islamaumaroc

دولة الأدارسة وإمارة الرستميين الكسروية، العلاقات السياسية الأولى لمملكة فاس

  دعوة الحق

142 العدد

يجد المواطن المغربي العادي صعوبة في ان يتصور ان فرنسا و بريطانيا مثلا و امما اخرى في شتى جهات العالم ، هي اليوم غير تلك الامم بالامس و مرد ذلك الشعور الى المغاربة  منذ فتحوا عيونهم على كتب تواريخهم و  هم يتخيلون بلادهم على ما هي عليه الان ، ملوكها من داخل البلاد تسلسلوا كابرا عن كابر، واستطاعت ان تتخطى سائر المراحل وتتغلب على مختلف الصعاب لتحتفظ بشخصيتها وطابعها.
وعبثا كانت المحاولات عبر التاريخ لاذابة هذا الكيان او النيل منه فقد برهنت الايام على انه فعلا كان من القوة والتعتاي بمكان لا يرقى اليه...
واذا كان هناك من شعر اكثر من غيره بهذه الماثرة فهي تلك الممالك والامارات التي كانت تتواجده على صاة به او على مقربة منه فهي وحدها التي كانت تقدر صلابة عوده ونفوذ عزمه منذ الايام الاولى من استقلاله عن الخلافة في المشرق. وكما نسمع اليوم عن السياسة الخارجية لدولة ما من الدول ازاء جهة من الجهات فقد عرفنا عن الادارسة : اول دولة حكمت في  المغرب ، مواقف معينة على الصعيد الافريقي ، وسياسة محددة ازاء الاندلس ، وسلوكا معروفا مع خلفاء بغداد...

عاى الصعيد الافريقي :
امتدت دولة الامام ادريس الاول من المحيط الى قلب القطر الجزائري ولم يستثن من كل هذه المساحات سوى امارات بني عصام بسبتة ، وبني صالح بذكور وبني مدرار بسجاماسة...
وقد تميزت الصلات بين الادارسة من جهة وبين الامارات من جهة اخرى بانها كانت على ما تقتضيه تقاليد الجوار نظرا لما عرفت به تلك الامارات من تمسك متين باهداف الشريعة وتحاشيها عن الرغبة في تسلط بعضها على البعض الاخر.
وعندما اطمان الامام ادريس على الاحوال في الغرب الاقصى اخذ يخطط ليجعل منفذا لدولته على المشرق ، ومن هنا اتجه نحو تلمسان حيث بايعه في رجب ( 172 - 788)  عن طواعية واختيار امير تلمسان ابو عبد الله محمد بن خزر بن صولات المغراوي ، الامر الذي كان له اثر قوي في فصل الشمال الافريقي كله عن الخلافة العباسية منذ هذا التاريخ.
وهنا وجد نفسه وجها لوجه مع دولة الامام عبد الوهاب بن رستم الفارسي الذي كان على راس ثاني امارة استقلت عن بغداد في هذه الجهة (1).
ولم يكن يهم الامام ادريس الاول من دولة الرستميين ان تبسط نفوذها على المنطقة التي كانت تحكم فيها بقدر ما كان يهمه ان يكون هدفها البعيد مما يتفق وهدفه هو ، فقد اصبح بحكم الواقع جارا  لها ولابد حينئد من ان يطمئن على رفقة الطريق.
ولهذا فاننا لا نستغرب حديث المؤرخين القدامى عن ااعلاقات الممتازة التي كانت للادارسة بالكسرويين ، وعن المثالية الفدة في حسن الجوار الامر الذي استدعى تبادل الزيارات بين الامارتين الشقيقتين منذ ايامها الاولى.
ويطهر ان قبيلة زناتة التي كانت تتحكم في المغرب الاوسط انئد لم تجد ما يبرر بقاء الدولة الرستمية مع ظهور الدولة الادريسية ، ولذلك نراها تعلن تمردها على تلك ، باسطة يدها لهذه ، الامر الذي دفع الرستميين الى مواجهة الزناتيين اصحاب السيادة في البلاد (2) وبخاصة منهم بطنا مغراوة وبني يفرن بالرغم من الروابط العائلية التي كانت تشد بعضهم الى البعض الاخــــر (3).
لقد اصرت القبيلتيلتان على طلبهما الى الرستميين  ان يندمجوا في الادارسة كما الحوا في ضغطهم على الادارسة لكي يشهروا الحرب ضد الرستميين .
وبالرغم من وجود هذا العنصر القوي الى جانب الادارسة فانهم ظلوا متشبثين بعهودهم التي قطعوها للرستميين منذ البداية وظلوا مع ذلك يحاولون حمل انصارهم الزناتيين على تغيير موقفهم لما انه لم يكن هناك مصلحة في مناهضة جيرانهم الذين كانوا يهيمنون على جل المرافق الاقتصادية في البلاد ، وكانوا من ناحية اخرى حاجزا امينا بين ممتلكتهم وبين امارة الاغالبة (4) عملاء خصومهم الطبعيين فكانت لهم بمثابة ما يسمى اليوم بالمنطقة الفاصلة (Buffer State )  التي تحميهم و توفر لهم الامن و الاستقرار و العمل بمناى عن التهديدات ..
وعندما لحق الامام سليمان باخيه ادريس نزل ببعض جهات تاهرت ، فأذعنت اليه ، بعد مهلك اخيه ادريس الاول ، سائر القبائل البربرية و لكن ايضا من غير ان تمس الصلات الوثيقة التي كانت تربط الادارسة بالرستميين ، و قد ظهر الحفاظ على تلك الوشائج عندما يقع الامام ادريس الثاني وقام بزيلرة الى تلمسان اواخر عام 198 ه (814  م ) عاقدا لابن عمه الامام محمد بن سليمان على تلك الجهة ، وبهذه المناسبة نلاحظ ان العاهل الشاب لم يكتف بما كان والده يتمسك به من حفاظ على علاقاته بالرستميين (5) و لكنه حيث على ان تدعم تلك العلاقات اكثر من ذي قبل نظرا لما كان يشعر به من اطمئنان لاولئك الذين كانوا يشاركونه احاسيسه نحو الذين سعوا لاغتيال والده ..

سياسة الادارسة الشرقية :
بالرغم مما لحق الادارسة من ظلم سياسي في مساقط رؤوسهم قانهم عندما التحقوا بالمغرب في اعقاب وقعة فخ انصرفوا لاداء رسالتهم في هذه الجهات و ما كان احد ليثق في ان مخطط الامام ادريس كان يقصد الى الاطاحة بدولة بني العباس في بغداد فان امكانياته من جهة، و تناءى المسافات من جهة ثانية، كل ذلك مما كان يبعد- في نظر الملاحظين – احتمال التفكير في اخد وشيك بالثار.
و على العكس من ذلك فان الخليفة هارون الرشيد قلق جدا من وصول الامام ادريس سالما الى بلاد المغرب ، و قد زاد في مشاعره بالخوف ما بلغه من استجابات تلقائية و جماعية لتوجيهات الامام ادريس و لما تكمل خمس سنوات على نجاته ... وكان ما ارعبه دون شك التقرير اليائس الذي وصله من عامله روح بن حاتم امير القيروان، وكان الخليفة عهد اليه بمقاومة المغرب الادريسي. لكن الذي فتح عينيه على الخطر ما بلغه ايضا من الفضل ابن روح من ان الجيش تمرد عليه عندما اعطاه الامر بمقاتلة ادريس و ان الناس في بلاد المغرب يتهيبون النيل من حفدة رسول الله .. فهنا جمع الخليفة ديوانه و كان الهاجس الاسود الذي اوحى به وزيره جعفر البرمكي : ان لا وسيلة للاستعانة بالجيوش مهما كانت لاخضاع ادريس ، و ان الطريق الوحيد للتخلص من الدولة الناشئة هو في ارسال مبعوث يختلط بالامام لجهر عليه عندما تسنح له الفرصة ...
وهكذا كانت المؤامرة الدنيئة الرخيصة التي نفذها عميل عرفة التاريخ بعد باسم (( الشماخ)) وظل اسمه يحمل معاني الغدر و القذارة في كل بيت و على كل لسان في مغرب البلاد و مشرقها .
ونعتقد انه لولا ذلك التصرف الاهوج من بلاط العباسيين لامكن للايام ان تعمل على تضميد الجروح التي خلفها قمع القائد العسكري محمد بن سليمان (6) ولامكن ان نجد الادارسة في لقاء محتمل مع قادة بغداد ، ولامكن بالتالي ان لا تزداد العلاقات تقدما و تطورا مع خصوم العباسيين في بلاد الشمال الافريقي و في الاندلس ..
ونريد ان نستنتج من كل هذا ان اصرار مما زاد في دعم العلاقات بين الدولتين المستقلتين الخلافة في بغداد على مضايقة العلويين الطالبين كان الادريسية والرستمية ..

على الصعيد الاندلسي :
ولو ان الخلافة في بغداد كانت على جانب من التدبير و التفكير على نحو ما كانت عليه في سعة الملك ، لعرفت كيف تعمل على امتصاص نقمة خصومها و خاصة منهم الموتورين لكنها كانت عاجزة بالفعل عن التفكير في امر من هذا القبيل و لهذا نراها تمعن في الاستفزاز و الاثارة .
ومن هذا القبيل بعث الخليفة هارون الرشيد سنة 184 ه (801) بسفارة هامة الى ايكس لاشابيل للاجتماع بالامبراطورية شارلمان ، اختار كبار اعضائها من شخصية مشرقية و شخصية مغربية افريقة من فوساطوم (7) كانت الاولى احد رجال ثقته من اهل فارس ، و كانت الثانية تمثل ابراهيم بن الاغلب امير القيروان ، و قد تلاقيا قبل ان يلتحقا معا ببلاط الامبراطور ...
وقد اجمعت المصادر على ان الهدف من هذه السفارة هي الاستعانة بالامبراطورشارلمان على
خصوم الخليفة الذين يوجدون على حوض المتوسط : الامويين  الرستميين و الادريسسن (8) ...
لقد كان ذلك التعنت مما حدا بالاندلس الى ان تستنجد بالمغرب وهكذا فكما وردت بالامس وفادة من يوليان على كوسى ابن نصير تستنجد ضد رودريكو (9) رسل الحكم بن هشام بعثة الى الامام ادريس الثاني منذ سنة 188 ه (804م) بمناسبة اعتلاء العرش و ليفاتحه بأن يكونا يدا واحدة على خصومهم الاغالبة احلاف العباسيين ، و كان مما حدا بالعاهل الشاب الى الرد على هذه السفارة بأخرى... وكان هذا ايضا مما قوى من عزم الامام عبد الوهاب ابن رستم فداهم بشجاعة ابا العباس عبد الله بن ابراهيم الاغلبي و حاصره بطرابلس عام 196 ه (811  م ) .
لكن الطريف في العلاقات الادريسية الكسروية ان نجد الادارسة يوافقون جيرانهم الرستميين في ان يبعثوا بسفارة لهم الى قرطبة عام 207 ه ( 822 – 823  م )  تصل في يوم مشهور محفوظ في التاريخ ، لغرض اظهار التضامن ضد الذين كانوا يحاولون التخلص منهم ...
وباسم الامويين حلفاء الرستميين و الادارسة راحت بسفارة عام 225 ه ( 839 _ 840 ) برئاسة  يحيى بن حكم البكري ( الغزال ) (10) من عبد الرحمن الناصر الى امبراطورية بيزامطة  theophilus) ) لاثارته ضد الخلافة ، وذلك كرد فعل لما قام به هارون الرشيد من مساعي مع الامبرطر شارلمان (11) .
وبالرغم من استسلام الرستميين امام المد الفاطمي فان آثار ذلك اللقاء بينهم وبين الادارسة ترك آثارا بعيدة المدى فقد ظلت السياسة المغربية ازاء الاندلس لقرب الى التفاهم و التعاضد منها مع الذين عوضوا الكسرويين وهذا نفسر استجابة الامير احمد بن ابراهيم بن محمد بن ادريس لاستنجاد عبد الرحمن الناصر اثر وقعة 327 ه ( 938 – 939 ) فيستفي قاضي الجماعة بفاس ابا عبد الله محمد بن عبد الله بن ابي عيسى في شأن استنفار المغاربة للعمل الى جانب حلفائهم في الاندلس ...
لقد دشن الادارسة علاقاتهم الخارجية بعقد حسن الجوار بينهم و بين جيرانهم الاولين الرستميين ، و ان هذا العقد كان فاتحة لنشاط سياسي تناول جنوب القارة الاوربية و تعداه الى الجهات النائية مما كان رصيدا ثمينا لدبلوماسيننا العريقة الاصيلة .

المصادر :
الكري : المغرب في بلاد افريقا و المغرب .
ابن ابي زرع : روض القرطاس .
ابن خلدون : العبر
ابن الخطيب : اعمال الاعلام .
الناصري : الاستقصا .
المقري : نفح الطيب ، وازهار الرياض .
نخلة : حضارة الاسلام في دار السلام .
توفيق المدني : كتاب الجزائر .
الجيلاني : تاريخ الجزائر العام .
الميلي : تاريخ الجزائر في  القديم و الحديث .
قدوري : الصلات الدبلوماطيقية بين هارون الرشيد وشارلمان 1931 .
ابن تاوين : دولة الرستميين ، صحيفة معهد الدراسات الاسلامية 1957 .
كايي : علاقات فرنسا بالمغرب مجلة تطوان 1961 .
مختار العبادي : تاريخ الاندلس لابن الكردبوس صحيفة معهد الدراسات الاسلامية بمدريد 1966
ع.التازي : العلاقات المغربية الايرانية عبر التريخ – مجلة (المغرب) وزارة الممثل الشخصي لجلالة الملك – العدد التاسع مجلة الاخاء الايرانية يناير 1967 .
ع.التازي : تاريخ المغرب الدبلوماسي – مطبعة المحمدية 1966.
Rondat : De Charlemagne a Charles de gauike –Le Monde, 8-9 juin 1969.
Kaddache : L héritage national repensé et intégré (Le Monde), 24-25 janvier 1971).
El-Hajji M Andalusian Diplomatic Relations Withe Western Europe.
Olague : Les Arabes n ont jamais envahi L Espagne  

(1) كانت دولة الرستميين فارسية في اصلها وادارتها ، اسلامية في قضائها و شريعتها ، عربية في علومها ، و آدابها ، بربرية في سداها و عصبيتها . ويعتبر الامام عبد الوهاب من اعلم علماء الاباضية في وقته ، له كتاب في الفقه اشتهر باسم ( مسائل نفوسة )) و كان من دهاة قادة الرستميين ..
(2) كانت زناتة كل شيء في المغرب الاوسط حتى ليعرف بوطن زناتة و منها كان ايضا مغراوة و جراوة قوم الكاهنة ...
(3) لا تنسى ان والدة عبد الوهاب بن رستم الذي كان يقوم بمواجهة الزناتيين هي من زناتة من بطن بني يفرن كما ان زوجته كذلك لواتية .
(4) ابتدا ظهور الاغالبة اواسط جمادى الثانية ( يونية 800 ) عندما كتب العهد لابراهيم بن الاغلب من قبل الرشيد بعد استشارة اصحابه ..
(5) ورد في ابن خلدون ان بني رستم حوربوا من لدى جيرانهم من مغراوة و بني يفرن حتى يدخلوا في طاعة الادارسة لما ملكوا تلمسان ..
(6) احد كبار القادة العسكريين الذين عهد اليهم الخليفة موسى الهادي باخماد مقاومة الطالبيين الذين ظلوا يتمسكون بالاحقبة في تولي الامور .
(7) ورد في المصادر القديمة ان هذه الشخصية وردت من (فوساطوم) ، فذهب بعض الى ان القصد مدينة فاس ، وهو صحيح ، ولكن هذا لا يعني ان منطلق العثة كان من فاس ، و لكنه من القيروان ، و انما حشر اسم فاس لانها كانت من الشهرة بحيث ان اسمها يعبر به عن المنطقة كلها على نحو ما نقل عن ابي عبد الله الينا الذي الف كتابه عام 375 حيث حشر اسم فاس – لشهرتها – مع المدن التي تحد تاهرت . و ما نزال نسمع الى اليوم تعبير الاتراك عن بلاد المغرب كلها باسم فاس ... هذا وقد ذكر ان في جملة الاخبار التي حملتها السفارة البغدادية الى الامبرطور عودة اسحاق ترجمان سفارته السابقة و معه فيل ضخم عرف باسم ابي العباس وقد تبعت هذه السفارة سفارة اخرى عام 191 (807) م و هي التي قدم فيها هارون الرشيد للامبراطور ساعة مائية رفيعة ..
(8) تذكر المصادر التي تحدثت عن هذه السفارة انه في صدر ما عرض على الامبرطور التنازل له عن حق حماية الفلسطينيين بالاراضي المقدسة ضمن الخلافة ، في مقابلة مضايقة بني امية بالاندلس الامر الذي قد يفسره احتلال برشلونة من جانب الافرنج اثر هذا التاريخ ، و يفسره كذلك مداهمة طرطوشا من قبل جيش بقيادة لويز ولد شارلمان عام 192 / 808  م . . وكان هذا بعد ان عجزت عدة محاولات كان اولها التي قام بها والي القيروان العلاء بن مغيث عام 154 ه ، و التي قام بها سليمان بن يقظان وابنه يوسف عام 160 عندما اجتمعا بشارلمان في مدينة باديربورن ( Paderborn ) .
(9) ورد بوليان على المغرب ليرفع شكاة بقصة ابنته فلوريندا التي اعتدى عليها ملك الاندلس وقتئذ لذريق (Rodrge)  وقد زين له فتح الاندلس فكان ان بعث موسى بن نصير طارق ابن زياد في خامس رجب 92 ( 28 ابريل 711 ) .
(10) الغزال بفتح الزاي الغير المشددة .
(11) عرف بلاط الامويين بالاندلس سفارات عديدة كان من اهمها سفارة صاحب القسطنطينة التي وردت في صفر ( غشت 949 ) .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here