islamaumaroc

مرحلة الانطلاق من بدر إلى الزلاقة

  دعوة الحق

142 العدد

في تاريخ الدعوة الاسلامية و الدفاع عن العقيدة ، مواقف بطولية خالدة ، تتطلب من الباحثين و المومين بافكار هذه الدعوة السامية، دراستها ، و استخلاص العبرة منها ، و الاستفادة من نتائجها حاضرا و مستقبلا ، حتى نبقى على صلة بماضينا المجيد ، و نظل على ارتباط بمفاخرنا التي أ، غفلنا عنها ، فقدنا الكثير من الطاقات التي تدفعنا الى الامام يرتبط شهر رمضان المعظم –شهر الصيام و المغفرة ، و شهر التضحية النفسية و مقاومة الغرور الانساني – بكثير من الاحداث المهمة ، التي اثرت في سير الدعوة الاسلامية ،  واغنتها بكثير من المفاخر ، بل غيرت الاتجاه العام للتاريخ ، و افسدت الكثير من الخطط و النظريات التي كانت تعتبر ضرورية للسير العام للحياة ... وأوثر الاشارة هنا الى حدثين خلف كال واحد منهما – في نظاقه الخاص – نتائج باهرة ، ترتب عنها تغيير في الوضعية العامة للدعوة الى الله ، و تقييم للاوضاع قلب الحياة رأسا على عقب و لست اريد الاندفاع في تيار الاحداث و الوقائع ، و التيه في دنيا القصص وسرد الحوادث ، و تضخيم الحواشي بالتعليقات و النصوص ،  انما احب ان اشير الى بعض هذه النتائج التي كيفت الدعوة المحمدية في قلب الجزيرة العربية ، اثر معركة بدر الشهيرة ، التي تزعمها المصطفى عليه الصلاة و السلام  ، وخطط لها بعزيمة القائد المله ، ويقين الرجل الواثق بنصر ربه ، المومن بنجاح دعوته .. كما اعرج في لمحات خاطفة الى معركة اخرى وقعت في الغرب الاسلامي ، بعد ذلك بقرون ، و في قلب الاندلس المريض ، قادها رجل المرابطين الفذ يوسف ابن تاشفين ، و استطاع بواسطتها تثبيت قدم الدين الاسلامي ، و الحكم العربي في هاته البقعة التي اوشكت الصليبية المقيتة ان تحطمها ، و كاد ت النصرانية المتعصبة ان تجهر عليها ، مستغلة ضعف الامراء و تخادل الحكام  ويجب ان نلاحظ باديء ذي بدء ، ان الاسلام لم يكن دين قتال و حرب ، كما لم يكن الرسول عليه السلام رجلا مقاتلا ، يطلب الحرب حبا في الحرب ، لكنه كان اذا دعت الضرورة، نعم القائد البصير و الخبير ، يعلم بالالهام مايتعلمه غيره بالدرس و المرأ، و الاحتكاك  و الاتصال . و كانت غزوة بدر الكبرى هذه هي اللبنة الاولى في صرح هذه العمل العسكري – ان صح التعبير- الذي أبان عن نجاح التجربة المحمدية في ادارة المعارك الكبرى .
فلم يبدأ عليه السلام عدوة بالعدوان ، و لكنه اذا علم عزمه على المبادرة الى القتال ، فاجأهم ولم يمهلهم ، كما انه اعتمد على القوة المعنوية او مانسميه بقوة الايمان ، وهذه القوة تعادل اضعاف اضعاف القوة العددية ، حتى في عصر الصواريخ و النفاثات ... حطم القوة المالية والتجارية التي كانت تملكها  قريش ، اعتمادا منه عليه اسلام ان ذلك يؤثر في عدوه اكثر من غيره
خرج عليه الصلاة و السلام في 8 من رمضان من السنة 2 للهجرة لملاقاة العير الراجعة من الشام ، و قصد ان يعطي لقريش  الدرس النافع ، بعد ان لجوا في الطغيان ، و الجأوا المسلمين الى ما لجاوهم اليه ، و غمر الايمان صفوف المهاجرين و الانصار ، فلم يتأخر احد ، بل عبر زعيم الانصار سعد بن معاذ عن شعور اخوانه لانصار بقوله (( سر بنا على بركة الله ، فاننا لصبر في الحرب ، صدق في اللقاء ، و لعل الله يريك منا ما تقر به العين )) .. كما عبر المقداد عن المهاجرين بقوله (( والله لا نقول لك كما  قال بنو اسرائيل : اذهب انت و ربك فقاتلا انا  هاهنا قاعدون ، و لكن اذهب انت و ربك فقاتلا انا معكما مقاتلون )).
ورغم ان العير استطاعت الافلات ، الا ان الغرور ركب ابا جهل فساق قومه نحو بدر للمتعة و اظهار النشاط و التحدي فلم يجد الرسول بدأ من قبول هذه التحدي و اللقاء مع رؤوس الشر و العدوان . و كانت النتيجة الحتمية التي ابانت عن صلابة الايمان ، وقوة العزيمة ، و نبل الاهداف ، و نزلت الاية الكريمة : يا أيها النبيء حرض المومنين على القتال ، ان يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين .. الايات . وفاز الرسول في المعركة على الصورة المعروفة في كتب السيرة و التاريخ ، وفرت قريش لا تلوي على شيء. و اعطى الرسول الدرس الممتاز للامة العربية ، فقد استقر الامر ، ووضحت الشبل ، وزال كل غيم و انقشعت السحب عن الاباطيل .. وبدات حقا الارهاصات للأمبراطورية الاسلامية المترامية الاطراف تظهر للعيان بوضوح ، فلا ضعف اليوم و لا تخادل غدا، و لا غطرسة و لا تجير بعد اليوم ، فقد دق الاسلام اسفين الامان في شبه الجزيرة ، وبدأت الانطلاقة الحقيقية التي لا مرد لها للدعوة الى الله ، و الايمان بودانيته و ربوبيته ..
وهكذا كان للمعركة ما بعدها ، بل ان ابعادها ارتسمت الان بصورة واضحة ، و اعتبرت اهم خطوة خطتها الدعوة في سبيل النجاح ، مما جعل احد كبار احبار اليهود في الميدنة يقول : (( بطن الارض اليوم خير من ظهرها )) و هذه صحيح جدا فان بدرا كانت ضدا على الوثنية ، وحربا ضد المفاسد ، و ليس من المعقول ان تظل الدعوة سلبية ازاء هذا الشرورو المستحكم.
اما ثانية المعارك الزلاقة فتختلف عن بدر كثيرا ، و ان جمعت بينهما بعض الاهداف و الغايات ، فبلاد الاندلس كانت تعاني ضعفا و اضطرابا و فوضى بسبب تخادل المسلمين و تناحرهم ، و اتحاد الاسبان و تكتلهم .. و لم يكن بالامكان ترك الحبل على الغارب و العدو يرقب و يترصد ، و في بلاد العدوة رجل لا كالرجال ، رجل قد من حديد ، و صيغ من فولاذ ، لم تلهه مغريات الحضارة و لم تفسده موالد الترف ، و لم تؤثر فيه الشهوات ، فحين و صلته صيحات الاستنجاد لم يتوان او يتكاسل ، خصوصا وقد تكالبت قوى الشر ، و اعصوصبت ثعابين الطغيان ، فأسرع ليضع الامور في مكانها الطبيعي ، و نجح حيث اخفق الكثير ، و حقق للامة امنيتها ، ورد الامور الى نصابها و الغم المعتدي فأوقفه عند حده ، فكانت ساحة الزلاقة مسرحا لاكبر نصر حققه الاسلام ، يرتبط في حلقات منذ بدر الى مايشاء الله .. لكن رجل الصحراء مالبث أ، وزن الاشياء بميزانها الحقيقي ، و فكر بعقليته الخالية من الرواسب ، فتيقن بالبداهة ، ان حماية المريض لا تكفي ، و ان البرء لا يتحقق الا بقطع الداء من اصوله ، و تصفية الجسم و كل العوائق التي تعوقه عن السير الطبيعي ، حتى لا تضيع  الجهود ، و يذهب النجاحالذي حصل عليه هباء . هذا النجاح الذي و صفه صاحب كتاب الحال الموشية بقوله (( كان يوما لم  يسمع بمثله مذ اليرموك و القادسية ، فياله من فتح ماكان أعظمه ، ويوم كبير ماكان اكرمه )) و صحيح انه فتح اكبر مما قدر صاحب الكتاب ، فقد مد القدر بهذه المعركة حبل الاسلام في هذه الديار اكثر من قرنين ، و جعل اسم الله يتردد في ثبات بعد المحب و الصعوبات التي عانى منها السكان الكثير ، وهد من صرح الصليبية القشتالية – أي حين- و حطم في الاخير حركة ملوك الطوائف الذين افسدوا البلاد بخلافاتهم ، و ازعجوا الامة بترهاتهم ... و تحمل الماربطون المسؤولية في هذه النطقة ، لا حبا في الرياسة – كما يدعي بعض الكتاب – و لا طمعا في الحكم  كما يتراءى في اول وهلة ، و انما كما قال يوسف ابن تاشفين نفسه حسب رواية صاحب المعجب : (( انما كان غرضنا في ملك هذه الجزيرة ان نستنفذها من ايدي الروم ، لما رأينا استيلاءهم على اكثرها ، و غفلة ملوكهم ، و اهمالهم للغزو ، و تواكلهم و تخادلهم و ايثارهم الراحة ، و انما همة احدهم كأس يشربها ، و قينة تسمعه ، ولهو يقطع به ايامه ،  ولئن عشت لاعيدن جميع البلاد التي ملكها  الروم في طول هذه  الفتنة الى المسلمين ، ولآملأنها عليهم خيلا و رجالا لا عهد لهم بالدعة ، و لا علم عندهم برخاء العيش )). و يزيد البطل يوسف ابن تاشفين فيقول (( و انما هم  احدهم فرس يروضه و يستفرهه ، او سلاح يستجيده ، او ضريح يلبي دعوته ))
هكذا كان عمل يوسف في هذه البلاد التي تعاورت عليها النكبات ، و ادلهمت فيها الخطوب ، و كثر الناعق  و قل الحازم ، فوجب ان يوضع حد لهذا الفساد ، و ان تعالج الاوضاع لمصلحة الدين و الدين فقط بقطع النظر عن كل اعتبار أخر .
و هكذا يتجلى من شريط هاتين المعركتين ، أي حد من الايمان يستطيع ان يدفع، الى النجاح ، و يسوق صاحبه الى الفوز و الكمال – كما يتضح ان عزائم القادة – و في القمة الانبياء المطهرون الملهمون -  تفعل المعجزات وتأتي بالمدهشات ، و تعطي للاجيال اللاحقة الدروس النافعة ، في صدق الدعوة ، ويقين الفكرة ، وسلامة النظرة ، ودقة التخطيط ، و نبل الهدف .. و تلك هي العبقريات التي ما احوجنا و احوج شبابنا بالخصوص – و قد اغوته الماديات- الى الاطلاع عليها ، و الاستفادة منها و الاقتباس من هدية و محاولة السير على هديها . بل ما احوجنا الى مراحل انطلاق جديدة مستمدة من تعاليم ديننا الحنيف ، و مستوحاة من سير و اخلاق و مثل قادتنا العظام الذين اخلصوا لله فمهدت لهم السبل ، ووضحت امامهم الطريق ، فكانوا خير نبراس لمن يريد ان ينجح ، و يتمنى ان يتوفق. فانستفد من التجربة ، و لنحاول ان نحقق المثالية التي امرنا بها ، و الاستقامة التي هي هدف كل عمل ناجح و مثمر .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here