islamaumaroc

ولكن.. يناله التقوى منكم

  دعوة الحق

142 العدد

اتجهت وفود الحجيج الى البقاع المقدسة ، ملبية نداء ابراهيم ، و ملتمسة من الله القبول ، حثيثة الخطى لتذكر الله و تشهد المنافع .. ولا تلبث ان تعود الى أرض الوطن يملأ حناياها خشوع و خضوع ، و يشغفها حب الخير ، و يعمر قلوبها الايمان...
نعود الى ارض الوطن نقية من الذنوب ، طاهرة كالملائكة ، وفيه بما عاهدت الله عليه ..
لقد شدت الرحال الى أداء المسكين ، و أمت بيت الله العتيق الذي تهوى اليه افئدة امسلمين ، و ترف الى رؤيته و الطواف به قلوب المونين ، و تستروح الذكريات التي تحوم عليه نفوس المخلصين .. وزارت بلدا كريما رفع الله مكانته ، و غرس في القلوب محبته ، و القى في النفوس مهابته ، فتحركت في قلوبها للذهاب اليه عوامل الايمان ، و حوافز الخير ، فاستهانت بالمشاق ، و سهلت لديها الماعب ، ورخص الاموال ، فاجتازت الفيافي ، و اقتحمت الفضاء ، و خاضت لجج البحار ، و تجشمت الصعاب.
انها لفرصة كريمة ، و نفحة الاهية تتاح لكل شعوب الامة الاسلامية و حكامها و زعمائها و مفكريها و ذوي الامتياز فيها حتى يجددوا العهد ، و يؤكدوا الميثاق ، و يكشف بعضهم لبعض عن أمورهم الادبية و السياسية و التجارية و الاقتصادية و الاجتماعية و العلمية و كل مايهمهم ، و يتعاونوا فيما بينهم على التفكير في الحلول السليمة للمكشلات التي تحربهم ، و يضعوا الخطط التي تكفل لهم متانة البناء ، و قوة المجتمع .
و تلك معنى من معاني (( لبيك ..اللهم لبيك..))
فاذا اجتمع الخاصة في ذلك المشهد الحاشد و الحفل الرائع ، و الموقف المشهود و تدارسومشكلاتهم ، و ابرموا مافيه صلاح المسليمن من كل قطر ، و نشروهللناس، فقد حاز قوة الاجماع ، وسار ملزما للجميع...
نعم .. لقد بدأت وفود الحجاج تعود الىارض الوطن قادمة من تلك الديار الطاهرة و البقاع المقدسة التي تقلبوا في مغانيها و منازلها ، ووردوا على المعين الصافي ، و المنهل العذب، و غسلوا خطيئاتهم وأوزارهم ، و تحللوا من الآثام و الذنوب ، و اصبحت صحفهم نقية بيضاء من غير سوء، و نفوسهم طاهرة من كل آذى ..
فهل استفادة المسلمون و العرب من هذا المؤتمر الالالهي  الاكبر في ضخامته، و كثافة عدده، فاغتنموا فرصة اجتماعهم في اطهر البقاع ، و تشاوروا فيما نزل بهم من جهد و بلاء ، وقوارع و فواجع ، ورواجف وروادف، وغسلوا مالحقهم من عار و هزائم ،وجمعوا ما انفرط من العقد ، ووهي من السمط ، و ضموا الشتات ، ووحدوا الكلمة ، وحددوا الغاية حتى لا يبقى المسلمون ممزقين قطعانا في فدافد الارض ،و عباديد لا يجمعهم نظام ، ولا تؤلف بينهم وحدة... و قد انحلت حباهم ، و تفسخت اخلاقهم فلا تتماسك في قول ولا فعل .. و تقاطعت قلوبهم بعد ان زين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل... فلا يتحقق لهم أي نفع  ، ولا تتفق كلمتهم على العمل من أجل مصلحتهم ... ثم يعودون الى اوطانهم اشتاتا ، ليبقوا و قلوبهم و ابدانهم و عقولهم شتى..
ان مناسك الحج و مقاصده ليست ان تتجرد من مخيط ، و تبتعد عن محيط ، و ان تطوف و تلبي ، و تستجير و تذرف الدموع فحسب ، بل انها ترمي الى معاني اتضحية و الفداء ... و التضحية و الفداء لله و للوطن أصدق شعائر الايمان ، واقدس مظاهر الانسان .. و ليس عيد الاضحى الا رمزا لهذا المعنى ، و تلميحا لهذا المغزى ، و نفحة من النعيم السماوي تندى له القلوب اليابسة باوداد المحض ،  و البر الخالص سعيا لجمع الكلمة ، و سبيلا الى الوحدة المرجوة .. اذ ليس هناك اجمل وافضل في شرعة الله من حمل الروح على الكف ، والاقبال بها في صدق اليقين ، والاخلاص المتين نحو مواطن التضحية و الفداء في سبيل عقيدة طاهرة ، او مبدأ صالح ، او حرمة مهضومة ، او حق ضائع سليب ، او كرامة مضاعة ...
وفي التوحيد للهمم اتحاد
      و لن تبنوا العلا متفرقينا
ومناسك الحج التي تحفل بالاسرار السامية ، و المعاني الغزار تجعل من واجباتها التجرد من المخيط و المحيط ، و التفرغ للعبادة الكاملة التي تنتهي في النهاية الى بذل النفس و التضحية و الفداء ، اذ أن هذا الركن – كباقي اركان الاسلام- يؤلف بين القلوب في ذات الله ، ويؤاخي بين الشعوب في أصل احق ، و يستعرض علائق الناس كل عام ، فيوثقها بالتصافي و التضامن و يؤكدها بالتكافل و التعاطف حتى تعود الى السبيل الواضح ، و الطريق اللاحب ، بعد ما شردها الضلال ، ووزعتها الفرقة ، وأضناها الكلال ، و أعوزها الهادي الخريت الذي يأخذ بيدها ، و يؤلف نافرها ، ويحكم صلاتها ، و يجمع شتيتها  كما لم تكن أتعاب الحج و مشاقه ، وشعت الحاج واغبراره الا مثل خلوق فم الصائم ... انهما نتيجة عنت .. وأية على الطاعة الصادقة ، وهما في وقتهما  أعظم من نظافة الظاهر ، لانهما أثر من آثار نظافة الباطن ... فتعب الصائم و الحاج مقصود منه ان يتعودا الجلد و الصبر ، و الاستماثة في تربية الروح ، و يعدا انفسهما لاحتمال المتاعب و الاخطار ..، فقد رسم سبحانه و تعالى شعائر هذا الحج ليكون للمسلم منها أعظم درس للنفس ، واسمى تربية للوجدان .. وشاء سبحانه ان يكون للمسلم من وراء قيامه بهذه الشعائر و المناسك خير لمجتمعه المسلم ، و ان يكون هذا المجتمع عند بيته المحرم رمزا لوحدة المسلمين ، وشعارا لتضامنهم وتآلفهم ..
لقد نبتت من صحراء العرب الجدية الماحلة ، ورمالها اوعساء القاحلة ، جنات الشرق و الغرب ، و ثمرات العقل و القلب ، و انطلقت ، من معاهد الوحي ، و منازل التنزيل ، و ميادين البطولات ، مواكب المسلمين الذين تدفقت سيولهم من منابعها ، وخرجت سنابلهم من قنابعها ، حتى دخل في ملكهم العالم ، و نزل على حكمهم الدهر ، كما اشعت تلك الصحراء على العالم نور الهداية و النور لتبديد غياهب الديجور ، حيث تخرج منها ابطال الكفاح و النضال الذين نصروا العقيد ، وآزروا الرسول ، و اتبعوا النور الذي انزل معه ..
فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ... لم يمسسهم سوء ... و اتبعوا رضوان الله .
فلا غزو اذا كانت هذه الصحراء منار للأمة ، و مثارا للهمة ، تنضر بها الآمال الذاوية ، و تذكو العزائم الخابية ، ينسل اليها المومنون من كل حدب و صوب ، و تتوجه اليها جماهير امسلمين ليشهدوا منافع لهم ، و يؤلفوا دعاء واحدا تجار به النفوس المظلومة جؤارا تردده جنلات البيت ، و يشق نفسه صدر الفضاء ، و ترجع صداه الصحراء و السماء .
انما الاسلام في الصحراء امتهد
         ليجيء كل مسلم أسد
أ، ضمائرنا و جوارحنا لا يمكن ان تطمئن بالفعل الاطمئنان الكامل ، و تشعر بالسكينة و الرضى ، و يهنا لها بال ما دام هذا العالم الاسلامي يمتحن في كل عام بل في كل شهر او يوم ببلايا سود ، ومحن تذل لها الاسود ، و يكابد من اسباب التخلف حيث تنزل بالمسلمين الفتن و تتكالب عليهم الخطوب .. و تثخنهم املمات و المصائب ..  ما تزال هذه النكبات تتوالى سواء باحتلال اجنبي دخيل ، ام باقامة حكم يجهر بعدائه للاسلام ، و حربه له ..
فما بال المسلمين لاهين سادرين لا يذكرون اخوانهم في ديال الاسلام في فلسطين و كشمير وارتريا والصومال و الركستان بقسميها الشرقي و الغربي و الفلبين و باكستان و زنجبار و اخواتهم مسلمي الولايات المتحدة الزنوج ، و مسلمي اروبا البيض ... كما يذكرون الكونغو وجنوبي افريقا و انغولا و فييتنام ... بل ان اهتمام بعض المسلمين بقضايا البلاد التي لا تربطهم بها رابطة دين او عقيدة او تاريخ او ثقافة اكثر من اهتمامهم بمآسي المسلمين و المجازر و الاضطهادات التي يعيشها المسلمون في اجوائها في هذه البلاد التي ذكرناها و غيرها مما لا يزال يجي الى الان على مسرح الارض الاسلامية .
ان على المسلمين ان يغيروا ما بانفسهم قبل ان يطمس الله على اموالهم ، ويشد على قلوبهم ، و ان يتجاوبوا مع معطيات التقدم العلمي ، و التطور التكنولوجي ، و ماتستلزمه الحياة الحاضرة ، و يتطلبه المتقبل الواعد ، و يستوجبه واجب القوة و الاعداد.
وان عليهم – ايضا- ان يغيروا مفاهيمهم للحياة ، و يكيفوا نفوسهم بمتطلباتها في حدود الشريعة  و الاسلام ، و يستعلوا على كل ما يجعل الانسان يخلد الى الارض ، و يلتصق بالتراب ، و يتجافوا عن الوقوف بين الدم و اولاطلال ، و يربأوا بنفوسهم عن الاستمرار في (( قفا نبك))  التي لك يجن منها المسلمون و العرب الا الاوهام و الخيال ...
فالاسلام دين العمل و التجديد ، لا دين الجمود و الجحود و التقليد ، فهو يهيب بنا ان نكون اقوياء في عقائدنا..اةفياء في ذممنا .. أصفاء في قلوبنا ..حماة لذمارنا و حياضنا .. اشداء على الكفار رحماء بيننا ..
ان الحقيقة التي يجسدها لقاء المسلمين احاشد ، وعلى صعيد واحد حول البيت الحرام الذي جعله الله للناس ، مئابة و امنا ، سواء اعاكف فيه و الباد ، وهو وحده المسلمين بكل ماتعنيه هذه الكلمة من معنى ، و بكل ماتحمله من واقع ، و بكل مانؤديه من معطيات الخير لهذه الامة و تقدمها و ازدهارها...
فلا غرو اذا كان حجاج بيت الحرام و فود الله الى مهابط الوحي واشراق النبوة ، و مطالع الرسالة يبلغون رسالات الله و يخشونه ولا يخشون احدا الا الله ... وقد جاء عن الرسول عليه السلام انه قال : الحجاج و العمار وفد الله ، ان دعوه اجابهم ، و ان استغفروه غفر لهم )).
و ما من شك في ان اعضاء الوفود يجعلون امام مهامهم رفع كلنة الله و حماية شريعته ، و الذياذ عن حدوده واركانه بغية اقامة مجتمع اسلامي صحيح ، قوي متماسك ، مسدد الخطى ، محفوظ القوى لا يوجهه الا الحق ، ولا يهديه الا الخلق، ولا يحكمه الا الله الذي له الدين الخالص...
فليس الفرض من الحج اى الديار الطاهرة هو تقديم اقربان و الذبائح ، و اظهار ضخامة المادة ، و فخامة المظهر ،  و اقتناء الدخائر و الاعلاق ، و التحف و النفائس ، فذلك كله لا يصل الا الله ...  وانما غرضه اوحيد ، و هذفه الاوحد يتجلى في توثيق عرى الاخوة و التضامن بين ابناء الامة الاسلامية  و انعاش العواطف اصالحة التي طغت عليها المنافع ، و صلة القرابة الواشجة التي قطعت بينهما المطامع ، وربط الصلات الشابكة التي اوهتها الجفوة وامضها الاعراض ...
و صدق الله العظيم في كتابه : (( لن ينال الله لحومها .. ولا دماؤها .. ولكن يناله التقوى منكم ..)).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here