islamaumaroc

الخنساء شاعرة الرثاء الأولى

  دعوة الحق

141 العدد

الخنساء (557 – 646م):
- هي تماضر بنت عمرو بن الحرث بن الشريد بن رباح بن يقظة ابن عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة (وقيل نهية) بن سليم بن منصور (1) بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن عيلان بن مضر وتكنى أم عمرو وإنما الخنساء لقب غلب عليها واشتهرت به هو مأخوذ من الخنس ومعناه تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع في الأرنبة. ومن معاني الخنساء أيضا  الظبية أو البقرة الوحشية، وقد كان الخنساء رائعة الجمال.

مكانتها الاجتماعية
تنحدر الخنساء من أسرة عربية عريقة مجيدة تنتمي إلى قبيلة بني سليم التي تعتبر من أقوى قبائل العرب، قطنت بين مكة والمدينة على الحدود بين نجد والحجاز في بلاد خصبة غنية بالمعادن،
كانت لها عناية لتربية الخيل (2) رحل منها قوم إلى ما بين النهرين و قوم إلى مصر سنة 747م ومنها إلى المغرب مع بني هلال سنة 1050م وقد برز في هذه القبيلة كبار كانت لهم سيادة مرموقة في الجاهلية والإسلام وكان أغلبهم فرسانا صناديد وشعراء أجلاء يتحلون بالخصال العربية من مروءة  وشهامة وشجاعة وكرم وإباء ضيم، ويعتقد البعض أن الخنساء أشعر العربيات على الإطلاق فلم تكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها (3)، واعتبرها البعض الآخر من الطبقة الثانية في الشعر، على أن هناك فريقا ثالثا – كما سيأتي بعد – يعدها أشعر شعراء زمانها.

خطبتها وزواجها:
قد تقدم لخطبة الخنساء أناس كثيرون، من جملتهم دريد بن الصمة فارس هوازن وعميد بني جشم لكنها رفضته وآثرت التزوج في بني قومها قائلة «يا أبت أتراني تاركة بني عمي مثل عوالي الرماح وناكحة شيخ بني جشم هامة اليوم أو غد؟»
ثم أنشدت تقول:
اتخطبني هبلت على دريد
      وقد طردت سيد أل بدر
معاذ الله ينكحني حبركى
      يقال: أبوه من جشم بن بكر
ولو أمسيت في جشم هديا
      لقد أمسيت في دنس وفقر(4)
ولما رفضت الخنساء دريدا تقدم لخطبتها رواحة ابن عبد العزيز السلمي، فتزوجته وأنجبت له عبد الله ويكنى أبا شجرة، ثم خلفه عليها مدراس بن أبي عامر السلمي فولدت له من الذكور: يزيد ومعاوية وعمرا ومن الإناث: عمرة وكانت شاعرة مثل أمها الخنساء. وقد تزوجت عمرة بنشبة فولد لها منه ولد سمته الاقيصر مات صغيرا، ومن مراثيها قولها في أخيها يزيد لما قتله هارون بن النعمان بن الاسلت آخذا بذلك ثأر ابن عمه قيس بن الاسلت الذي كان قتله يزيد:
وحمراء في القوم مظلومة (5)
      كأن على دفتيها كثيبا (6)
تيمتها غير مستأمر
      فعرقبتها (7) وهززت القضيبا
فظلت تكوس على أكرع (8)
      ثلاث وغادرت أخرى خضيبا
وقلت لصاحبها لا ترع
      فلم يعدم القوم نجحا قريبا
فراح يعدي على جسرة
      أمون وغادرت رحلا جنيبا
وزق سباه لأصحابه
      فظل يحيا وظلوا شروبا
وقالت عمرة بنت الخنساء تذكر أباها مرداسا وكان يقال له الفيض من سخائه كأنه فيض البحر:
والفيض فينا شهاب يستضاء به
      انا كذلك فينا يوجد الشهب
فيها الذلول وفيها كل معترض
      يفني ضغينته التعداء والخبب
قبا تنازعها الارسان قافلة
      لا حققات ولا ميل ولا ثلب

إسلامها:
قدمت الخنساء مع قومها بني سليم على النبي (صلعم) فأعلنوا إسلامهم وأسلمت الخنساء معهم، فكان الرسول صلوات الله عليه يقربها منه ويستنشدها فكانت تنشده فيعحب بشعرها ويستزيدها قائلا «هيه يا خنساء» قيل ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه سألها: ما أقرح مآقي عينيك» قالت بكائي على السادات من مضر. قال: يا خنساء إنهم في النار، قالت، ذاك أجدر بعويلي عليهم، إني كنت أبكي لهم من النار وأنا اليوم أبكي لهم من النار. ذات مرة عذلها عمر رضي الله عنه ووعظها وقال لها: إن الذي تفعلين ليس من صنع الإسلام وإن الذين تبكين هلكوا في الجاهلية. فقالت: اسمع مني يا أمير المؤمنين ما أقول في عذلك إياي ولومك لي، فقال هات فأنشدته من شعرها في أخريها فتعجب من بلاغتها وقال: «دعوها فإنها لا تزال حزينة أبدا». وصادف بعد هذا بقليل أن شاهدها رضي الله عنه داخل بيت الله الحرام وهي تطوف بالبيت محلوقة الرأس تبكي وتلطم خدها وقد علقت نعل صخر في خمارها كما كانت تعمل المرأة في الجاهلية إذا أصيب لها كريم حلقت شعرها وأخذت تضرب رأسها بنعليها فتعقره وتلطم خديها وتمزق ثيابها ونهى الإسلام عن ذلك كله، فوعظ بها أمير المؤمنين فقالت: إني رزئت فارسا لم يرزأ أحد مثله، فقال: إن في الناس من هو أعظم مرزئة منك وإن الإسلام قد غطى ما كان قبله، وإنه لا يحل لك لطم وجهك وكشف رأسك. فكفت عن ذلك وقالت: ترثي أخويها معاوية وصخرا معا:
ولكني وجدت الصبر خيرا
      من النعلين والرأس الحليق
واني والبكا من بعد صخر
      كسالكة سوى قصد الطريق
إذا ما الحرب صلصل ناجذاها
         وفاجاها الكماة لدى البروق
وإذ فينا معاوية بن عمرو
      على ادماء كالجمل الفنيق
فبكيه فقد ولى حميدا
      أصيل الرأي محمود الصديق
واغتيل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عام 23ه – 644 م فلبى داعي ربه قبلها بسنة أو بسنتين فقط، غير أن بعض الباحثين مثل مؤلفي «الوسيط في الأدب العربي وتاريخه» أحمد الاسكندري ومصطفى عناني ومؤلفي كتاب «المنتخب من أدب العرب» يرون أن الخنساء توفيت بالبادية في خلافة معاوية بن أبي سفيان سنة 46ه (666 م).
استشهاد أولاد الخنساء الأربعة في وقعة القادسية:
عندما اتجه المسلمون لفتح فارس في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان أولاد الخنساء كلهم وأمهم – فيما يقال – ضمن الذين خرجوا للجهاد وذات ليلة وقبل التحام الجيشين العربي والفارسي قدمت الشاعرة الأم الرؤوف لبنيها هذه الوصية الخالدة بما تحويه من افكار رائعة ودرر غالية:
«يا بني انكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو انكم لبنوا رجل واحد كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما هجنت حسبكم، ولا غيرت نسبكم، واعلموا أن الدار الآخرة خير من الدار الفانية، اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، فإذا رأيتم الحرب قد شعرت عن ساقها، وجللت نارا على أوراقها، فتيمموا وطيسها وجالدوا رسيسها، تظفروا بالغنم والكرامة، في دار الخلد والمقامة».
فلما أضاء لهم الصبح تحرك المجاهدون على بركة الله تاركين مراكزهم وفي مقدمتهم أبناء الخنساء ينشدون أراجيز يذكرون فيها وصية العجوز لهم، ولما التحم الجيشان قاتلوا في صبر وثبات، قاتلوا قتال الابطال حتى قتلوا عن آخرهم في هذه المعركة المعروفة بوقعة القادسية (16ه – 637 م) ولما بلغها الخبر قالت:
«الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته». وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعطيها أرزاق بنيها الأربعة وظلت تأخذها إلى أن انتقلت إلى رحمة الله سنة 24ه -645 م (9). وهكذا يظهر أثر الإسلام قويا في هذه الأم الصالحة التي طالما ندبت حظ أخويها وبكتهما البكاء المر، فلما جاء الإسلام شجعت أولادها بعقيدة راسخة على الجهاد من أجل دعوة الحق والصدق، وطابت نفسا حين علمت بخبر استشهادهم في سبيل الله.

صفات معاوية وصخر:
كان موصوفين بالحلم مشهورين بالجود معروفين بالتقدم والشجاعة، محظوظين في وسط أسرة أكثر رجالها فرسان محاربون من الطبقة الأولى وقد عاشا مثال الشجاعة والفتوة والرجولة والفروسية، حتى أن عمرو بن الحرث ابن الشريد أباهما كان يأخذ بيدهما في الموسم ويقول: «أنا أبو خيري مضر فمن أنكر فليغر، فلا يغير ذلك عليه أحد». وكان يقول: «من أتى بمثلهما أخوين قبله فله حكمه، فتقر له العرب بذلك». وكثيرا ما كان معاوية وصخر ينصران من يقصدهما ويلجأ إلى حمايتهما ويستغيث بهما من القوم كما كانا مولعين بالصيد أيضا.
سئلت يوما الخنساء أن تصف أخويها معاوية وصخرا فقالت:
«كان صخر جنة الزمان الأغبر وزعاف الخميس الأحمر، وكان معاوية القائل الفاعل، فقيل لها: فأيهما كان أسنى وأفخر، قال: أما صخر فحر الشتاء وأما معاوية فبرد الهواء، قيل لها فأيهما أوجع وأفجع، قالت: أما صخر فجمجر الكبد وأما معاوية فسقام الجسد وأنشدت:
أسدان محمرا المخالب نجدة
      بحران في الزمن الغضوب الانمر
قمران في النادي رفيعا محتد
      في المجد فرعا سؤدد متخير».
كان معاوية أخا شقيقا لها أما صخر فكان أخاها لأبيها فقط، مع ذلك كان أحب الاثنين إلى قلبها. واستحق صخر ذلك لأمور كثيرة منها منا يرويه هذا الخبر: (ذات يوم طلبت عائشة أم المؤمنين من الخنساء أن تصف لها صخرا، فقالت: ان زوجي كان رجلا متلافا للأموال، يقامر بالقداح فأتلف فيها ماله حتى بقينا على غير شيء، فأراد أ، يسافر فقلت له: أقم وأنا آتي أخي صخرا فأسأله، فأتيته وشكوت إليه حالنا، فعاد لي بمثل ذلك فأتلفه زوجي، فلما كان في الثالثة أو الرابعة خلت بصخر زوجته فعذلته ثم قالت: إن زوجها مقامر وهذا ما لا يقوم له شيء فإن كان لابد من صلتها فأعطها أخس مالك فإنما هو متلف، والخيار فيه والشرار سيان، فأنش يقول لامرأته:
والله لا أمنحها شرارها
      وهي حصان قد كفتني عارها
ولو هلكت خرقت خمارها
      واتخذت من شعر صدارها
ثم شطر ماله فأعطاني أفضل شطريه، فلما هلك اتخذت الصدار وحلقت رأسي حزنا عليه وقلت: والله لا أخلف ظنه ولا  أكذب قوله ما حييت». قالت عائشة رضي الله عنها «مات رسول الله (صلعم) بين سحري ونحري) تعني أنه مات مستندا إلى صدرها، والمقصود شدة الاقتراب والالتزاق (10) وهكذا كان التصاق الخنساء بأخيها صخر، أثناء حياته وبعد مماته.

مقتل أخريها معاوية وصخر:
قتل معاوية يوم حورة الأول نحو سنة 612 م (11) وهو من أيام العرب لسليم على غطفان، حيث كان بين معاوية وهاشم بن حرملة احد بني مرة ابن غطفان كلام بعطاظ (12) بالرغم من أنهما كانا صديقين وفيين، فجرى بينهما سوء تفاهم وجدال مما أدى إلى تفرقتهما. وبعد هذا بأيام معدودة تهيأ معاوية ليغزو هاشما فنصحه ونهاه أخوه صخر فأبى معاوية وخرج طالبا ديار بني مرة، ولعدم ملاءمة الوقت وشدة العواصف رجع قافلا إلى دياره، فلما كانت السنة المقبلة غزاهم حتى وصل إلى نفس المكان الذي تركه من قبل ووقع سوء تفاهم أدى إلى انشقاق أصحابه عنه وتركوه راجعين من حيث أتوا ولم يبق معه لحمايته إلا أربعة عشر شخصا فوردوا ماء يستسقون لشدة الظمأ وإذا عليه خيمة فصاحوا بأهلها، فخرجت إليهم امرأة من جهينة أحلاف بني يهم بن مرة بن غطفان وقد استطاعت المرأة أن تنسل من ذلك المكان وأن تخبر هاشم بن حرملة عن معاوية وعدته، فثار هاشم مع بني مرة على معاوية وجماعته حتى خلا هاشم ودريد ابنا حرملة المريان بمعاوية وحصراه بينهما وجرت الملاحمة بينهم حتى أسقط معاوية هاشما عن فرسه الشماء وأنفذ هاشم سنانه من بطن معاوية، وكر عليه دريد ظانا أنه أردى هاشما قتيلا (مع أن هاشما كان جريحا فقط) فضرب معاوية بالسيف فقتله، ودفن معاوية بلية قرب حورة. وقال صخر يرثي أخاه معاوية عندما سمع بمقتله:
إذا ذكر الأخوان قرقرت عبرة
      وحييت رمسا عندلية ثاويا
إذا ما امرؤ أهدى لميت تحية
      فحياك رب الناس عني معاويا
وقالت الخنساء تحرض بني سليم وعامر على غطفان بعد قتلهم معاوية:
ألا أبلغا عني سليما وعامرا
      ومن كان من عليا هوازن شاهدا
بأن بني ذبيان قد أرصدوا لكم
      إذا ما تلاقيتم بأن لا تعاودا
أما هاشم بن حرملة فإنه خرج ذات يوم منتجعا فلقيه عمر بن قيس الجشمي فتبعه وقال: هذا قاتل معاوية لا والت نفسي ان وال، فلما نزل هاشم كمن له عمرو بن قيس بين الشجر حتى إذا دنا منه أرسل عليه معبلة (13) ففلق قحفه فقتله، فقالت الخنساء في ذلك:
فدى للفارس الجشمي نفسي
      وأفديه بمن لي من حميم
وأضافت قائلة:
ونحن قتلنا هاشما وابن أخته
      ولا صلح حتى نستفيد الخرائدا
فقد جرت العادات أنا لدى الوغى
      سنظفر والإنسان يبغي الفوائدا
وقالت تذكر بأس أخيها معاوية في الحرب:
      دعوتم عامرا فنبذتموه
ولم تدعوا معاوية بن عمر
      ولو ناديته لأتاك يسعى
حيث الركض أو لأتاك يجري
      حدلا حين تشتجر العوالي
ويدرك وتره في كل وتر
      إذا لاقى المنايا لا يبالي
أفي يسر أتاه أن بعسر
      كمثل الليث مفترش يديه
جريء الصدر رئبال سبطر (14)
وقالت في أخيها معاوية لما قتله هاشم بن حرملة:
بلينا وما تبلى تعار (15) وما ترى
      على حدث الأيام إلا كما هيه
فأقسمت لا ينفك دمعي وعولتي
      عليك بحزن ما دعا الله داعيه
كان قتل صخر في يوم كلاب أو يوم ذات الاثل (16) نحو سنة 615 م وكان بنو خفاف يومئذ متساندين وعلى بني خفاف صخر بن عمرو بن الشريد وعلى بني عوف أنس بن عباس فأصابوا في بني أسد بن خزيمة غنائم وسبيا وأصابت ضخرا يومئذ كعنة من رجل يقال له ربيعة بن ثور ويكنى أبا ثور، فأدخل جوفه حلفا من الدرع فأحدث فيه جرحا لم يندمل وكان ذلك سبب موته. وعندما كان طريح الفراش أقبل عائدا يعوده فسأل امرأته سلمى التي كانت على باب الخباء فقال لها: كيف أصبح صخر الغداة وكيف بات البارحة؟» فقالت: «بشر حال له حي فيرجى ولا ميت فينعى، ولقد لقينا منه الأمرين» ثم أتى عائدا يوما آخر يعوده وأم صخر على باب الخباء فقال لها العائد: «كيف أصبح صخر الغداة وكيف باب البارحة؟». قالت: «بأحسن حال أرجى له منا من يومنا ولا نزال بخير ما رأينا سواده فينا». وكان صخر وقتها ينصت، فسمع ما أجابت به زوجته سلمى، وما أجابت به والدته في ذلك:
أرى أم صخر لا تمل عيادتي
         وملت سليمى مضجعي ومكاني
وحدث أن سمع صخر أخته الخنساء تسأل عنه أمها: كيف كان صبره على الآلام فقال صخر في ذلك:
أجارتنا أن الخطوب تنوب
      على الناس كل المخطئين تصيب
فإن تسأليني هل صبرت فإنني
      صبور على ريب الزمان صليب
أجارتنا لست الغداة بظاعن
      ولكن مقيم ما أقام عسيب (17)
وصخر يكنى أبا أوفى وأبا حسان وكان الأشراف يكنون بكنية وكنيتين، وتكون كنيتهم في الحرب غير كنيتهم في السلم ومصداق ذلك قولها في قافية الباء:
أرقت ونام سهري صحابي
      كأن الثأر مشعلة ثيابي
فقد خلى أبو أوفى خلالا
      علي فكلها دخلت شعابي
فلما قتل صخر جلست الخنساء على قبره زمانا طويلا تبكيه وترثيه. وفيه جل مراثيها وكانت في أول أمرها تقول البيتين والثلاثة حتى قتل أخواها معاوية وصخر، فرثتهما محرضة قومها على الأخذ بالثأر، وكان النابغة الذبياني (18) تضرب له قبة
حمراء في سوق عكاظ فيجلس لشعراء العرب على كرسي وتأتيه الشعراء فتنشده أشعارها فيفضل من يرى تفضيله، فأنشدته الخنساء في بعض المواسم قصيدتها الرائية التي في أخيها صخر فأعجبه شعرها وقال لها: «اذهبي فأنت أشعر من كل ذي ثديين» ولو أن أبا بصير (يعني الأعشى) أنشدني قبلك، لفضلتك على شعراء هذا الموسم.
وقالت الخنساء برثي صخرا وتعد هذه القصيدة من نوادر شعرها:
لم تره جارة يمشي بساحتها
      لريبة حين يخلي بيته الجار
ولا تراه وما في البيت يأكله
      لكنه بارز بالصحن مهمار (19)
ومطعم القوم شحما عند مسغبهم
      وفي الجدوب كريم الجد ميسار
قد كان خالصتي (20) من كل ذي نسب
      فقد أصيب فما للعيش أوطار (21)
مثل الرديني لم تنفذ شبيبته (22)
      كأنه تحت طي البرد أسوار (23)
في جوف لحد مقيم قد تضمنه
      في رمسه مقمطرات (24) وأحجار
وقالت ترثي أخاها صخرا كذلك:
      إني أرقت فبث الليل ساهرة
كأنما كحلت عيني بعوار (25)
      أرعى النجوم (26) وما كلفت رعيتها
وتارة أتغشى (27) فضل أطماري
أضافت تقول:
ومن لكربة عان في الوثاق ومن
      يعطي الجزيل على عسر وميسور
وقالت:
وابكي أخاك لأيتام وأرملة
      وابكي أخاك لحق الضيف والجار
وقالت فيه أيضا:
فخنساء تبكي في الظلام حزينة
      وتدعو أخاها لا يجيب معفرا
وقالت الخنساء في روى السين:
يذكرني طلوع الشمس صخرا
      وأذكره لكل غروب شمس
ولولا كثرة الباكين حولي
      على إخوانهم لقتلت نفسي

أهم أغراضها الشعرية:
كان العرب في الرثاء اليد الكولى حيث بلغوا فيه مبلغا عجز عن إدراكه من تقدمهم من الأمم السوالف. وتقاسم هذا الفن الرجال والنساء على السواء حتى أنهم كانوا يقولونه وقلوبهم تنضح بالحزن والأسى، ومن أحسن مرثيهم ما خلط فيه مدح بتفجع على المرثي، فإذا وقع ذلك بكلام صحيح ولهجة معربة، ونظم غير متفاوت فهو الغاية، تقول المقطوعات من الشعر باكية أخويها العزيزين معاوية وصخرا اللذين اشتد جزعها عليهما حتى صارت مضرب الأمثال عند العرب في المناحة والرثاء وبكاء الأهل والأحباب وأهم اغراضها الشعرية الرثاء ثم الفخر. وهما متقاربا الأسلوب، يحدوهما خيال متشابه، وتزجيهما عاطفة متماثلة، وتحوطهما الحقيقة بثوب شفاف من الألم الصادق والحزن العميق ومن العجب والتباهي. قالت في الرثاء لمصابها الجلل في أخويها، وشدة تأثرها لفقدهما، وطول بكائها عليهما حتى ابيضت عيناها من الحزن وفقدت بصرها. وفخرت بأبيها وأخوها لأنهم كانوا من الصفوة المختارة من مضر. ولها شعر في غير الرثاء والفخر عن الأغراض. ونستخلص من النماذج المقدمة ان شعر الخنساء في الرثاء يعد من أجمل وأفخم ما في الأدب العربي، لأنه يصدر عن قلب موجع وعاطفة حارة خالية من كل تكلف. ومراثيها تتناول معاني كثيرة يدور معظمها حول ذكر الموت، تذكر الفقيد والحزن والتوجع عليه مع ذكر خصاله الحميدة وإبداء الألم الشديد لفقده، وشعر الخنساء ذو أثر محزن عميق في نفس السامع والقارئ لأنها تمكنت ببراعة أسلوبها وجودة لفظها وقوة خيالها أن تصور ما في نفسها من الآلام تصويرا مجسما يكاد القارئ أو السامع والقارئ لأنها تمنت ببراعة أسلوبها وجودة لفظها وقوة خيالها أن تصور ما في نفسها من الآلام تصويرا مجسما يكاد القارئ أو السامع يراه بعينه، ويلمسه ببنانه، فيصبح شريكها في أشجانها وأحزانها ويتأثر لمصابها حتى لتحسبه يجهش بالبكاء مثلها.
هذا وبعد دراستي الوافية لشعرها وتمعني في مراتبها وفي ديوانها اعتبرها فلتة من فلتات الدهر فلما يأتي الزمان بمثلها من حيث الرثاء وبكاء الفقيد على الأقل. وذلك لقوة شعرها ورقة لفظه وجمال أسلوبها وسلاسة معناه. ولعلها بهذه الصفات فاقت كثيرا من فحول الشعراء، حتى أن النابغة الذبياني وجرير بن عطية وبشار بن برد يرون أنها أفضل من الرجال شعرا. على ان شعرها ظل في الحقيقة بدوي الصبغة، جاهلي الطابع، لم تظهر عليه إمارات التأثر بالإسلام رغم أنها اسلمت وحسن إسلامها.

(1) يلتقي نسب الخنساء مع الحجاج بن يوسف الثقفي في منصور ين عكرمة الخ.. والحجاز «661 – 741م» ولد في الطائف. ولاه عبد الملك بن مروان ووجهه في عساكره إلى الحجاز فرمى الكعبة بالمنجنيق وحاصر فيها عبد الله بن الزبير مدعي الخلافة وقتله يوم الثلاثاء 17 جمادى الأولى سنة 73 ه ( 4/ 10/692 م) فأعاد إلى الدولة الإسلامية وحدتها السياسية. ثم تولى على العراق سنة 694 – 718) فأخمد الفتن بحزم وقسوة. بنى مدينة واسط في العراق. له خطب مشهورة من اهمها تلك التي خطبها عند تولية العراق وافتتحها قائلا:
انا ابن جلا وطلاع الثنايا   متى أضع العمامة تعرفوني
وبعد الحجاج ثالث ثلاثة طبعوا الخطابة الإسلامية بطابع خاص في عهدها الأول، الهم الإمام علي بن أبي طالب كرم الله  وجهه وثانيهم زياد بن أبيه المولود في السنة الأولى للهجرة والذي استلحقه معاوية أخا له بعد مقتل الإمام علي، وقد توفى زياد سنة 53 ه.
وقد شب الحجاج شجاعا داهية عنيفا، وحاكما مستبدا، وتدل خطبه على خواصه النفسية ومذهبه في السياسة والحكم وأسلوبه الفني الذي يعتمد على الإرهاب والشدة. وأم عبد الله بن الزبير هي أسماء ابنة أبي بكر الصديق «ذات النطاقين» أخت عائشة الكبرى، ومن السابقات إلى الإسلام، تزوجها الزبير بن العوام ولقبت «ذات النطاقين» لأنها شقت زنارها قطعتين لتحمل قربة الماء وكيس الخبز إلى النبي (صلعم) وأبي بكر عند الهجرة ، قد بلغت من العمر مائة سنة، لم يقع لها سن ولا ابيض لها شعر ولا أنكر لها عقل، غير أنها فقدت البصر. (راجع كتاب: التنبيه والإشراف، للعلامة المؤرخ الجغرافي أبي الحسن علي بن الحسين المسعودي المتوفي سنة (345 ه)، عني بتصحيحه ومراجعته عبد الله اسماعيل الصاوي القاهرة سنة (1357 ه- 1938م)).
(2) وقد أهدى قوم الخنساء للنبي (صلعم) بعض الجياد منها: المرتجز – سمي بذلك لحسن صهيله- وكان لرسول الله (صلعم) أفراس أخرى مثل: السكب – وهو الذي امتطاه يوم أحد-، لمزار، الكرب، اللحيف، الزرد، ملاوح، اليعسوب والورد. وهذا الأخير هو الذي أهداه له تميم الداري. فهذه خيل رسول الله (صلعم) على ما ذكره ابن قتيبة وغيره. (راجع كتاب حلية الفرسان وشعار الشجعان تأليف الشيخ علي بن عبد الرحمن المشهور بابن هذيل الأندلسي، اعتنى بطبعه لويس مرسييه، باريس 1922، صفحة 48).
(3) انيس الجلساء في ديوان الخنساء، المطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين في بيروت (1888 م) ص 7-8 وديوان الخنساء نشر محمد حسن أبو العز – مطبعة التقدم التجارية، القاهرة سنة 1348ه صفحة 3.
(4) أنيس الجلساء صفحة 5-6.
(5) مظلومة: ناقة نحرها لغير علة.
(6) الكثيب: هو التل من الرمل، شبهت الشاعرة به سنام الناقة.
(7) عرقب الجمل: إذا قطع عرقوبه أو رفع بعرقوبه ليقوم.
(8) الأكرع جمع كراع: وهو ما دون الركبة إلى الكعب وهو في الحيوان في اليدين والرجلين وفي الإنسان في الرجل دون اليد.
(9) أحمد حسن الزيات: تاريخ الأدب العربي، الطبعة الحادية والعشرون القاهرة ص 149.
(10) كتاب التاج في أخلاق الملوك للجاحظ بتحقيق الأستاذ أحمد زكي باشا، الطبعة الأولى، بالطبعة الأميرية بالقاهرة (122 ه – 1914 م) صفحة 60- 61.
(11) حورية قرية بني الرقة وبالس على الفرات.
(12) عطاظ: سوق كانت تجتمع فيه قبائل العرب فيتاجرون ويتفاخرون وينشدون وكانت تقام طيلة العشرين يوما الأولى من شهر ذي القعدة من كل عام. وانعقدت هذه السوق لأول مرة سنة 586 م أي بعد عام الفيل مولد النبي (صلعم) ب 15 سنة.
(13) المعبلة: نصل عريض طويل ج معابل.
(14) السبطر: أي على وزن هزبر أي يمتد عند الوثبة.
(15) تعار: اسم جبل
(16) ذات الاثل: موضع بين ديار بني أسد وديار بني سليم.
(17) عسيب: جبل بأرض بني سليم إلى جبن المدينة به مات صخر فدفن هناك وقبره معلم قريب من عسيب.
(18) هوأبو أمامة زياد بن معاوية أحد أشراف قبيلة ذبيان من القبائل المضربة وأحد فحول شعراء الجاهلية، لقب النابغة لنبوغه في الشعر فجأة وهو كبير، وهو ممن تكسب بالشعر في الجاهلية، ولكنه آثر مدح الملوك، ملوك المناذرة بالحيرة والغساسنة بالشام وكان ممن مدحهم من الأولين النعمان بن المنذر فقربه إليه ثم وشى به عنده وهم بقتله، ففر إلى ملوك الشام، فمدحهم ولم يطلب مقامه قبل الإسلام، فعاد يستعطف النعمان بقصائد رائعة كانت سببا في عفوه عنه. وكال عمر النابغة ومات قبل الإسلام، ويعده الكثير من أصحاب المعلقات وان معلقته هي قصيدته التي أولها:
عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار      ماذا تحيون من نؤى واحجار
ومن أشهر قصائده قصيده التي مدح بها عمرو بن الحارث الأصغر من ملوك بني غسان بالشام:
كليني لهم يا أميمة ناصب      وليل أقاسيه بطيء الكواكب
راجع كتاب البديع لعبد الله بن المعتز، اعتنى بنشره اغناطيوس كراتشقوفسكي، عضو أكاديمية العلوم في لينينغراد عام 1935. صفحة 75.
(19) المهمار: المكثار يكثر للاضياف من القرى.
(20) خالصتي: أي الذي اخترته لنفسي وخلص لي وده.
(21) الأوطار: جمع وطر، بمعنى البغية والحاجة، أي ليس لي بعده في العيش حاجة أو غرض.
(22) أي لم يستمتع بشبابه ولم يتملأ، والرديني: الرمح منسوب إلى ردينة وهي امرأة كانت تقوم الرماح.
(23) الأسوار: بالضم والكسر: قائد الفرس، والجيد الرمي بالسهام، والثابت على طهر الفرس.
(24) المقمطرات: صخور عظام.
(25) العوار والعاثر: القذى وكل ما أعل العين.
(26) أرى النجوم وه تصحيف.
(27) أتغشى:أتغطى وفي سورة نوح «واستغشوا ثيابهم، أي تغطوا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here