islamaumaroc

شجرة البلاء

  دعوة الحق

142 العدد

بالامس (1): في اخريات الليل، وقبل طلوع الفجر،والناس منهم نائم، و مستيقظ يتهيا للصلاة قد انصرف عن ضوضاء الحياة و افانينها الى الاستعداد لمناجاة ربه و اذابتلفوني يرن، واذا باحد الاصدقاء القدامى،الذين شغلتهم الدنيا، و اخذتهم اخذا شديدا، و قد اصبح من الموظفين المرموقين يحييني على قرب  الدار و تداني المزار، و يعتدر عن ازعاجي في مثل هذه الساعة من السحر و يسالني عن ((شجرة البلاء)) ما هي؟ فاستعذت بالله في نفسي من هذه الشجرة و رددت التحية بمثلها، واجبت الصديق القديم الذي يذكر تاريخه الذي لم يطوه البلى بانني لا اذكر انني عرفت هذه الشجرة ،و في نفسي سالت الله الا يعرفنيها و احسست في نغمة الصديق القديم رغبة ملحة مستعجلة يطلبني بها ان استجيب اليه و ان استنجد كتبي و مصادر نفسي و اطلعه على بعض ابنائها،و ذكر ان كتبه غير حاضرة لديه ،و انه مسافر الى بلد قريب ليودع كبيرا سوف يغادر الوطن لامر حكومي و سيعود هو قبل مساء ذلك اليوم ،و يرجو ان يجد نبا هذه الشجرة و قد تكامل عندي لانقله اليه،فوعدته ذلك ورد التحية كريمة كما بداها و انصرف فلما اقبل النهار ،و عادت الحياة تضطرب بابنائها اقبلت على كتبي ابحث عن شجرة البلاء اين اجد انباءها ، و عندي من تكاليف الحياة افانين فيها من هذه الشجرة الوان نيط بي تعهدها و اشفق من نمائها.
و قلبت كتبي اسائلها عن الشجرة الملعونة ما انباؤها، و اذا هي بفروعها و اغصانها وجذوعها عند بيت كل انسان يعلم منها بقدر ما عا ش في هذه الدنيا.
فهي التي قال الله عنها لآدم و حواء ((و لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ، فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما، وقال ما نهاكمها ربكما عن هذه الشجرة الا ان تكونا ملكين او تكونا من الخالدين،وقاسمهما اني لكما من الناصحين فدلاهما بغرور ، فلما ذاقا الشجرةبدت لهما سوءاتهما  و طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة)) فان لم تكن هي شجرة البلاء او الابتلاء فما ادري اين يكون البلاء ، و عنها قد تفرع كل بلاء اصا ب  الانسان او تعرض له ،و لولاها ، و لولا الاكل منها ما هتط الانسان من علوه الى حيث هو اسفل سافلين ثم الجزاء و العقاب والحشر و النشر من بعد الموت و البلى.
و الاغنية المعروفة في العالم العربي تشير الى شجرة التفاح، و هناك اغنية اخرى معروفة مشهورة كذلك تشير باستحياء و من بعيد الى ان الشجرة شجرة التوث و عنها ترتب قول الله تعالى ((اهبطوا منها بعضكم لبعض عدو)) فاي بلاء او ابتلاء اعضم من امر هذه الشجرة ؟ و عنها تكون الكون كله ببلاياه و مآسيه و فواجعه ثم جاء الخير يزاحمه و يدافعه و يريد اثبات وجوده .
و توجد شجرة اخرى في الارض يقال لها (( سروة بس)) كانت بقرية كشمير في مقاطعة نيسابور بخرسان، وكانت من السرو الضخم لم ير مثلها طولا وعرضا واستواء و نضارة ، وكانت من مفاخر خرسان اذ لم يكن لها شبيه في الحسن و الاعجوبة ، و كانت ضلالها فرسخا ، فجرى ذكرها  غيرة مرة في مجلس المتوكل العباسي فاحب ان يراها ، ولما لم يستطيع النهوض الى خرسان لرؤيتها كتب الى طاهر بن عبد الله يامره بقطعها ، وبعث اقطاع جذعها واغصانها كلها في لبود وحملها على الجمال لينصبها النجارون بين يديه حتى لا يفقد منها اوراقها ، فاشار
عليه جلساؤه بالعدول عن قطعها خوفوفوه عاقبة امرها واخبروه بما في قطعها من الطيرة، فكانهم اغروه بها ، ولم ينفع السروة شفاعة الشافعين ، ولم يجد الامير طاهر بدا من امتثال امر المتوكل . وافذ النجارين لقطعها و الجمال لحملها ، وينكر ان اهل مقاطعة هذه الشجرة قدموا لطاهر مالا جزيلا ليعدل عن قطعها فابى وقال لو ضمنتم مكان كل درهم قدمتموه دينارا لم اقدر على مخالفة امير المؤمنين فلما قطعت الشجرة عظمت المصيبة بها على اهل ناحيتها وارتفعت ضجاتهم بالبكاء عليها وقال شعرائهم في رثائها ثم عبيت للبود و حملت على ثلاثمائة جمل الى المتوكل فتفاءل علي بن الجهم ضد المتوكل فقال :
قال (1) سرى بسبيله المتوكل 
        فالسرو يرى والمنية تنزل
ما سربلت الا لان امامنا
       بالسيف من املاده متسربل
فجرى الامر على ما تفاءل به ، وقتل المتوكل قبل وصول شجرة السرور اليه ، وتذاكر الناس البيتين بعد قتله (2) ،وقد قتله ابنه المنتصر.
وهناك مثل يثمثل الناس به يقولون ( جهد البلاء) و قد اتى عبد الله ابن معاوية ابن جعفر بن ابي طالب برجل قد استحق القتل فاقيم لتضرب عنقه ودعا بالسيف فقال رجل من جلسائه هذا و الله جهد البلاء فقال عبد الله لا تقل هذا فوالله ما هذا وشرطة حجام بمحجمه الا سواء ولكن (( جهد البلاء) فقر مدقع بعد خير موسع.
وقال الجاحظ : ليس جهد البلاء مد الاعناق وانتضار وقوع السيوف لان الوقت قصير والحس مغموز ولكن جهد البلاء ان تظهر الخلة وتطول المدة ، وتعجزة الحيلة فلا تجد صديقا مؤنسا الا ابن عم شامتا وجارا حاسدا ووليا قد تحول عدوا وزوجة مختلفة وجارية مضيعة وعبدا لا يحترمك وولدا ينهرك.
واختبر الله عباده تارة بالمسرات ليشكروه، وتارة بالمضرات ليصبروا المحنة والمنحة جميعا بلاء . فالمحنة مقتضية للصبر ، والمنحة مقتضية للشكر ، والقيام بحقوق الصبر ايسر من القيام بحقوق الشكر ، فصارت المنحة اعضم البالءين.
وبهذا الاعتبار قال عمر ابن الخطاب : بلينا بالضراء فصبرنا ، وبلينا بالسراء فلم نصبر
ولهذا قال علي ابن ابي طالب : من وسع عليه دنياه فلم يعلم انه قد مكر به فهو مخدوع عن عقله، وقد قال الله تعالى :    ((ونبلوكم بالشر والخير فتنة  ، والينا ترجعون )).

(1) ديوان علي بن الجهم ص 167 تحقيق خليل مردم بك.
(2) ثمار القلوب في المضلف والمنسوب للثعالبي ص 470

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here