islamaumaroc

آسيا وأوربا

  دعوة الحق

141 العدد

العلاقات بين آسيا واوربا من خلال تاريخهما الطويل الحافل بالأحداث والتقلبات من المواضيع التي ما فتئت تشغل بال المفكرين والباحثين الأوربيين من كل صنف ونزعة، لأنها تعود بنا إلى أصول الحضارة والثقافة في عالمنا الأرضي وتجعلنا في آن واحد نستخلص فلسفة عامة للتاريخ. وما أكثر الكتب التي تناولت هذا الموضوع في عصرنا هذا الذي هو في نفس الوقت عصر شك كلي وعصر تقييم شامل!
وسأقتصر من هذه الكثرة على بعض العناوين مبتدئا اليوم بكتاب «أوربا وآسيا» للكاتب الفرنسي المعروف «ايمانويل بيرل» (Emmanuel Berl) الذي طبع مؤخرا في سلسلة «كتب الجيب». وفي أحاديث مقبلة سأتناول كتابين آخرين في نفس الموضوع هما «حصيلة التاريخ» Bilan de l’Histoire ل «رويني جروسي» René Grousset و «الشرق الثاني» للمستشرق الكبير «جاك بيرك» المعروف بنظرياته الطريفة عن العالم العربي المعاصر. وكل هذا يبين، ان كان الأمر يحتاج إلى بيان، أن الشرق لم يعد موضوعا للتندر والاستخفاف بأروبا، كما كان الشأن أيام الاستعمار، بل إنه أخذ يسترجع مكانته المعنوية في انتظار أن يستكمل نهضته الاقتصادية.
ولا أدل على هذا الاحترام الذي عاد يتمتع به الشرق من تلك اللهجة التي يتحدث بها «ايمانويل بير» في كتابه القيم. فهو يتخلى عن تلك المسلمات التقليدية عند الأوربيين التي كانت تجعل من  أوربا أساس كل حضارة وتقدم وينطلق من نظرة مجردة عن التعصب والهوى. فيعترف، بكل تواضع، أن أوربا لم تكن موجودة في العصر القديم وأنها في تلك العهود لا يمكن اعتبارها إلا كذنب لاروبا وكجزء منها. وعلى كل، فلا يمكن النظر إليها كإحدى المعطيات الجغرافية القائمة بذاتها، بل إنها نتاج للتاريخ ليس إلا.
فإذا اعترض بوجود تاريخ اليونان والرومان في العهد القديم، فالجواب بسيط من هذه الناحية. فاليونان حين خرجوا إلى التاريخ لم يكن لهم أي ارتباط بما نسميه اليوم أوربا بل كان ارتباطهم أوكد وأدوم بآسيا الصغرى وافريقيا الشمالية. أما الرومان فيمكن أن نقول عنهم نفس الشيء. ويكفي أن ننظر إلى امبراطوريتهم الواسعة لنتأكد من أن اهتمامهم كان ينصب بكيفية أقوى على ممتلكاتهم بافريقيا وآسيا. وقد اضطرت روما إلى مجابهة حنبعل وجوغرطا بافريقيا قبل أن تشهر السيف على «قرسا نجيتوريكس» ببلاد «غاليا».
وإذن، فمتى كان تاريخ ظهور أروبا بصورة فعلية؟ يضع المؤلف هذا الحدث، حدث ميلاد أوربا بين القرن التاسع والسادس عشر أي في النصف الأخير من العصر الوسيط. وقد قامت على أنقاض العالم الروماني الذي تكون بأوربا الغربية أيام ازدهار
تاريخ روما. وقبل ذلك عاش العالم تقلبات جديرة بالاعتبار.
وأول هذه التقلبات يتعلق بروما ذاتها. فالمؤلف يعتبر أن روما كانت فلتة من فلتات التاريخ، وأنها لم تخرج إلى مسرح الوجود وتعرف المصير الذي عرفت، إلا تكون آسيا عاشت حقبة من التدهور والانحلال في الجزء الأخير من الألف السابقة لميلاد المسيح، على أثر الحروب الظافرة التي شنها الاسكندر على عدد من الأقطار الآسيوية، وبخاصة على فارس وسوريا ومصر. وما ان استيقظت آسيا من جديد في القرن الأول شيئا فشيئا وكانت سببا في سقوطها النهائي.
وقد استطاعت آسيا أن تحقق القضاء على روما من عدة جهات حضارية وسياسية. ولكن العالم الديني كان أقوى فعالية في هذا المضمار. فقد كانت ديانة روما الأصلية تقوم على الشرك وتعدد الآلهة، في حين أن الأديان الآسيوية كانت ذات نزعة توحيدية. فسواء كان الأمر يتعلق باليهودية أو الزرادشتية أو المسيحية، فالاتجاه إلى التوحيد واضح. وقد استطاعت هذه العقائد التوحيدية أن تغزو المعتقدات الرومانية القديمة في عقر دارها وأن تحدث بلبلة قوية في المجتمع الروماني. ومن المعلوم أن الطبقة المستضعفة في ذلك المجتمع مالت إلى المسيحية الناشئة. الشيء الذي دفع الحكام الرومانيين إلى استعمال أداة الاضطهاد الاجتماعي ووسائل العنف على اختلافها. وهكذا تحول روما من دولة قائمة على قوانين ومبادئ دستورية يحترمها الجميع إلى دولة طاغية تعامل فئات من المواطنين بقسوة بالغة. فكان في هذا بالنسبة إليها تحول من القوة إلى الضعف. ولم ينفع الاضطهاد في مقاومة انتشار المسيحية ولا في إيقاف التيار الزرادشتي الذي ساعد في القرن الثالث للميلاد على قيام الدولة الساسانية بفارس التي حققت استقلال الفارسيين من جديد في ظل حكم تحدوه الجرأة والطموح.
واستطاع البربر بعد هذه الأزمات التي عاشتها الامبراطورية والتي هزت كيانها وزعزعت وحدتها أن ينزلوا الضربة الأخيرة على روما رغم إعجابهم بحضارتها. وتعاقبت أمواج البرابرة على روما بقيادة «آلاريك» و «أتيلا» و «جانسيريك» الذي خرب روما وجمع أسلابها. وكان لهذا المصير المأساوي الذي عاشته روما في النهاية عميق الأثر في نفوس الاروبيين.
وتسلمت بيزنطة قيادة العالم الروماني بعد سقوط روما وغدت تعد نفسها وريثتها الطبيعية. إلا أن موقعها الجغرافي جعل مصيرها يرتبط بصورة أقوى مع تاريخ آسيا. كما أنها لم تستطع أن تعيد للعالم الروماني وحدته، بل إن الانقسام تجسم بصورة فعلية بعد وجودها ولم يقتصر على الجانب السياسي بل تناول الحياة الروحية، الشيء الذي كان له أسوأ العواقب على تاريخ أروبا المسيحية فيما بعد.
أما الموضوع الثاني الذي تناوله المؤلف وسيتلفت النظر بصورة خاصة، فيتعلق باللوحة التي يرسمها لنا عن العالم قبيل الإسلام. ويتبين منها أن العالم كان يعيش بالفعل أزمة عميقة تمس بسائر الجوانب في حياة البشر. فيبين الحالة السيئة التي عاشتها بيزنطة منذ عهد «بوستيانوس» في القرن السادس والتي تبين الفساد الذي دب في نظام الدولة ومؤسساتها الدينية وأوضاعها الاجتماعية. وكذلك الشأن فيما يتعلق بالامبراطورية الصينية التي عرف عهدا من الفوضى امتد أربعة قرون من القرن الثالث إلى القرن السابع. كما أن فارس، من جهتها عاشت أزمات اجتماعية طبقية ودينية بسبب قيام المانوية والمزدكية ضد الدين الرسمي الذي كانت ترعاه الدولة وهو الزرادشتية. أما العلاقات الدولية فقد كانت في تدهور مستمر. فالقوة والتطاحن بالسلاح هو الفاصل الوحيد في الخلافات والنزاعات. وهكذا كانت حروب متجددة بين بيزنطة وفارس، وبين بيزنطة والبلغار، وبين الفرس والأتراك الذين كانا يضغطون باستمرار على حدود البلاد الفارسية من جهة ما وراء النهرين، كما كانت هنالك حروب بين الصين وجيرانهم. ناهيك بالطغيان والغطرسة التي كانت تستعملها بيزنطة في حكم الشعوب الخاضعة لها في سوريا ومصر وافريقيا الشمالية. ويمكن القول أن قانون الاستعباد كان هو المبدأ السائد في عالم ذلك الوقت.
ويختم المؤلف هذا الفصل قائلا: «منذ مائتي سنة لم يفتأ البشر يدورون في حلقة مفرغة لا تتغير. فلم يعج من الممكن إعادة النظام الروماني إلى الوجود ولا تعريضه بنظام آخر. وبيزنطة التي كان منوطا بها ان تسير العالم لم تعد تعرف ماذا تريد لنفسها. وهكذا بدأ يظهر أن كل شيء ضاع. لكن، كل شيء سينفذ في الواقع وسيعاد بناؤه على أسس جديدة. فقد ازداد آنذاك محمد بمكة».
بهذه الكلمة الجامعة يعلن المؤلف عن حدث ظهور الإسلام. وهي تبين لنا أن المؤلف سيقف موقف الموضوعية والانصاف من ذلك الحدث. فهو يستعرض أهم الوقائع التي تميز بها ظهور الإسلام وعهود الازدهار الاولى في تاريخه وحضارته بشيء من التقدير والعطف دون أن يتردى في هوة التملق والمداهنة. وهذا أحسن دليل على أخذ الامور بالقسط.
فهو يؤكد بالبرهان أن الإسلام كان معجزة تاريخية لأنه أعاد البلاد المفتوحة إلى مصيرها الحقيقي، وقد كان غزو اليونان ثم الرومان له مناقضا لطبيعتها وأصالتها لأنه أقام فواصل مصطنعة بين أقطار مترابطة فيما بينها. فقد أقام الاستعمار اليوناني والروماني حواجز فيما بين مصر وسوريا، من جهة، وما بين فارس والهند، من جهة أخرى. فلما جاء الإسلام أعاد خيوط الاتصال إلى مجراها المعقول. وبهذه النظرية ينقض ايمانويل بيرل نظرية المؤرخ الشهير «بيرين» التي يعتب فيها على قيام الدولة الإسلامية كونها مزقت وحدة العالم المتوسطي التي كانت تحققت على يد الرومان. ويعلل المؤلف الانتصارات التي أحرزها الإسلام بسرعة في عمليات الفتح بكونه ظهر لعدد من الشعوب كثورة تحريرية ويقول بصدد الكلام عن فتح فارس:
«لقد كان النظام الساساني ممقوتا. فالارستوقراطية الثيوقراطية التي كانت مستقرة بالمدائن لم تكن أقل تعسفا إزاء الشعوب الإيرانية من الموظفين المرتشين والعملاء المجادلين في بيزنطة إزاء الشعوب السريانية. وقد ظهر المسلمون سواء بالنسبة لهؤلاء او أولئك لا كغزاة ولكم كمحررين، وانتشر الإسلام كثورة لا كفتح».
ويعزو المؤلف المعجزة التاريخية التي يمثلها ظهور الإسلام وانتصاراته السريعة والباهرة إلى بساطة العقيدة ومنطقيتها ووضوحها، إلى جانب ما ذكرناه من كون الشعوب المفتوحة رحبت كثورة شاملة جاءت لإنقاذها من براتن الاستعباد والاستغلال. ويضرب المثل بمصر التي تغلغلت فيها المسيحية والحضارة اليونانية إلى أقصى حد حتى أنها فاقت بيزنطة من هذه الناحية، فيلاحظ قائلا: «لقد كانت بضعة شهور كافية للإسلام كي يمحو بالمرة هذه الثقافة العتيقة التي كانت تظهر جذورها عميقة». فالإسلام، في نظر المؤلف، كان أيضا بالنسبة لمصر «ثورة ثقافية» بالغة الأثر. وعلى أي، فقد تحققت على يده السيطرة الاسيوية على القارات الثلاث أوربا وإفريقيا وآسيا طوال حقبة مديدة من العصر الوسيط.
ننعم لقد قاومت اروبا هذه السيطرة بشيء من النجاح في حدود بيزنطة وفي التراب الفرنسي، لكنها في الواقع اجتازت من أزمات خطيرة عصفت بها في آخر عهد «الميرو فنجيين»، إذ حدث إفلاس تام للصناعة والتجارة ببلاد فرنجة، وتجزؤ النفوذ والسلطة على عدد من رجال الكنيسة والاقطاعيين. وحاول «شارلمان» ان ينقذ الموقف واتخذ لهذا الغرض نظام الخلافة الإسلامية مثالا يحتذى به في تظيم حكمه. إلا أن الامبراطورية الكارولانجية سرعان ما انحلت سياسيا إثر وفاة شارلمان، ويتبين من كل هذا كما يقول المؤلف «ان الإسلام كان قد احتكر الطاقة الثقافية الموجودة في العالم».
وفي آخر هذا العهد بالضبط يقع ميلاد أوربا من الوجهة التاريخية. وقد اقترن هذا الميلاد مع عاملين جوهريين: ظهور الاقطاعية ونمو المدن. كما اتخذ من الوجهة الروحية والمذهبية شكل عودة إلى الامبراطورية الرومانية التي ظل ذكراها يخامر العقول. وتجسمت تلك العودة بصورة فعلية في تكوين الامبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة التي اقتسم فيها البابا مع الامبراطور السلطات الروحية والزمنية. وعرف هذا التنظيم بعض التقدم والرسوخ على يد رجال مثل الامبراطور أوطون والبابا غريغوريوس السابع. وبدأت بعض الأقطار تتجه إلى تكوين شخصيته القومية مثل انجلترا وفرنسا ونشأت إمارات مهمة في عدة جهات من أوربا مثل
المملكة النورمندية بصقلية وإمارات فلاندرة وآرتوا كما ازدهرت عدة مدن مثل فلورنسا، وجاند، وبروكسيل وآنفير وفنيسيا الخ...
بهذه الأسس الروحية والمادية تكونت اوربا ككيان سياسي وتاريخي، وأرادت أن تعلن عن وجودها بالمبادرة إلى الحروب الصليبية التي كانت حروبا دينية واستعمارية في آن واحد. وقد انتهت بالهزيمة التامة بالنسبة للمسيحيين، لكن هؤلاء استفادوا كثيرا، من الوجهة الثقافية والحضارية، من الاحتكاك مع المسلمين. وهكذا لم تستطع أوربا، رغم الجهود المبذولة، أن تفرض نفسها في تلك الآونة على آسيا. بل إن هاته الأخيرة هي التي استمرت مدة اخرى في تمكين سيطرتها العالمية، مع انتصار المسلمين في الحروب الصليبية، ومع غزو المغول بقيادة جنكيز خان وتيمورلنك الذي استولى على اجزاء مهمة من أوربا، ومع قيام الدولة العثمانية التي اقتربت فتوحها عن فيينا التي كانت آنذاك بمثابة قلب أوربا وحاضرتها اللامعة.
تلك نظرة سريعة على هذا التأليف المفيد والمشرب بروح الإنصاف والموضوعية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here