضيلة والرذيلة (( وهديناه النجدين)) وقد تنحرف الطبيعة الانسانية نحو الشر ولكن الانسان قادر على أن يردها ويستعيد قدرته وسيطرته على قيادها . زفي النفس قوة كامنة مهيئة لتقبل التوجيه و النصح، وهي تحدد للانسان مايجبعمله ، ومايجب تحاشيه، هذه السلطة التي تسيطر على قدراتنا وعلى غرائزنا هي اسمى جزء في نفوسنا وهي (( العقل)) وسلطة العقل هي السلطة الشرعية الوحيدة.
ولاشك أن أزمة الانسان الغربي قد كانت موضع دراسة الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع و هم بين جاد منصف يريد أن يلتمس حى حقيقيا في ضوء العلم ، والتجرد الخالص، ومنهم من يستهدف وضع حلول من شأنها تدمير النفس الانسانية و تمزيقها ، وقد علت هذه الاصوات الاخيرة ، بالرغم من زيف حلولها ومذاهبها لان قوى الايديولوجية الصهيونية كانت من وراء نشرها والالحاح عليها بينما اخفقت سريعا كل تامحاولات الجادة.
ويرى هؤلاء المنصفون أن الاعتماد على التفكير العقلي المجرد غير قادر على حل مشكلة الاحساس بالغربة او التمزق و الضياع فان هناك امكانيات اخرى في الانسان لابد من استغلالها و الاماكنيات تنحصر في قدرة الانسان على الاستفادة من قوى ثلاث هي قوة الارادة وقوة العقل وقوة العاطفة . وانه لابد من ايجاد الوحدة بين هذه القوى الثلاث باعتباره الوسيلة الوحيدة لتحقيق التوازن النفسي والتكامل النفسي.
وان هذا الاضطراب القائم تحت أسماء الغربة و التمزق والضياع انما نتج أساسا من ضعف العقيدة الدينية التي قلل من أثرها سيطرة التفكير العقلي الصرف ، فنحن بحاجة ماسة الى اشباع هذه العاطفة الدينية أشباعا نجد فيه الملاذ الذي نبحت عنه.
وأن غياب العقيدة الدينية والايمان بالله ، الذي لا يغني عنه شيء ، كان عاملا هاما في هذه الازمة ، ولذلك فان حاجة الانسان الى اشباع عاطفته الدينية أمر لا ينقطع(1)
ويرى كولن ولسن في كتابه الغريب ان هذه الأزمة هي ازمة الانسان الحساس العاقل الذي فقد ايمانه بالله ولم يجد بعد مايسد حاجاته العاطفية التي كان الايمان مركزا اشباعها ، وهي أزمة لعب العلم والتفكير العقلي فيها دورا بالغ الاهمية ادى في نهاية الامر الى ضعف العقيدة الدينية.
وعنده أن احد نتائج هذه الازمة عي أشهار الافلاس العقلي و التفكير العقلي.
ودع كولن ولسن الى ضرورة تحقيق اتساق او توازن بين قوى الانسان اثلاثة : الجسم والعقل و العاطفة وذلك لان الانسان وحدة لا يتجزأ ويرى كولن ولسن أن على الانسان ان يتحرر من معتقدات وهمية كثيرة أهمهام فكرة الخطيئة الالوى التي تسيطر على بعض الناس وتقف حائلا دون رؤية الحقيقة.
ويصل كولن ولسن الى اعماق الازمة حين يشير الى الاثار التي افسدت العقلية الغربية و التي تتمثل في آثار بعض الكتاب من أمثال جوته ( الام فارتر) وشيلر وشارتر وكامو و جيمس جويس.
وكل هذه الآراء تحاول أن تصور الحياة وقد انعدمت معانيها وقيمها وغايتها مما ادخل على حياة الناس السأم والانهاك و الانشقاق على النفس بل الى مئات الذوات.
وفي قصة الغيرب لاليير كامو و الغثيان لسارتر تبدو صورة مريرة، تقوم على الرغبة في انكار قيمة للحياة وفي كل منهما ذلك الاحساس بالقلق والنفور و التصدع القائم بين الفرد والمجتمع وفي شعور الانسان فجأة بأنه غريب وبأنه يشربنفسه دون أن يكون ظمآن ومن هنا يأتيه الاحساس بالغثيان.
ويرى كولن ولسن ارتباط هذه الفلسفات بالآثار المسيحية الغربية.
وقد كان بهض اعلام الفكر الديني الاروبي يرى أن الشعور بالألم او الشعور بالخطيئة هو السبيل الى الايمان والى الوصول الى مايسمى بدوائر الايمان العليا، وبمعنى آخر ينبغي للانسان أن يمر بعذاب الضمير فان عذاب الضمير الناجم عن الشعور بالخطيئة هو الذي يحقق مايسمى بالوجود امام الله
ويرى كولن ولسن أن هذه هي فلسفة كير كجارد أو من يطلق عليهم الوجوديون المؤنون وهي تربتط بفكرة الخطيئة.
أما نظرية سارتر وكامو فتصورها مسرحية ( الله والشيطان)
وابرز معالمها نبذ العقائد الدينية ومحاولة القول بخطورتها في تعويق تقدم الانسان وتكبيل حريته.
وأسوا ماتصل اليه هي القول بأ، (( الوجود الوحيد في العالم هو الانسان)) مما زلزل ليمان الناس في الغرب في لقدس مقدساتهم.
وأن الفكر الديني الغربي هو الذي افسد فهم الناس لكثير من الحقائق ومن هنا كانت دعوة كولن ولسن الى نبذ فكرة الخطيئة كأساس للتحرر من الغربة و الغثيان.
ويشير كولن ولسن الى أن اخطر ما أصيب به الفكر الاوربي هو تأليه العلم و تقديسه بل و تسخيره أحيانا في اشعال الحروب وكان طبيعيا ان يؤدي هذا الى خلق الشعور بالقلق القيم الذي استبد بانسان القرن العشرين حتى اصبح مرضا شائعا وطابعا يميز انسان هذا العصر، وقد صاحب هذا احساس بهبث الحياة وانعدام الدافع والمسوغ لبذل الجهد والطموح في عالم قد يباغته الدمار في كل لحظة.
وهكذا تقف بعض الاقلام الداعية لتصور ازمة القلق و الضياع والغربة في الفكر الغربي ، وهي ازمة لا تستطيع ان تقتحم آفاق الفكر الاسلامي الا بصعوبة بالغة ، ذلك لان عواملها لا تتوافر هنا الا من باب التقليد المحض ، ومن باب الغزو الثقافي.
فالاسلام بسماحته الفائقة  وروحه البناءة المليئة بالتفاؤل والايجابية، والبعيدة عن كل تعقيدات الاضطراب النفسي تحول تماما دون وجود أزمة الغريب في المجتمع الاسلامي.
وان أخطر ماتقوم عليه هذه الأزمة وهو مفهوم التطور في الاخلاق والغاء الالتزام الاخلاقي ، هو من الامور التي يتمسك بها الفكر الاسلامي ويعتبرها اساسا عميق الجذور في بناء المجتمع . ولعل هذا هو اعمق الفوارق بين الفكر الاسلامي وبين النظريات الفلسفية المادية الزائفة ، التي تدعو الى التطور الطلق ’ والحرية المطلقة ’ والتي تفسر العقل و القيم و التقدم على  نحو مختلف  عن الاصول التي يقوم عليها الفكر الاسلامي
ولعل ابلغ تصوير لهذا المعنى مايقوله الدكتور اسماعيل الفاروني في مقارنته بين فكر العنصرية الصهيوني و بين فكر الحنيفية العربي الاسلامي.
(( أن القول بوحداينة القيم امر تفرد به العرب دون سواهم فواحدانية القيم هي نفسها وحدانية الله، وهذه الوحدانية ادراك عربي طرأ على الوعي العربي ( نتجته الرسالات السماوية) مصطحبا جانبه الاخلاقي.
على حين أن غير العرب من الشعوب قد لبثت قرونا حتى بعد أن اخد بالوجه الديني من تلك الوحدانية قبل ان يدرك جانبها الخلقي واعني بها وحدة  المعيار بين مختلف الناس بغض النظر عن اجناسهم والوانهم.
(( لب هذه الرسالة هي ان الله موجود وأنه واحد
(( أما وجوده فمعناه عند العقل العربي وجود (( القيم)) وجودا مستقلا عن الانسان ووجوده، اعني أنها ليست من صنع الانسان كما تقتضي ظروف عيشه
(( ومعناه كذلك عند العقل العربي ان حياة الانسان على هذه الارض لم تكن عبثا.
((  اما كون الله واحد فمعناه عند العقل العربي ان القيم تحمل معيارا واحدا لا يتائر باختلاف الزمان و المكان.
(( فالمعيار واحد بكل انسان أي كان وحيثما كان فليس لكل مجموعة من الناس معيارها الخلقي ومعيارها الذي تقيس به الحق بل الخير خير بالنسبة لكل البشر والحق حق بالنسبة للناس اجمعين
(( فالقول بوجود الله و بوحدانية الله اذن هو من صميم الاعتراف بموضوعية القيم و بتخليصها من قيود النسبية التي تقر اختلاف المعايير باختلاف اظروف.
(( فالانسان امام الله هو الانسان لا اختلاف بين فرد وفرد اذا ماقيس الافراد بمقياس الاختلاف الذي هو مقياس الحق)) (2) .
وهذا القول بثبات الاخلاق هو حقيقة اعلنتها الاديان المنزلة جميعا واكدها الاسلام في وضوح ، وهي فصل مضاد لكل اخطار المفاهيم المسمومة المنحرفة التي تطرحها ايديولوجية الصهيونية العالمية لافساد النفس الانسانية وتدميرها.
ومن هنا يبدو فساد تلك النظرية التي طالما أثارها كتاب  التغريب نقلا عن دور كايم وسارتر وفرويد والتي تربط الاخلاق بالوسط ، بينما ترتبط الاخلاق بالانسان نفسه وبتركيبه العقلي والروحي والمادي. وأن أقوى العوامل في تكوين الاخلاق هي العقائد التي تستطيع أن تحول النفس الانسانية من التقبض الى التقبض، وأن القول باثر البيئة او الوارثة امر يجيء في الدرجة التالية ولكن العقائد هي اقوى اثرا في تحويل الطبائع وتحرر النفوس من آثار البيئات والوارثيات وليس الانسان ابن غرائزه كما يدعي أصحاب المذاهب الهدامة ، ولكنه ابن عقيدته، ابن الايمان. وقد بدل الاسلام الناس، وطبائعهم، وغيرهم تغييرا جذريا على نحو يستطيع ان يكشفه كل من يقرأ الدعوة الاسلامية مما يِؤكد زيف هذه النظرية ويؤكد قدرة العقيدة الصغيرة على تغيير النفوس.
ولقد أمن المسلمون بأ، الالتزام الاخلاقي هو طابع كل القيم وقيمها، ومن هنا فان المسلمين لم ينظروا الا الاخلاق على أنها نشاط عقلي او موضع جدال فكري، ذلك أن الاسلام جعل من الاخلاق منهجا عمليا لاقرار قيم التوحيد والايمان والحق.

(1) دكتور مصطفى بدوي- مجلة كلية الآداب 1958.
(2) في مقارنات الأديان – للدكتور الفاروني.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here