islamaumaroc

أبو الهندي

  دعوة الحق

142 العدد

شاعر غريب في فطرته عجيب في موهبته،ترد بين شعراء العربية بحياته الخاصة ،التي جعل
لها اسلوبا مفردا لا يشبه فيه احدا و لا يقلد انسانا.
نظر الى الدنيا نظرة ازدراء فلم يابه لها ولا اهتم بها،و لو كان لمعنى الوجودية الحديثة مكان في عصر هذا الشاعر، لكان رائدها و حامل لوائها قبل أي انسان في هذا الوجود ،حياته ضحكة مجلجلة و سكرة تبدأ ولا تنتهي وليل ليس له صباح،اذاسهر واصل السهر حتى يعيا جسده،فإذا صحا لم يلبث الا ريثما يقوى على الشراب ليعيد الكرة ابهج مما كان و امرح مما مضى.
هده هي الحياة التي اختطها لنفسه شاعرنا ابو الهندي بن عبد القدوس بن شيث ، و لكن الرواة اختلفوا في اسمه، كما اختلفوا في تاريخه و جمع شعره، لقد كان استادا لابي نواس وغيره من شعراء الخمرة،اخدو عنه واستأنسوا شعره،و لقد ولد ولد في الكوفة،ثم رحل الى سجستان و جاء الدنيا في أواخر القرن الاول للهجرة،و أدرك الدولتين الاموية و العباسية و لقد وضع لحياته دستوراعبر عنه في شعره حين قال:
 انما العيش فتاة غادة
                  وقعودي عاكفا في بيت حان
اشرب الخمر و اعصى من نهى
               عن طلاب الراح و البيض الحسان
في حياتي لذة الهو بها
                فاذا مت فقد اودى زماني
كان هذا الشاعر صاحب اختصاص حقيقي في فنه،فقد وقف شعره على الخمرة،لم يقل في غيرها شيئا،و اذا قال فلكي يجد ظريقا الى التحدث سكرة عابرة او ليلة ساهرة،قال فيه القدماء:كان ابو نواس يسلخ جل معاني ابي الهندي و يفرغها في شعره بخاصة وصف الخمر،و قد كان ابو الفرج في اصفهاني في اغانيه ان ابا الهندي((اول من وصف الخمرة من شعراء الاسلام))و هو يريد بذلك التغليب والتخصيص،وفق التغبير الحديث لان ثمة شعراء سبقوه في وصف الخمرة،في بعض اشعارهم و لكنهم لم يجعلوها ديدنا و لم يتخذوها مذهبا.
و شعر هذا الشاعر قوي شديد الاسر يحمل شيئا من طابع العهد الاموي،كما يتضمن الوانا من رقة العصر العباسيفي عهده الذهبي،فهو يتقعر احيانا حتى يصل بك الى العصر الجاهلي ثم يرق و يرق حتى ينحدر بالقارئ الى اواسط العصر العباسي ليعيش مع ابن المعتز و غيره من الشعراء المرهفين.لم يكن ابو الهندي يشرب الخمرة ليسلي همومه و يذهب آلامه،فان الرجل كان يهزأ حتى بالالم و يسخر حتى من الحزن،فهو صاحب فلسفة كما أسلفنا،و الحياة عنده مرحلة لا تستحق الجد و الوقار،و لا يليق بها الهدوء و التعقل والتفكير الطويل،انها رحلة قصيرة ينبغي ان تمضي بسرور و لذة و قد كان سبيله الى تحقيق هذه الفلسفة في الحياة،وتفجر فيه الشعر والنكتة و السخر والهجاء،و هو متطرف في كل هذه العناصر التي تشكل شخصيته العجيبة الغريبة.
لقد منعت عنه الخمرة حين ذهب الى الحج مع الوالي نصر بن سيار،ولكنه لم يستطيع الامتناع عن الشرابحتى في المكان المقدس،و احتال لنفسه فوجد كأسا من الخمرة ذهب الى رابية في ظاهرة المدينة،و جلس يبكي و يشرب و ينشد:
اديرا على الكأس اني فقدتها
                كما فقد المفطوم در المراضع
حليف مدام فارق الراح روحه
                    فظل عليها مستهل المدامع
اذا فابو الهندي لم يكن سكيرا بالمعنى البسيط بل كان يجد في الخمرة انيسا و جليسا و رفيقا ليعينه على السفر في بيداء الحياة و صحراء العمر.
و كان سريع النكتة،و لكن نكتته تغض بالسخر الجارح اكثر الاحيان،و كان في ايراده النكتة،جريئا لا يخشى آمرا ولا ناهيا.
روي ان نصرا بن سيار والي خرسان رآه و هو سكران يتمايل فوقف عليه يلومه ويسبه وقال له:
ضيعت شرفك و فضحت اسلافك فاجابه ابو الهندي ضاحكا:لولا اني ضيعت شرفي لم تكن انت على خرسان فانصرف نصر خجلا.
كان ابو الهندي مقلا في شعره فلم يكن لديه الوقت الفسيح ليخلو الى نفسه فينظم ثم يدون ما ينظم لقد كان هذا الشعرينبثق عنه وهوفي اوج سكرته فيحفظ منه شيئا،و يروي الناس منه بعضا،ثم يتناقله اصحاب الادب معجبين احيانا مستغربين احيانا اخرى،و قد هاب الناس بعضهم بعضا فلم يجرؤ احد على جمع هذا الشعر،مما عرضه الى ضياع اكيد،فلم يسلم منه لنا الا بقية باقية لا تتجاوز المئات القليلة من الابيات.
و قرا هذه الابيات لابي الهندي لنبين طريقة ابي نواس في النظم و رواية القصة و الالفاظ التي تناسب المقام:
و صاحب حانوت عشوت لناره
                         و قد مالت الجوزاء نحو المغارب
فقال الا عجل لنا النقد اننا
                       اناس اخذنا بالكرى والضرائب
نثرت له عشرين بيضا كأنها
                          على كفة الميزان زهر الكواكب
فصب لنا حمراء شعشعت بالدن نزو الجنادب
ان شاعرنا يذكرك هنا برحلات اب نواس الى الحانات وامكنة الراح فهذا الشاعر اشبه الناس بأبي الهندي لولا فارق طفيف يكاد يخفي من الاثر الذي تركه العصر الاموي في شعر أبي المهدي فان شعره اجزل واقوى وأبعد عن اللين الذي عرف في شعر ابي نواس.
وقد اجاد ابو الهندي اجادة خاصة في وصف حالات السكر الشديد لي يوفق الى وصفها احد مثله وانظر الى قوله في هذا المعنى :
نبارك اخذ الكأس حتى كائننا
نرى في الضحى اطناب خيمتنا تعدو
وقوله:
وكأسي كمين الدين قبل صياحه
      شربت بزهر لم يضرني ضريرها
فما ذر قرن الشمس حتى كأنني
      ارى قرية حولي تزلزل دورها
وقوله:
ولها ديب في العظام كأنه
      فيض النعاس واخذه في المفصل
هذا هو ابو الهندي الذي يم يصنع في حياته شيئا غير شرب الخمرة ووصفها ولكنه لم ينس الموت فظل مؤمنا حتى آخر نفس من حياته. انه شخصية نادرة عجيبة’ ولقد ختم حياته ختام الشارب المخلص لهذه الحياة الغريبة حتى اوصى ان يكتب على قبره هذه الابيات التي تحمل طابع السخر من الحياة كما تحمل الايمان العميق باليوم الآخر وهي ابيات تصف رايه وامانيه وتصور ياسه من البقاء والعيش:
اجعلوا أن مت يوما كفني
      ورق الكرم وقبري معصرة
وادفنوني وادفنوا الراح معي
      واجعلوا الاقداح حول المقبرة
انني أرجو من الله غدا
      بعد شرب الراح حسن المغفرة

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here