islamaumaroc

[كتاب] الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال(1948 -1968)، لغسان كنفاني

  دعوة الحق

141 العدد

تتصاعد عمليات المقاومة المسلحة في الأرض المحتلة يوما بعد  يوم حتى أقلقت العدو، وحيرت قواته، وأحدثت الذعر والاضطراب بين جبهته الداخلية، فأصبح الفرد لا يأمن على حياته يعيش مهددا ليل نهار، يقضي الليل في المخابئ، ويمضي نهاره في عمله بلا استقرار لتوقعه ضربا لفدائيين وهجومهم في أية لحظة.
وصحا العالم من غفوته على صوت المقاومة يدوي في كل مكان مناديا بضرورة تحرير الأرض عودة الأهل، وتناقلت الإذاعات ووكالات الأنباء العالمية أخبار الانتصارات الباهرة التي تحققها يوميا، وهكذا استطاع أبناء النكبة أن يفرضوا وجودهم على العالم الذي نسيهم أو تناساهم طيلة العشرين عاما الماضية، ليعلم كل البشر أينما كانوا أن هناك مليون فلسطيني يطالبون بأرضهم التي اغتصبها العدو الإسرائيلي، ولا يزال هؤلاء الفلسطينيون يعيشون في ظروف قاسية مروعة لا يقبلها إنسان، ولا يرضى عنها ضمير الأحرار في العالم، بينما ينعم حفنة من مشردي الإنسانية بأرضهم وبلادهم.
إن هذا الوضع الذي خلفته مأساة عام 1948 على مرأى من العالم وبتواطؤ الاستعمار والأمم المتحدة لا بد أن يجد حلا، وسوف يضع هذا الحل أبناء الأرض المغتصبة أنفسهم.
ويم يقتصر عمل المقاومة على الجبهة المسلحة فحسب، بل امتد – وبإصرار- منذ النكبة إلى مجال الثقافة، إذ حاول العدو ان يقضي على عروبة الأقلية العربية التي بقيت داخل الأرض المغتصبة، ففرض أنواعا من التعليم تبعد العرب عن قوميتهم ولغتهم، ولكن هؤلاء الذين قبلوا البقاء في أرضهم رفضوا بشدة الرضوخ إلى محاولات العدو.
ومن الأبحاث الجيدة التي نشرت عن هذا الصراع الفكري داخل الأرض المحتلة دراسة الأستاذ غسان كنفاني «الأدب الفلسطيني المقاوم ضد الاحتلال 1948 – 1968» والتي كانت نشرتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية ببيروت عام 1968. وينقسم هذا الكتاب إلى ثلاثة فصول: 1- الوضع الثقافي لعرب فلسطين المحتلة. 2- أدب المقاومة الفلسطيني «أبعاد ومواقف». 3- نماذج من الشعر والقصة والمسرحية.
ويعرض الكتاب لمحاولات العدو محو الثقافة العربية وإحلال الثقافة اليهودية مكانها، ومدى الاضطهاد والتعسف الذي يلقاه عرب الأرض المحتلة ومن ذلك ما عرضه المؤلف ص 18 من الكتاب متمثلا في مناقشة مفتوحة منشورة بمجلة «هذا العالم» الإسرائيلية العدد 38 (أيار 1967) يقول خلالها مثقف إسرائيل:
«أعتقد أن الكيان القومي هو فوق كل اعتبار حتى فوق الاعتبارات الخلقية. ان وجود أقلية عربية
في إسرائيل يشكل أكبر خطر عليها، إذا لم يكن الآن وفي هذا المستقبل ففي المستقبل البعيد، وحتى نمنع وقوع مثل هذا علينا أن نهمل كل شيء بشكل لا يثير الاحتجاجات العالمية علينا أن نجد لذلك غطاء ملائما وعبارات جميلة ولكن إذا لم يكن بد من ذلك فعلينا أن نتجاهل الرأي العام».
«علينا أن نقصر خطواتهم وأن نأخذ أراضيهم، كل عربي ينهي دراسته الثانوية أو الجامعة لا نعطيه عملا وليبحث عن عمل خلال ثلاث أو أربع أو خمس سنوات حتى ييأس ويفهم أنه لا مكان له في هذه البلاد، وليبحث عن بلاد أخرى، علينا ان نقنع العرب بعدم سماع الراديو العربي علينا أن نقطعهم عن الثقافة العربية ونضعهم تحت تأثير الثقافة اليهودية».
- وماذا سيحدث إذا ما قرروا الاستمرار بسماع الراديو المصري؟ وإذا لم يفهموا الإشارة ويغادروا البلاد، ما العمل؟
- سيفهمون وسيهاجرون.
- وإذا رفضوا التخلي عن شخصيتهم الثقافية القومية أو رفضوا الهجرة؟
- لا سيفهمون.
- كن جريئا وقلها بصراحة: علينا أن نقيم أويشفتز، وأويشفتز معسكر اعتقال نازي في بولونيا شهد عمليات قتل جماعية بالغاز لليهود).
وتدل الإحصائيات الرسمية على انخفاض مستوى التعليم في الوسط العربي، فنسبة المتخرجين العرب من الجامعة منخفض جدا حيث كانت عام 1967 مائتي طالب عربي مقابل 19 ألف يهودي كما أن الجيل العربي الذي بدأ التعليم في الصف الأول عام 1957 ترك المدرسة منهم 45% في عام 1964. وكان نسبة الناجحين في الشهادة الثانوية في نفس العام 4 أو 5%
ويعرض المؤلف ص 20 لمذكرة منظمة «الأرض» في إسرائيل التي بعثت بها إلى بوطانت في مطلع عام 1964 والتي فضخت هذه الأوضاع حيث تقول:
« ان نسبة التعليم المرتفعة في ظل الانتداب انخفضت إلى الحضيض خلال الست عشرة سنة الماضية. ان نسبة النجح في شهادة الميتركيولشن (باغروت) في المدارس العربية الخاضعة لإشراف وزارة التربية هي فقط 4 و 5 بالمائة.
ان هذا الانخفاض يعود إلى الاسباب التالية:
1 – التدخل المؤذي والوقح في شؤون التعليم من قبل رجال الحكم العسكري والمباحث (شن بت) ولهاتين الفئتين الحكام والعسكريين ورجال المباحث الكلمة الأولى في اختيار المدرسين دون أدنى نظر لكفاءاتهم العلمية. انهم يختارون بناء على ما يقدمون من خدمات للحكم العسكري وللمباحث، ويفترض فيهم أن يكونوا ممالئين، متواطئين وأبواق دعاية للحزب الحاكم.
2- عدم وجود مدارس كافية فبالرغم من الازدياد المضطرد في عدد التلاميذ فإن عدد المدارس لا زال محدودا جدا. ان وزارة التربية تتجاهل عن عمد تنفيذ قانون التعليم الاجباري بالنسبة للأقلية العربية.
3- النقص الشديد في الكتب المطلوبة والمختبرات والتجهيزات والخرائط والمكتبات؟
4- هنالك بعض الموظفين المسؤولين الذين يستغلون وظائفهم فيقومون بنشر بعض الكتب المتدنية هادفين الربح من ناحية وتسميم عقلية الجيل الجديد من ناحية أخرى.
هناك خمس مدارس عربية ثانوية في إسرائيل، واحدة منها فقط (على الناصرة) تدرس العلوم.. ان سياسة الحكومة السلبية بالنسبة للثقافة العربية ترمي إلى محو أي ارتباطات بين الجيل الجديد وبين ماضيهم المجيد لنخدر كل مشاعرهم القومية وامالهم في مستقبل مشرق؟
وفي الحقيقة فإنها تقدم لهم بديلين أحلاهما مر: إما الهجرة وإما الانصهار.. وهكذا تمضي اسرائيل – عن عمد- في حرمان العرب من حق العلم، فمن المعروف أن عدة كليات علمية في الجامعات الاسرائيلية محرمة نهائيا على الطلاب العرب.
وهناك بعض المعلمين القدامى في المدارس العربية يتمردون على سياسة الحكومة التي تبغي القضاء على الثقافة العربية ولكن الحكومة على لسان المسئول عن تعليم العرب وجهت إليهم إنذارا بفصلهم والاستغناء عنهم، وبالفعل فإن السياسة المتبعة حاليا في إسرائيل هي الاستغناء عن قدامى المدرسين وإحلال آخرين محلهم. كما أن الحكومة – في مجال القضاء على اللغة العربية – تدعو إلى استخدام اللغة العامية، ولكنها لا تجد استجابة من عامة المثقفين العرب لذلك تقوم بعمليات قمع واعتقال ضدهم وتمنع تعيين هؤلاء العرب في المكاتب الحكومية والعامة.
ان الحرب النفسية والاقتصادية والسياسية التي تشنها السلطات الاسرائيلية على الثقافة العربية والمثقف العربي كان لها الأثر الأكبر في بلورة الانتاج الأدبي العربي في فلسطين المحتلة على الصورة التي نراها، ومن ذلك اللجوء غالبا إلى الرمز ولم يحدث هذا اللجوء إلا لأن تفسيره «موجود في أكثر من سجن واحد، وفي فصل أكثر من معلم عربي واحد».
وقد وصل هذا القمع في أبشع صوره وأكثرها اتساعا وقسوة في حزيران 1967 فقد تلقى مئات من المثقفين العرب أوامر تحديد الإقامة بناء على المادة 109 من قانون الطوارئ الاسرائيلي المعمول به بالنسبة للعرب منذ 1948 حتى الآن. ان هذه المادة جزء أساسي في حياة عرب الأراضي المحتلة وخصوصا بالنسبة للمثقفين، ويندر أن تسمع عن أديب أو شاعر أو كاتب عربي في اسرائيل لم يتلق مثل هذا الأمر بين الفينة والاخرى.
وبخلاف ذلك فقد جرت عدة اعتقالات بالجملة للمثقفين العرب اثر حرب حزيران (يونيو) 1967 ورافقت هذه الاعتقالات  والاحتجازات عمليات عنف وضرب وتعذيب كما رافق هذا (التعذيب الرسمي) سلسلة من «الاعتداءات الشعبية» حيث كان يعتدي الصهيونيون على عرب الأرض المحتلة. (ص30) هذا الوضع الذي يواجه الأديب والمثقف العربي في فلسطين المحتلة والذي تابع بإصرار لا مثيل له تحديه طوال عشرين عاما من الاغتصاب، هل استطاع أن يزعزع ثقة العربي بجذور ثقافته وآفاقها أو أن يحول بحول دون شروق الأدب المقاوم الذي يتوهج الآن كشمس متفائلة في الحياة الثقافية عموما؟. لقد كان عرب فلسطين المحتلة يدركون منذ البدء العسكري الاسرائيلي، ومنذ البدء عبروا عن وعيهم بالمخطط الموضوع ضدهم، باختصار ولكن بعمق. في جملة واحدة موجزة تلخص كل شيء «كل الناس في العالم يقفون على أقدامهم، إلا الحاكم العسكري فإنه يقف على أذنابه».
وقد أدى ذلك إلى تطور أسلوب التعبير تكليف في الأساس مع متطلبات (جبهة القتال) الثقافية، فقد لجأ الشاعر مثلا لإنشاء مقاصده شعرا بواسطة الطريقة الرمزية، يعبر فيها الشاعر عما يخالجه من شعور قومي دون أن يفصح عن ذلك، وكم من مرة خاطب الشعراء أحباءهم قاصدين الوطن، فإذا ما كتب الشاعر في قصيدته «الويل يا ظالم» لا يمكن للسلطات أن تعرف قصده لتتخذ صده الاجراءات القانونية أما القارئ اللبق فيفهم مرمى الشاعر ويحس بنفس إحساساته.
ولقد حقق شعر المقاومة درجة من التقدم الفني أكثر بكثير مما أتيح لفن القصة أو الرواية. وسنكتفي فيما يلي ببيان نماذج من الشعر المذكور بالكتاب:
يقول الشاعر محمود درويش في قصيدته «عن الأمنيات»
لا تقل لي:
ليتني بائع خبز في الجزائر
لأغني مع ثائر
لا تقل لي:
ليتني راعي مواش في اليمن
لأغني لانتفاضات الزمن
لا تقل لي:
ليتني عامل مقهى في هفانا
لأغني لانتصارات الحزانى
لا تقل لي:
ليتني أعمل حمالا صغير
لأغني للصخور
يا صديقي:
أرضنا ليست بعاقر
كل أرض ولها ميلادها
كل فجر وله موعد ثائر
ويقول في قصيدة أخرى:
شدوا وثاقي
وامنعوا عني الدفاتر
والسجائر
وضعوا التراب على فمي
فالشعر دم القلب
ملح الخبز
ماء العين
يكتب الأظافر
والمحاجر
والحناجر
ويستقبل الشاعر سميح القاسم 5 حزيران بصورة فريدة في قصيدة عن الفدائي تنتهي كما يلي على لسان الفدائي الشهيد:
لا من ورائي
لا تخونوا موعدي
هذي شراييني
خذوها ونسجوا منها
بيارق نسلنا المتمرد
كما كتب توفيق زياد في قصيدته الرائعة «كلمات عن العدوان»:
انكم تبنون لليوم وانا
لغد نعلي البناء
اننا أعمق من بحر وأعلى
من مصابيح السماء
انا فينا نفسا
أطول من هذا المدى الممتد
في قلب الغناء
وبعد فان هذه بعض النماذج الشعرية التي ان دلت على شيء فانما تدل على صلابة المقاومة داخل فلسطين المحتلة، وتمسك المثقفين العرب بلغتهم وثقافتهم، مهما كنت ضراوة العدو وصلابته في محاولة القضاء على شخصيتهم وإدماجهم  في كيانه العنصري الذي يهوى تحت ضربات المقاومة الفلسطينية الباسلة المسلحة والثقافية.
والله نسأل أن يحقق النصر لأبناء هذه الأمة انه نعم المولى ونعم النصير.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here