islamaumaroc

معالم الحضارة العربية: تطور الحضارة العربية وخصائصها

  دعوة الحق

141 العدد

1 – تطور الحضارة العربية وخصائصها:
بعد الفتوح العربية قامت الامبراطورية العربية الإسلامية التي امتدت من أواسط آسيا وحوض السند شرقا إلى شمال اسبانيا والمحيط الأطلسي غربا.
وانتقل العرب إلى محيطهم الجديد ونقلوا معهم مثلهم العليا التي جاء بها الإسلام، ولغتهم الحية الناضجة التي نزل بها القرآن الكريم، ونشاطهم وحيويتهم وعواطفهم. ومزجوا ذلك بأدب الفرس وعلم اليونان والهند وتشريع الرومان، فخرج للعالم من ذلك كله هذه المدنية الإسلامية العربية التي انتشرت بدورها في ديارهم وخارج ديارهم.
وحرى بنا، قبل أن نأخذ أنفسنا بالتعرف إلى معالم هذه الحضارة وتبين خصائصها، ان نلم إلمامة سريعة بنشوئها وتطورها.
كانت القضايا الأولى التي انصرف العرب إليها، أيام الخلفاء الراشدين وبني أمية، تتعلق بالدرجة الأولى بإدارة هذه البلاد الواسعة التي تولوا أمرها. ذلك بأنهم لم يكونوا أصحاب خبرة بالإدارة على هذا النطاق الواسع. لذلك أخذوا أنفسهم بالاهتداء بهدى القرآن الكريم والحديث الشريف فيما يتعلق بالعدل والمثل الأخلاقية، وسمحوا لأنفسهم بأن يفيدوا من تجارب من سبقهم من الأمم. فمن ذلك أنهم تركوا للولاة أن يصدروا من الأوامر ما يصون الأمن والنظام ويحفظ حياة الناس وأموالهم، وتركوا للقضاة أن يقيموا العدل والقسطاس. وظلت سجلات الدولة المالية مثلا تكتب بالفارسية في العراق، واليونانية في ديار الشام، والقبطية بمصر. كما ظل الناس على استعمال النقود البيزنطية في مصر وديار الشام.
فلما استقر للعرب الأمر ووجدوا  من يستطيع أن يدون هذه القيود باللغة العربية فعلوا ذلك في أيام عبد الملك وأولاده. وسكوا النقود الذهبية العربية الإسلامية. وبذلك جعلوا للامبراطورية العربية نظاما نقديا خاصا كان له أثر كبير في تدعيم التطور الاقتصادي الجديد.
ومع أن الأمويين كانوا حريصين على العناية بالإدارة وإتمام الفتوح فإنهم لم يغفلوا العلوم. فقد عني الامير الأموي خالد بن يزيد، على سبيل المثال، بالكيمياء وما إليها. لكن انتقال الملك العربي إلى العباسيين سنة 132 ه (750) إنشاء بغداد بعد ذلك بمدة قصيرة، هو الذي فتح امام العرب مجال الاتصال العلمي والفلسفي والأدبي بما عند الأمم التي سبقتهم والجماعات المعاصرة لهم. إذ أنهم اندفعوا نحو التعرف إلى التراث الحضاري بأكمله. وكانت الترجمة السبيل الأول إلى ذلك. ففي أيام أبي جعفر المنصور بدأ نقل الطب والفلك إلى اللغة العربية. وقد كانت الترجمة في بدء أمرها فردية فيختار المترجم ما يلذ له وينقله بتشجيع من أولي الأمر. لكن الأمر لم يلبث أن اتخذ شكلا آخر أيام الرشيد والأمين والمأمون. ففي هذه الفترة القصيرة، الممتدة من سنة 170 إلى 218، أصبحت الترجمة عملا رسميا منظما. وكان المترجمون، بادئ ذي بدء، من النصارى المقيمين في الامبراطورية العربية، وكانت الترجمة من اليونانية إلى السريانية ثم من السريانية إلى العربية، لكنها لم تلبث أن أصبحت الكتب تترجم من اليونانية إلى العربية رأسا.
فمدرسة حنين ابن اسحق وابنه وابن أخيه وبعض تلاميذهم، عنيت بالتراث الطبي اليوناني بنوع خاص، فتم على يدها نقل مؤلفات غالينوس وأبقراط وديسقوروس إلى العربية. لكن عمل هذه المدرسة لم يقتصر على ذلك إذ أن المترجمين منها نقلوا بعض أعمال أفلاطون وأرسطو أيضا. وقد أنشأ المأمن دار المحكمة لتكون مركزا للترجمة والبحث وولى حنين بن اسحق رئاستها.
وكانت ثمة مدرسة ثانية للترجمة وهي التي اتبعت طريق يحيى بن عدي. فانصرفت إلى الفلسفة، فنقلت الكثير من مؤلفات أفلاطون وأرسطو وأفلوطين. والمدرسة الثالثة هي التي يمثلها ثابت بن قرة وهي التي يعود إليها الفضل في نقل المؤلفات الرياضية والفلكية اليونانية. وحري بالذكر أنه قبل انتهاء القرن الثالث للهجرة ( القرن التاسع للميلاد) كان العب قد تعرفوا إلى أهم المؤلفات اليونانية بحيث أن ابن ابي اصيبعة أورد ذكر مالا يقل عن مائة كتاب نقلت عن اليونانية في تلك الفترة.
ومع أن بغداد ترجمت الكثير، فإنها لم تكن المركز الوحيد لذلك. فقد نقلت كتب أخرى في مراكزالعلم في العالم الإسلامي، هذه المراكز التي انتشرت في طول البلاد وعرضها. ولنذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر، فرغانة وبخارى ونيسابور والبصرة والكوفة والموصل وحلب ودمشق والقدس والقاهرة والقيروان وتونس وتلمسان ومراكش وفاس وقرطبة وطليطلة.
ودور الترجمة لم يطل أمده على ما رأينا. فقد كانت حيوية العرب والمسلمين قوية، لذلك لم يلبثوا أن أخذا أنفسهم بالكتابة في المواضع المختلفة – في الطب والفلك والرياضيات والفلسفة. كما أن العلوم الإسلامية الصرفة، وهي التي كانت العناية بها قد بدأت قبلا، أخذت سبيلها إلى النضج. فكان التفسير والحديث والفقه والكلام. ويجب أن نضيف إلى ذلك الأدب والتاريخ.
ولنذكر أيضا أن العرب استمروا في خدمة العلم والفكر قرونا طويلة. لذلك تمكنوا من إضافة الكثير إلى ما أخذوه، بحيث انهم ابتكروا أشياء كثيرة ضمت إلى كنز المعرفة البشرية.
وحضارة هذا مدى اتساعها رقعة وامتدادها زمنا كانت لها خصائص لابد أن تذكر قبل الانتقال إلى التفاصيل. فما هي هذه الخصائص؟
أول هذه الخصائص هو أن هذه الحضارة إسلامية الروح والصيغة. فالإسلام هو الذي حفز سكان الامبراطورية، على اختلاف نحلهم وتباين مذاهبهم، على العمل المستمر في سبيل العلم والفلسفة والتشريع وما إلى ذلك. ونحن إذا تذكرنا أن الشريعة الإسلامية هي التي كانت أساس المعاملات والأحكام والعدل، وتذكرنا اهتمام العاملين بها، وجدنا أن هذه كانت من أكبر الخدمات التي تمت على أيدي العرب لا بالنسبة إلى أهل الامبراطورية وسكانها فحسب، بل بالنسبة إلى العالم الحديث.
والأمر الثاني الذي يجب أن نذكره هو أن هذه الحضارة كانت ديناميكية واسعة الأفق والنظرة. فنحن إذا أخذنا بغداد وجوارها وجدنا أن المشتغلين بشؤن العلم والفكر والدين كانوا ينطلقون من آفاق لا تحد، وكانوا يبحثون قضايا متنوعة تتعلق بالكون على عظمته والإنسان والعلاقة بينه وبين الخالق. كما كانوا ينظرون في شؤون الناس وتخطيط المدن وأمور الأسواق.
والحضارة العربية متكاملة من حيث اهتماماتها ونظرتها. فقد تناولت جميع القضايا في خطوط متوازية ومستويات متقاربة، لأن الإسلام لم يفرق بين الدين والدنيا. فكان من الطبيعي أن تكون النظرة شاملة، والعناصر التي تتكون منها هذه الحضارة متآلفة يكمل واحدها الآخر، ويتم عمل الباحث الواحد عمل المفكر الآخر.
صحيح أن الفلسفة كانت شغل عدد قليل من أهل الفكر، والكلام كان يعني به قلة من الناس، ولكن هذا من طبيعة الأشياء. ففي عصور التاريخ جميعها كانت الأشياء مقصورة على عدد صغير من الناس. لكن المهم أن سبيل الحصول عليها كان متيسرا لكل من أراد وسمت به همته إلى الإفادة من ذلك.
يجدر بنا أن نعنى بظاهرة هامة من مظاهر الحضارة العربية الإسلامية. وهي نظرة أهل الفكر والعلماء إلى وحدة العالم الإسلامي. فمنذ القرن الرابع للهجرة (العاشرللميلاد) هبت على الامبراطورية العربية الإسلامية الواسعة رياح التفرقة السياسية: فانقسم إلى دويلات وقامت بينها حروب وخصومات، وزالت دول وقامت أخرى، كما نعقدت محالفات ومعاهدات. ومع ذلك فإن الأديب والعالم والفقيه والمحدث والمفسر والشاعر لم يشعر قط بغربة في أي من أجواء هذا العالم الواسع. كان ينتقل فيه من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد، ومن مدينة إلى مدينة، ومن بلاط إلى بلاط، حاسبا نفسه جزءا من كل هذه أينما حل، لأنه كان يرى أن الذي يربط أصلا بين أجزاء هذا العالم الواسع هو الإسلام. فهو العروة الوثقى يمتن العلاقات ويقوي الروابط بين هؤلاء الأفراد أينما حلوا. فهذا ابن بطوطة مثلا يتنقل بني طنجة في المغرب الاقصى وأواسط آسيا فلا تهمه الحزازات والخلافات التي كانت تهب على البلاد في القرن الثامن للهجرة (القرن الرابع عشر للميلاد) . وهذا ابن خلدون في مناصب القضاء والتدريس. ومثل هذين مئات من حملة العلم ونلقته.
أشرنا من قبل ان الحضارة العربية كانت متكاملة النظرة. ونضيف الآن أنها كانت متكاملة في الامور العملية. فالرقعة الواسعة كانت تغل أنواع الزروع المختلفة وتنتج المصنوعات المتنوعة وتنقل المتاجر بين اجزائها باستمرار. وليس المهم ذلك فحسب، ولكن المهم هو أن الصانع والتاجر كان وضع اهتمام اولي الأمر. وليس أدل على ذلك من وجود نظام الحسبة في الأسواق الإسلامية. فالمحتسب كان عليه أن يمنع الأذى عن الناس فيحول دون الغش ويراعي صحة الكيل والميزان ويراقب الأسعار ويمنع الاحتكار. وكان العمال، في أماكن كثيرة، ينضوون جماعات تحت لواء مؤسسات تهتم بهم وتنظم بعض أمورهم.
والحضارة العربية كانت حضارة «مدينة». ففي المدينة نشأت وفيه تطورت واتخذت شكلها الأصيل ومها انتشرت. والمؤسسات الحضارية هي مؤسسات مدينة قلبا وقالبا، على ما سنرى عندما نتحدث عن المدينة العربية.
وعندما نذكر الأمور التي نقلها العالم عن العرب نجد ان هذه لم تقتصر على معرفة علمية هنا وهناك أو صناعة في هذه الناحية أو تلك، ولكن ثمة أمور متنوعة ناتجة عن هذا التكامل في الحضارة العربية الإسلامية، التكامل بين النظرة المجردة والواقع العملي.

2 – المدينة العربية:
ما أكثر ما مصر العرب من المدن وأنشأوا منها في تاريخهم الطويل وفي الرقعة الواسعة التي نمت فيها شخصيتهم العربية الإسلامية. وقد جاء بناء المدن واختطاطها أمرا طبيعيا بعد احتلال البلاد وفتح الأقطار. وكانت البصرة والكوفة وواسط والفسطاس والقيروان من اول المدن التي أنشاها العرب. وكانت هذه، أول أمرها، معسكرات للجند ومراكز للإدارة. لكنها لم تلبث أن أصبحت أسواقا ومراكز للعلم.
وقد اتخذت كل دولة كبرى قامت في العالم العربي عاصمة خاصة بها.
فدمشق اتخذها الأمويون عاصمة، وبنى العباسيون بغداد للغرض نفسه. ومثل ذلك يقال عن القاهرة وتونس ومراكش وفاس وقرطبة. على أن نوازع الحضارة واتساع الملك وقيام الصناعة وانتشار التجارة أدى إلى نمو عدد كبير من المدن لم تكن عواصم، ولكنها كانت تعج بأصحاب الاعمال واهل العلم. واختيار الأماكن لبناء هذه المدن كان مرتبطا أصلا بإمكانياتها الاقتصادية.
ولم يكن لتخطيط المدن عند العرب قواعد موحدة. فكان ذلك يتوقف على ما سبق وألفه الناس في منطقة معينة. فالبصرة كانت خمسة أخماس، لكل قبيلة خمس. لكن بناء بغداد والقاهرة عني به المؤسسون عناية خاصة. فكانت بغداد مدورة يتوسطها المسجد الجامع وقصر الخليفة. والقاهرة اختطت بحيث تنزل القبائل التي جاءت مع جوهر الصقلي كل في مستقر لها. وكان الجامع الأزهر وقصر الخليفة أيضا قلب المدينة. وكل مدينة كانت تدور بها الأسوار المنيعة، خاصة إذا كان الخطر قريبا منها. إلا أنه سرعان ما كانت المدينة تضيق بسكانها فينتشرون خارج الأسوار في الضواحي القريبة، وعلى الأخص إذا استتب الأمن وساد النظام في البلاد.
وبحكم نمو هذه المدن كان يهبطها من السكان تدريجا من كل صنف وجنس ولون ومذهب. فلا حرج على الناس ولا منع ولا تحديد. فالبصرة بلغ عدد سكانها سنة خمسين للهجرة أي بعد إنشائها بجيل واحد تقريبا نحو ثلاثمائة ألف.
والمدينة العربية كانت مركز الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية: فيها قامت المدارس ونشأت الجامعات وعقدت مجالس الأدب والمناظرة. وفيها نضجت الحياة العقلية. وفيها اختلف الناس شيعا. ومن هذه المدن انتقلت هذه الأمور إلى الريف فأثرت بعض الشيء. لكن المدينة ظلت الأصل.
ونحن إذا أمعنا النظر في المدينة العربية وجدنا أن كلا منها كان فيها مسجد جامع واحد على الأقل وقصر لصاحب الامر وأسواق يمتار منها الناس حاجاتهم، ومعاهد للعمل يؤمها الطلبة، وأسوار تدور بهذا كله، وقلعة تقوم في ناحية منها للدفاع إذا جد الجد.
والذي يعنينا الساعة من عناصر المدينة بشكل خاص هو أسواقها ودور العلم فيها.
وقد كان أسواق المدن تتأثر، في شكلها وتنظيمها وتنسيقها وموقعها وسلعها، بالإقليم الذي تقوم فيه المدينة. فقد بقيت أسواق حلب ودمشق على قدمها. ولكن لما بنى المنصور بغداد صير الأسواق في كل جانب منها. إلا أنه لم يلبث أن أخرج الأسواق الكبيرة إلى خارج السور، تيسيرا للناس. وكانت الدكاكين في أسواق مصر وغرب آسيا تمتد على طول الشارع في جانبيه. أما المألوف في المدن الفارسية فكان جمع الدكاكين في مكان واحد. ومن الملاحظ، على كل حال، أن الأسواق غالبا ما تحيط بالمسجد الجامع وخاصة أسواق الوراقين والبزازين وما إلى ذلك. أما أسواق الجلود وما إليها فكانت بعدية عن مجتمعات الناس.
والغالب على الأسواق أن تسقف وتظلل. فقد روى ابن جبير أن أسواق منبج فسيحة، وسككها متسعة، ودكاكينها وحوانيتها مسقوفة. وكان الأسواق تسمى بما يباع أو يصنع فيها أو بالنسبة إلى منشئها . فسوق أسد بالكوفة سميت باسم أسد بن عبد الله القسري. وكان في الإسكندرية سوق الخشب وفي أصفهان سوق الصرافين وسوق الأرز في عكاء وكذلك أسواق للجوهريين والدباغين والصيادلة.
ومع أن البيع بالمقايضة كان معروفا في أجزاء مختلفة من العالم العربي، فالواقع أن العرب، إبان ازدهار اقتصادهم، كانوا لا يلجأون إلى الاقتصاد النقدي. وكان المبيع بالجملة يتم عادة في القيساريات. ومن أكبر القيساريات المعروفة قيسارية البز في حلب في القرن الخامس للهجرة (الحادي عشر للميلاد)، وقيسارية مراكش؟
ودور العلم، على اختلاف أنواعها، كانت من العناصر الرئيسية في تكوين المدينة في الإسلام. وقد كان المسجد أول دار للعلم والتعليم والتربية في الإسلام، ومع أنه حافظ على هذه الصفة ولا يزال في كثير من الأماكن، فإن التطور الذي أصاب الحياة العلمية والعقلية عند العرب اضطرهم إلى الانتقال إلى أبنية خاصة للعلم. وقد تركزت دور العلم في عواصم العرب الكبرى مثل بغداد ودمشق. القاهرة وقرطبة وفاس، لكن كثيرا من عواصم الدول الإسلامية الصغرى شرقا وغربا كانت  مراكز هامة للعمل مثل فرغانة وبخارى وعزنة ونيسابور والقدس والقيروان وغرناطة واشبيلية ومراكش.
في القرن الرابع للهجرة (العاشر للميلاد) أخذ الناس ببناء دور خاصة للعلم والتعليم. لكن القرن التالي شهد نتوء المدارس الرسمية. بدأ بذلك نظام الملك الوزير السلجوقي فأنشأ المدرسة النظامية في بغداد ولم تلبث هذه أن انتشرت غربا حتى وصلت فاس ومراكش.
والمدرسة النظامية تمثل دورا خاصا في المدرسة الإسلامية من حيث إشراف الدولة عليها. فقد كنت نفقاتها من الخزانة الرسمية، كما كان اختيار أساتذتها ومدرسيها بيد الخليفة أو من يتولى الأمر في البلد.
في سنة 631 ه (1234 م) أنشأ الخليفة العباسي المنتصر بالله المدرسة المستنصرية ببغداد. وقد فاقت كل ما سبقها من حيث فخامة البناء وسعته، وجمال التأسيس وأناقته، وكان فيها أربعة أروقة كبيرة كل واحد منها خاص بواحد من المذاهب السنية الأربعة. ولكل فقيه خاص يرأسه. كان عدد طلابها ثلاثمائة موزعين بالتساوي على الأروقة الأربعة وكلهم كانوا يتلقون العلم بالمجان، ويعطى لكل طالب دينار واحد بالشهر ينفق منه على شؤونه. أما الطعام فكان يتناوله الجميع من مطبخ المدرسة الكبير. لكن العناية بالطلاب لم تقتصر على الأكل والمسكن بل كانت الأقلام والمحابر والأوراق والمصابيح تقدم لهم، وكان في المدرسة مكان تحتفظ فيه المياه الباردة للشرب. أضف إلى كل هذا الحمام الذي كان مفتوحا للطلبة، والمستشفى التابع للمدرسة لمعالجة المرضى منهم، وكان له طبيب خاص.
وكان للقاهرة نصيب من حفظ التراث العلمي العربي الإسلامي مثل نصيب بغداد، إن لم يزد عليه. فقد كان هناك الأزهر، من أقدم جامعات العالم الموجودة الآن. انشئ الأزهر سنة 378 ه (972 م) لنشر الدعوة الفاطمية. لكنه لم يلبث، بعد زوال الخلافة الفاطمية، أن أصبح مركزا للدراسات الفقهية واللغوية، فيه أربع مدارس، لكل من المذاهب الأربعة واحدة. ومع أن الأزهر معروف عنه أنه جامعة دينية قبل كل شيء، فعندنا رواية عن عبد اللطيف البغدادي أنه حاضر في الطب في الأزهر في القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي).
وقد ازدهرت دور العلم في الأندلس في عهد العرب، فقد كان تمكتبة صاحب الأندلس في القرن الرابع الهجري يتألف فهرسها من أربع وأربعين كراسة، في كل منها عشرون ورقة لوم يكن بها سوى أسماء الكتب ومع أننا لا نعرف إلا الشيء اليسير عن جامعة قرطبة التي بلغت شأوها في زمن عبد الرحمن الناصر والحكم، فهذا اليسير الذي وصل إلينا يدلنا على الدول الذي لعبته في توجيه الحياة الفكرية في الأندلس، وتهيئة الجو العلمي للترجمة من اللغة العربية إلى اللغات الأوربية التي تمت في إسبانيا في القرون التي تلت ذلك. وكان طلابها يعدون بالمئات ويفدون إليها من افريقيا واسبانيا وبقية أوربا. ولم يقتصر التعليم فيها على العلوم الدينية واللغوية، بل تناول مواضيع الطب والرياضيات والفلسفة، وفروعا أخرى من العلم.  وكان من كبار أساتذتها أبو بكر مع معاوية والقالي صاحب الأمالي وابن القوطية.
وقد حفظ لنا المؤرخون اخبار دور العلم والمدارس، ونحن إذا ضممنا ما ذكروه إلى بعضه البعض وجدنا أنها قاربت الأربعمائة عددا. فقد كان في القدس مثلا أربع وأربعون مدرسة، وفي بغداد أربعون، وتجاوزت مدارس دمشق المائة. وقد كان في دمشق في القرن السادس الهجري مثلا ثلاث مدارس فنية: اثنتان للطب وواحدة للهندسة، وكان في حلب مدرسة للطب.
وكانت المدارس الحكومية تعطى فيها للأساتذة مرتبات ثابتة، لكن بعض العلماء كان يرفض أخذ الاجر ثمنا للتعليم. فقد امتنع النووي في القرن الثامن أن يأخذ رزقا لتدريسه في المدرسة الأشرفية. وكان بعض العلماء يورق ويأكل من كسب يده. إلا أن التعليم صار على توالي الأيام مهنة يعيش منها المشتغلون بها. وقد أورد الجاحظ أن النحوي العروضي كان يكتفي بستين درهما أجرة للتعليم في الشهر.
أما مؤدبو الأمراء فلم يرضوا بأقل من ألف درهم كيحيى بن ثعلب. وكان لعبد الله بن طاهر مؤدب رزقه في الشهر سبعون دينارا، وذلك في القرن الثالث الهجري. وكان ابن دريد في القرن الرابع الهجري يتناول أربعين دينارا في الشهر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here