islamaumaroc

المساواة والعنصرية في الإسلام -3- [تر. محمد الشوفاني]

  دعوة الحق

141 العدد

صوت التقوى
هناك مصدر آخر للمواقف العنصرية هو الدب الديني ،وخاصة ما يدين منه التحيز والتميز العنصريين بواسطة استشهادات مناسبة. فلقد جمع تقاة المسلمين عددا لا حصر له من الأحاديث بعد موت الرسول ، والنسبة الكبيرة من هذه الأحاديث جاءت عفو الخاطر ، ورغم أن ذلك قد يبطل قيمتها كبرهان على آراء الرسول الخاصة ، فإنها مع ذلك تبقى حجة على تطور المواقف خلال الفترة التي أنشئت فيها.    
يهتم عدد كبير من الأحاديث بقضايا العنصر واللون، وبعضها يدين هذا العنصر أو ذاك، وهكذا أثر عن الرسول قوله عن الحبشي : " إنه إذا جاع سرق وإذا شبع زنى " ( الأغاني ص270).                 
ولا شك أن هذا القول جاء عفو الخاطر، ولكنه معروف في التاريخ القديم والحديث كمثل عربي سائر عن الزنوج. ومثل هذه الأحاديث قليل، ولا ينظر إليها على أنها آمرة جازمة. وهناك عدد أكبر بكثير من هذه الأحاديث التي حفظت، وغايتها استنكار التحيز العنصري والإلحاح على أولوية التقوى،وأكثرها شيوعا ما نسب إلى الرسول أنه قال: " لقد بعثت إلى الأحمر والأسود "، وهو تعبير يأخذ على أنه ضم للإنسانية جمعاء، فإذا أضفنا إلى ذلك الآية التي استشهدنا بها في البداية نجد أن الإلحاح منصب على التقوى والعمل الصالح ، وهي أسبق من العرق أو النبل أو حتى الأصل العربي المحض.وتعكس هذه الأحاديث عموما وجه الصراع الذي كان قائما في أوائل الإمبراطورية الإسلامية بين العرب الفاتحين الذين يدعون الارستقراطية العرقية والتفوق الاجتماعي وبين الذي أسلموا من الشعوب المفتوحة التي لم تستطع ادعاء  لا السمو العرقي ولا الأسري، وربما لذلك السبب كان الإلحاح على أسبقية التقوى.     
ويمكنني هنا أن أثير الانتباه إلى صورة بلاغية جد شائعة في الاستعمال العربي، وهي برهان بالخلف ، وهي بالتالي جد مختلفة عما نسميه برهانا غير مباشر، فالغاية من البرهان غير المباشر، إنما هي إيضاح خطا حجة ما بإيراد أكثر أشكالها غرابة وتطرفا، أما الصورة البلاغية العربية التي أشير إليها فغايتها على العكس، لا أن تنقض وتدحضن وإنما أن تؤكد وتثبت ،ولهذا فهي ليست برهانا غير مباشر، وإما هي بالأحرى تأكيد بالخلف إذا سمحت لنفسي بنحت هذا التعبير.                                  
الأمر إذن هو أن يطرح مبدأ،ويعطى مثال عليه ولو كان متطرفا شديد الغرابة ،والغاية هي البرهنة على أن المبدأ يبقى صالحا حتى في أشد صيفه تطرفا وغرابة.          
ولا يمكن للمرء إلا أن يدهش لعدد المرات التي ذكر فيها الرجل الأسود للإشارة إلى هذا النوع من الحجج، وهكذا فعند التأكيد على وجوب الطاعة والخضوع للسلطة مهما كان نوعها، يذكر المشرعون المسلمون قولا مأثورا عن الرسول مؤداه:        
" أطيعوا من ولى عليكم ولو كان عبدا حبشيا مجذوع الأنف". وأوضح من امتزاج هذه الصفات أنه يبغي  الإشارة إلى عدم احتمال هذه الشروط العنصرية، والاجتماعية، والفيزيقية في وقت واحد.       
       
أما في موضوع الزواج فهناك هذا القول :                                                            
" لا تتزوجوا النساء لجمالهن الذي يمكن أن يحطمهن، ولا لمالهن الذي يمكن أن يفسدهن، وإنما للدين ، فزنجية مجذوعة الأنف أفضل بالتقوى" . ويرد نفس الموضوع في في روايات عن أبي ذر، وهو بطل مسلم قديم يذكر كنموذج للتقوى والتواضع وكمثال على تواضعه ورد أنه تزوج امرأة سوداء لأنه أراد زوجة تضعه لا ترفعه، وأنه كان مستعدا للصلاة وراء حبشي.ونجد الموضوع مطروحا بشكل أكثر وضوحا عند ابن حزم الشهير (1064ـ994) الذي يلاحظ أن المؤمن المخلص هو أكثر الناس نبلا حتى ولو كان ابن زانية زنجية ، وأن الخاطئ الكافر هو في الدرك الأسفل حتى ولو كان ابن الرسل.      
فالشعور هنا هو شعور بالتقوى والمساواة، ومع ذلك فهو لا يأتي بإقناع كامل.      
ومما له مغزاه أن ابن حزم يقدم هذه الملاحظة في مدخل مؤلفه عن أنساب العرب حيث يحاول أن يبرهن على أهمية هذا العلم وجلاله. وفي حديث ملتبس بعض الالتباس،يقول رجل حبشي للرسول، "أنتم أيها العرب تمتازون عنا بكل شيء ،بنيتكم ولونكم وامتلاككم للرسول " فيجيبه الرسول : " نعم، وفي الجنة سيظهر بياض الحبشي على بعد أكثر من مسافة ألف سنة " .والغاية الأخلاقية من هذه الحكايات والأقوال  وما شابهها إلا عدله أن التقوى تطفي على السواد وعدمها يطغي على البياض وهذا لا يعني أن الفرق بين البياض والسواد لا أهمية له ، بل عكس ذلك مؤكد في روايات مثل تلك التي تتحدث عن الزنجي   التقي الذي يتحول لونه إلى أبيض، وما شابهها من الحكايات عن فاعلي الشر البيض الذين يتحولون إلى سود. نجد مثالا حيا لذلك في رسالة الغفران ، وهي رؤيا عن الجنة والنار أنشأها الشاعر السوري أبو العلاء (1057ـ973)،ففي الجنة يلتقي الراوي بحورية جميلة تقول له أنها كانت في الحياة تسمى توفيق الزنجية، وأنها كانت تخرج الكتب من أكاديمية بغداد للناسخين، فيستغرب الراوي: ولكنك كنت سوداء ، أما الآن فقد أصبحت أبيض من الكافور؟ " فتجيبه ببيت من الشعر مؤداه:               
لو كان هناك مقدار حبة خردل من نور الله بين السود لتحولوا جميعهم بيض. ونفس التقارن بين البياض والخير نجده في الأدب الإسلامي الذي يصف الرسول نفسه أنه كان خفيف اللون محمره،وتعطى نفس  الصفة لزوجته عائشة ولعلي وأعقابه وحتى لسابقيه من الرسل إبراهيم وموسى وعيسى.         
الفتح و الاسترقاق يمكن إرجاع هذا التغيير الكبير في المواقف خلال بضعة أجيال إلى ثلاثة تطورات أساسية.                                      
1- أولها عامل الفتح ، أنشأ العرب المتقدمين إمبراطورية واسعة الأطراف ظهر فيها التمييز الطبيعي المحتوم بين الفاتحين والمفتوحين، فقد كان العربي والمسلم في البداية شيئا واحدا بالفعل وكان التمييز دينيا فحسب، ولكن مع دخول الشعوب المفتوحة السريع إلى الإسلام ظهرت إلى الوجود طبقة جديدة هي طبقة معتنقي الإسلام غير العرب والذين يشبه وضعهم وضع المسيحيين القاطنين والأصليين في الإمبراطوريات الأوربية المتأخرة . وحسب المذاهب الإسلامية فإن شراح العقيدة أكدوا وأعادوا أن معتنقي الإسلام غير العرب متساوون مع العرب، بل يمكن أن يفوقهم بسمو التقوى، غير أن العرب،مثل غيرهم من الفاتحين قبلهم وبعدهم، كانوا يعارضون في الإذعان إلى مساواتهم مع المغلوبين واحتفظوا بوضعهم الإمتيازي أطول مدة استطاعوا،وكان ينظر إلى المسلمين من غير العرب على أنهم أدنى، كما كانوا عرضة لسلسلة من عدم الأهلية المالية والاجتماعية والسياسية والعسكرية وغيرها.               
وكان الصراع من أجل المساواة في الحقوق من طرف معتنقي الإسلام غير العرب إحدى القضايا الهامة التي شغفت القرنين الأولين من الإسلام. وهناك موضوع آخر يساوي هذا في الأهمية وهو صراع المنحدرين من سلالة نصف عربية من أجل المساواة من سلالة عربية كاملة.                          
ولم تكن قضية اللون ذات أهمية بين هذين الفريقين من معتنقي الإسلام غير العرب وبين المنحدرين من سلالة نصف عربية، بينما تحفظ الآداب الصراع الذي كان دائرا بين الأطراف الثلاثة، العرب،أنصاف العرب ، وغير العرب من المسلمين. وكانت دموية الخصم الغير العربي تبدو ذات أهمية قانونية بالنسبة للغرب على الأقل، وإن كانت لها بعض الأهمية بالنسبة لغير العرب أنفسهم، فالشخص المنحدر من أصل إفريقي يتميز عن غيره من المسلمين غير العرب بمظهره ، فولد أب عربي وأم فارسية لا يبدو مختلفا في مطهره عن ابن لأبوين عربيين، وإنما كان الفرق اجتماعيا ويعتمد على المعرفة الاجتماعية، بينما من كانت أمه افريقية يسهل التعرف عليه وبالتالي يكون أكثر تعرضا للتمييز، وسبة " ابن الزنجية " ليست نادرا ما توجه إلى هؤلاء الأشخاص،وقد كان الشاعر عنترة من أب عربي من قبيلة بني عبس وأم سوداء، ويقول في شعر منسوب إليه ما معناه:    
" أنا الرجل الذي نصفه من مصاف أفاضل عبس، والنصف الآخر أدافع عنه بالسيف".               
وبالصدف يقال عن الخليفة عمر أنه كان حفيدا لامرأة حبشية، وهذا من بقايا معتقدات المواقف القديمة الأولى. ويحكي المؤلف العربي القديم محمد ابن حبيب أن رجلا سب عمر يوما في حياة الرسول ونعته بابن السوداء فنزل الله تعالى الآية القرآنية: " يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم " ويمكن أن تكون الحكاية مبتكرة لغاية الحظ على التقوى، ومع ذلك فهي لا تخلو من أهمية وهي ترد في فصل قصير عن عظماء الرجال الذين كانوا من أمهات حبشيات.                        
2 ـ عامل آخر ذو أهمية هو اتساع مدى التجارب التي حملها الفتح إلى العرب، فقد كانت معرفتهم بإفريقيا قبل الإسلام مقتصرة على الحبشة خصوصا، وهو بلد كان نسبيا يمتاز بمستوى حضاري ماديا ومعنويا، وقد زادت سمعة الأحباش الحسنة في حياة الرسول بسبب الترحيب الذي لاقاه المسلمون المهاجرون من مكة، ثم حدثت تغييرات بعد الفتح الإسلامي، حيث التقى العرب خلال  زحفهم الفاتح نحو إفريقيا من ناحية بشعوب أكثر سوادا وبدائية ونحو جنوب غرب آسيا من ناحية أخرى بشعوب أخف لونا وأكثر حضارة ، ولا شك أن النتيجة أنهم بدأوا يعادلون بين الحقيقتين.                       
3 ـ يضاف إلى هذا التوسع التطور الرئيسي الذي حدث في القرون الإسلامية الأولى، ذلك هو عامل الاسترقاق والتجارة في الرقيق ، ولم يكن العرب المسلمون أول من استرق الأفارقة السود، فحتى في زكم الفراعنة كان المصريون قد بدؤوا يعتقلون السود ويستعملونهم عبيدا،وبعضهم مرسوم فعلا على الآثار المصرية، كما كان هناك عبيد سود في العالمين الروماني والهيليني، ولكن يبدو أن عددهم كان قليلا نسبيا وغير هام ويبدو أن نمو تجارة العبيد في إفريقيا السوداء واستيرادهم بمقادير هائلة للعمل في بلدان البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط يعود تاريخه إلى العصور العربية، وكان من المحتم أن يؤثر ذلك على مواقف الغرب والمسلمين تجاه الشعوب الداكنة اللون التي اتصل بها العرب والمسلمون عن هذه الطريقة فحسب.فالعرب كانوا يعتبرون أنفسهم هم العالم المتحضر ، مثل أي شعب عرفت له حضارة في التاريخ نفهم وحدهم الذين ملكوا الإشعاع والعقيدة الحقة، بينما كان يسكن العالم الخارجي البرابرة والكفار، ومع ذالك فقد اعترف المسلمون ببعض الفروق الموجودة لدى شعوب تتاخم حدود عالمهم الواسع الأرجاء ،ففي الشرق كانت في الهند والصين شعوب وثنية،ولكنهم احترموها لأنها كانت تملك بعض الصفات الحضارية وفي الغرب كان يمتد العالم المسيحي،البيزنطي أولا،ثم المسيحي الذي اعتبر ذو عقيدة منافسة وثقافة  منافسة ونظام منافس ، وما عدا ذالك كان هناك البرابرة الشماليون والجنوبيون، برابرة الشمال البيض كالأتراك والسلافيين وغيرهم، وبرابرة الجنوب الداكني اللون في إفريقيا السوداء.               
وقد نظر إلى الاتجاهين معا كمصدر للعبيد ينبغي استيرادهم للعالم الإسلامي، ليتكونوا تكوينا إسلاميا وليصبحوا بالتالي مسلمين ما داموا لم يتمتعوا بأي دين خاص بهم، فقد كان الاستعباد بالنسبة إليهم وصمة ومنة وقبلوه بهذا الاعتبار، ولم ينظر إلى أي من هذه الأطراف نظرة احترام.       
           
اكتشاف إفريقيا:                                                                                       
 رسم ابن سينا،(1037ـ980) الطبيب والفيلسوف الشهير صورة لحالة المسلم المثالي كما رآها، في آخر فصل من كتاب الشفاء، فحتى في المدينة الفاضلة احتاج الأمر إلى من يقوم بالعمل الشاق القذر، ولهذا شاءت حكمة الله أن تضع في المناطق الشديدة الحرارة أو الشديدة البرودة شعوبا يصلح للعبودية بطبيعتها،غير قادرة على اكتشاف الأشياء السامية ،لأنه لابد أن يكون هناك سادة وعبيد ، هذه الشعوب مثل الأتراك وجيرانهم في الشمال والسود في إفريقيا.                                                 
وللمؤرخين والجغرافيين المسلمين ما يقولونه عن كلتى الطائفتين ، فقد كان الفارقة السود يسمون في المصادر العربية الأولى بالحبش أو السودان ، وتخص الصفو الأولى الأحباش وجيرانهم الأقربين في قرن إفريقيا ،أما الكلمة الثانية فتعني السود عموما، وهي تشمل الأحباش أحيانا، ولكنها لا تشمل المصريين والبرابرة أو أية شعوب في شمال الصحراء أبدا، وقد أضيفت كلمات أخرى أكثر تخصيصا بعد التوسع العربي في إفريقيا ،وأكثر هذه الألفاظ شيوعا هي النوبة والبوجة والزنج ، ولفظ نوبة من النوبية وهو يصف عادة أهالي النيل في الجنوب المصري، أي منطقة جمهوربة السودان الحالية بالتقريب وكان البوجا قبائل رحل بين النيل والبحر الأحمر، أما الزنج،وهي لفظ غير مؤكد الأصل يستعمل عادة صفة للشعوب التي تتكلم لغة البانتو في شرق إفريقيا جنوب الحبشة، وأحيانا يصف الأفارقة السود بصفة عامة،فعبارة " بلاد السودان" تنطبق كل المنطقة من إفريقيا جنوب الصحراء، من النيل إلى المحيط الأطلسي،وتشمل دول إفريقيا الزنجية الغربية كغانا وصونغي وغيرهما، وهناك مؤلفون يدققون في التمييز بين مجتمعات إفريقيا السوداء، بينما يميل بعضهم الآخر إلى جمعهم معا تحت لفظ السوداء، بينما يميل بعضهم الآخر إلى جمعهم معا تحت الفظ السودان … والزنج هم أقل أهلية للاحترام، بينما الحبش هم أكثرهم احتراما ، وتشغل النوبة والبوجة وضعا وسطا، ويستعمل لفظ "افريقية" في العربية الفصحى للدلالة على المغرب فحسب ، عادة المغرب الغربي.                    

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here