islamaumaroc

مع الشيخ رضا الشبيبي شاعر العراق

  دعوة الحق

141 العدد

كنت في طور الحداثة ، حين أبصرت مرة، لرجلا في شرخ الشباب، أسمر البشرة، متألق العينين، فارغ القامة، يلتفت بعباءة دكناء، وحين سألت عنه قالوا:
- هذا هو شاعر الثورة العراقية ..محمد رضا الشبيبي. وبعد أيام كنا ندرس، على مقاعد الدراسة، قصيدة لا أروع فيفي وصف مدينة البحر – صيداء- للشاعر نفسه، حيث يقول:            
فروس من البلدان ليس لها مهر   ومصر سبتني لا العراق ، ولا مصر                      
والشبيبي واحد من ثلاثة تألقوا في العراق، في أوائل هذا القرن هم الزهاوي والرصافي والشبيبي وكان لكل واحد منه م مزاياه الخاصة ،ومدرسته الشعرية، ولئن نهج الرصافي منهج العنف، فقد برز في كونياته، ولمنه كان أكثر بروزا في شعره الاجتماعي المتحرر، وفي شعره السياسي الجريء. وكذلك الزهاوي الذي عرف بتحرر عقله،وصرامته، ولكن طبعه الفلسفي غلب على شاعريته التي أبت، مع ذلك ،إلا أن تظهر في كثير من ومضاته العاطفية.    
بينما نرى الشبيبي سلك مسلكا حذرا، معتدلا، جمع حسن السبك إلى وضوح المعنى.           
على أن الشبيبي، بحكم ثقافته الدينية التي تلقاها في النجف الأشرف، الذي كان بمثابة الأزهر في مصر، بلد أعاظم الرجال، تزدحم فيه شخصيات مختلفة ، شخصية العالم الديني،وشخصية الأديب البحاثة ،وهو من أول من فكر بإحياء التراث الأدبي. وشخصية السياسي، وهو واضع الوثيقة المشهورة التي تعد الوثيقة الأولى التي تضمنت طلب الاستقلال وضمان حرية العراق، دون وصاية ولا انتداب.ومن عجب أن تلزمه شاعريته في شبابه، ثم يميل إلى الهدوء والاقلال، بعد ما ولى عصر الشباب، دورا عظيما في أحداث العراق، ثم تقلبت عليه وظائف شتى ، فمرة يرأس المجمع العلمي، ونادي القلم، ومرة يرأس مجلس الأعيان والنواب، ومرة يدخل الوزارة مرارا…          
تلقى الشبيبي دروس الشعر والأدب واللغة والدين في النجف الأشرف الذي كان للعراقيين بمثابة الأزهر للمصريين..ومن النجف ظهر كل الذين حباهم الله الملكات الشعرية، والمواهب الأدبية حتى كان بحق مقرا لرجال الدين ورجال الأدب…والشعر في هذه 
المدينة، كان ولا يزال الكلمة المقدسة التي تعبر عن المشاعر والأحاسيس، والتاريخ أيضا.        
وليس بغريب أن يتأثر الشبيبي، بطريقة الطبقة السابقة، في النسج والتركيب والأسلوب وهي طريقة ورثها النجف من العصر العباسي أمثال الشريف الرضي،ومهيار الديلمي، ممن عرفوا بمتانه السبك ورقة البيان…وله الوقفة الجريئة التي مثلت رغائب الأمة في شجب حكومة الاحتلال والمطالبة بالاستقلال الكامل حتى هاجت النجف وماجت وأيدت العشائر غضبها .. الأمر الذي حال بين السلطة المحتلة وتوفيق الشبيبي ونفيه من العراق، طلبا للراحة والانطلاق. أما ديوانه فهو قليل الغزارة بالنسبة إلى أقرانه ، كان غزير العطاء في صدر شبابه، ثم توقف فترة طويلة فلم ينظم شيئان وحين عاوده الشوق إلى الشعر، كان ينبوعه قد جف كما يقول:                             
عاودك الشعر حلما، وما     عاود بعد القطع مشتاقا                                                 
ولعل آخر قصيدة له نظمها في مهرجان المتنبي الذي أقيم بدمشق سنه 1936، وفيها يقول:          
يا قلب عادك من دمشق عائد   والذكريات من الحبيب تعاود                                        
أيام تنشد في الجزيرة غاية      يسمو بفكرته إليها الناشد                                            
ما بيننا إلا شباب طامح          أو ثائر، أو ناقم، أو واجد                                             
ما أصدق هذا البيت الأخير في تصوير ذلك الجيل- جيل ما بين الحربين.                           
أما ديوانه الأوحد فقد ظهر في أخريات حياته سنه 1940 وكتب مقدمته بنفسه، وهو يحدد فترة نظم قصائد هذا الديوان بفترة لا تقل عن الثلاثين سنة.وقد عين سمات هذا العصر بقوله:               
ـ " امتاز هذا العصر بأنه عصر اليقظة في الفكر والشعور حيث حاول الأدب أن يمثل الحياة في مختلف صورها، وشتى مظاهرها.          
وما هذه المجموعة الشعرية في الحقيقة إلا من وحي تلك الأيام ، إلى نهاية الحرب العامة بل إلى ما بعدها بسنين…إن الديوان لم يكن نابيا عن بيئته، ولم تكن أغراضه سياسيته فقط وإنما كانت أغراضا إصلاحية ، والأزمات أكبر مصادر الإلهام في هذا الديوان…"         
وهو في هذا التحديد لا يختلف عن شعراء عصره ، في غير قطره ممن أخضعوا شعرهم للسياسة والإصلاح، وجعلوه ناطقا في الأزمات، وشاهدا في  النكبات، كأنما ينطبق عليهم ما يسميه أهل اليوم بالالتزام..وما كان الشبيبي شاعرا ذاتيا، ينطوي على ذاته، بل كان شاعرا يؤمن برسالة الشاعر…ومن هذا المنطلق راح  يتأمل في علل المجتمع، فيقول:     
                              
" وحسبنا من هذا العلل استفحال الجمود، وانتشار الفوضى، وسيطرة الأوهام ، وفقدان الشعور بالواجب  خصوصا لدى المسئولين.."  كلمات قليلة ، لا نجد أصدق منها وعيا وتصويرا ونفاذ في قلب المجتمع المريض. " فنحن لم نكن نستهدف إلا الحياة في ظل نظام تحترم فيه الحقوق والحريات " ، ورسالة الشعر عنده لا تعدو وصفة الدواء، بعد تشخيص الداء ولا تعدل عن استخراج العظمة البالغة من سنن الاجتماع وعبر التاريخ، ولا تتعدى الإشارة بقيم الفضائل ومكارم الأخلاق، وبذلك تضطرم النفوس، وتثور الأرواح المتمردة ثم تفيض بهذه الصور الشعرية"  وأما تقسيم الديوان فهو تقسيم تقليدي جرى عليه شعراء عصره : الحماسة أو القصائد الوطنية –   الحكميات- الاجتماعية – الأخلاقية- والإلهيات –الوجدانيات – الوصفيات- الرثاء…             
أما في قصائده الوطنية : فهو يرى أن الشعر لم يعد مقتصرا على حياة الشاعر الخاصة، وإنما عبر إلى الآفاق الواسعة من عوالم الدنيا، وتغلغل في أعماق الشعوب العربية وحرياتها وأمانيها. وما أجمل قوله : وقيل :  تقاربنا وها نحن جيرة    ولما بدا الصبح انثنى قربنا بعدا     
أما يضحك الوحش الشوارد حملنا    على بعضنا ما ليس تحمله حقدا    
وأما في حكمياته التي أرسلها أمثالا، وسرد عبر وعظات، وتعبيرا عن خلجات نفس فهو يرمي إلى تقويم الضمير قبل تقويم اللسان .         
إحدى العجائب عدا أن يثقفنا         
         قوم ثقافتهم في أرضنا عجب
من معدن الشر ما سنوا وما شرعوا  
        ومن معانيه ما خطوا ، وما كتبوا
المال مأرب كل من صناعته  
         بئس الصناعة ، لا كانت ولا الأرب
وأما في اجتماعياته: فتتمثل فيها النزعة إلى التجديد في عصر لا يزال يتمسك بالقديم ، وها هو يخاطب رجال الغد دافعا بهم نحو كل جديد:             
أنتم جيل جديد، خلقوا   
      لعصور مقبلات جدد
كونوا الوحدة ، لا تفسخها 
      نزعات الرأي والمعتقد
لتكن لآمالكم واضعة 
      نصب عينيها حياه الأبد
لتعش أفكاركم مبدعة 
      دأبها إيجاد ما لم تجد
وإذا لم تستقم أفكاركم
      ذهب العلم ذهاب الزبد
وأما في الأخلاقيات ، فقد كان الشبيبي الشاعر الجريء الذي لا تخدع الظواهر ناظره. ولعله، في هذا المجال، كان له أكثر من لقاء مع حكيم الزمان ـ المعري ـ وتبقى قصيدته" فتنة الناس" القصيدة اليتيمة التي لم ينظم مثلها في الشعر الاجتماعي إذ تمثل فيها العمق، واليسر في النظم، حتى كأنها مرقصة من المرقصات .وقلما وفق شاعر في قصيدة اجتماعية مثل هذا التوفيق .           
ومنها قوله:
فتنة الناس – وقينا الفتنا-   
      باطل الحمد ، ومكذوب الثنا
رب جمم حولاه قمرا  
     وقبيح صيراه حسنا
أيها المصلح من أخلاقنا 
     أيها المصلح الداء هنا
كلنا يطلب ما ليس له 
      كلنا يطلب ذا، حتى أنا
ربما تعجبنا مخضرة       
      أربع في الأصل كانت دمنا
لم تزل ويحك يا عصر أفق 
   عصر ألقاب كبار ، وكنى
حكم الناس على الناس بما  
      سمعوا عنهم، وغضوا الأعين
فاستحالت – وأنا من بعضهم-  
      أذني عينا، وعيني أذنا
إننا نجني على أنفسنا    
      حين نجني، ثم ندعو من جنى
بلغ الناس الأماني حقها     
      وبلغناها، ولكن بالمنى
أخطأ الحق فريق بائس     
       لم يلومونا، ولاموا الزمنا
ومما يدل على سماحة الشبيبي في تفكيره، وعدم التشبث بما يراه هو صوابا، قوله:   
حجبت طلعة الحقيقة عني    
      ليتها تستشف خلف الحجاب
أسفري يا مليحة الدل إني      
       صرت أزداد فتنة بالنقاب
 لست أغتر بالصواب أراه  
      خطأ المخطئين أصل الصواب
وبالرغم مما أحاط الشبيبي من أزمات ، فلا بد له من خلوة ينازعه فيها قلبه ولا بد له من شعر وجداني تنعطف عليه ذاته، وأكثر هذا الشعر الوجداني نظمه في مطلع صباه.                     
ومن ذلك – حديث القمر – ومحبوبته بين يديه وملء عينيه .                                     
وأشرقت، يا بدر فعل الرقيب
      علينا ، لقد جئت إحدى الكبر                 
أما يستلينك مرآى الغرام
       فتهوى وأنى يلين الحجر
إلى أن يقول :
وأرسلت الربع الحالكات  
      فطولن ما في الدجى من قصر
وأسود من شعرها لو تشاء
      نفضت عليه سواد البصر
فما شوشته يدا عابت  - وحاشاه-. الشجر
      صورة رائعة فيها الجمال والطهر والحب
وفي وصفياته ، تبقى له الرائعة الخالدة في مدينه " صيداء" وكان جمال هذه المدينة الهاجعة على البحر قد أذهله عن كل جمال، حتى عن طبيعة بلاده، بالرغم مما حاول أن يجمع بين جمالين:
وما هي إلا الشعر صيغ مدينة   
       فأنى يواتيني لأنعتها، الشعر؟
تمايلت لا سكرا ، ولكن هلة   
       لذكراك، أو ذكرى العراق هي السكر
وما أنت يا صيداء إلا ملاءة  
      من الورد، محبوب لرائدك النشر
ترجل – إن هبت- غدائرك الصبا  
      ويغسل ، بالأمواج أرجلك البحر
أبت لجملة الأشياء إلا لطاقة
      بصيداء ، حتى أنت يا أيها الصخر
ونراه، أحيانا ، يميل إلى أن يفلسف وصفه، شأن شعراء الطبيعة الذين يتغذون من ظواهر الأشياء إلى بواطنها. ومن ذلك وصفة لحديقة ، وهي من أوائل شعره ، متعجبا من زهور تحيا حياة الجماعة وبشر يحيون حياة متفرقة متمزقة:
والمثني متجلي وردة    
      تكاد تذيب حشا
ستقطفها بعد اهمالها
      يد الموت ، كالولد المهمل
حسدت الزهور لأن الزهور
       كإخوان جامعة، مثل
ويا للمودة بين الغصون   
      إذا ما جرى نفس الشمال
فهذا يقول لذاك:اعتنق 
      وتلك تشير لذي: قبلي
فما لبني نوعنا الأكرمين 
       قد افترقوا كالمها الجفل
يبيد القوي حياة الضعيف 
       ويودي المسلح بالأعزل
فمرتضعون لأوج العلا  
       وهاوون في الدرك الأسفل
فكم تنظر الناس من تحتهم
   وهم ينظرون لناعل
وأما مراثيه فهي قليلة ، لعل أروعها ما رثى به شهداء دمشق ، وهو رثاء لم يسترسل في الحزن حتى أضاء فيها شعاع الرجاء والمضاء:
يا أمتي لا تحزني أو فاحزني   
     حزن النفوس الشمم زاد مضاءها
إن الضمائر والقلوب إذا دجت  
      دخل الأسى أعماقها، فأضاءها
وكان آخر ما رثى به رفيقة عمرهن وكأن الأسى العميق جعله يكتفي بالقليل دون الكثير:
في كل ركن من المأوى له أثر
       فكيف تحجبها الأرماس والحفر؟
وبالرغم من أن الشبيبي قد عمر فقد دخل العقد الثامن من عمره، وهو ذو القامة الفارغة ، وذو العينين المتألقتين، لم يشك أعباء السنين، ولم ينؤ جسمه تحت وطأة الكلل.تلك هي لمحات خاطفة من هذه الشخصية الخالدة، وقبسات من شعر شاعر عبر به عن حياته، وزبدة تجاربه في ميادين شتى وأرخ فيه طموح أمته ولرغبتها في التخلص من عوامل الضعف والاحتلال، دون أن يهمل تصوير آلام نفسه وأشجانها، في أسلوب طافح بالإحساس، متقد بالعواطف راجح بالعقل، له من الأقدمين النسج المتين، وله من عصره وطموح جيله. حتى ليصدق أحيانا ، قوله في شعره:                                
ليس هذا الشعر ما ترونه  
     إن هذي قطع من كبدي 

دستور العدل..
كتب أحد ولاة عمر بن عبد العزيز إليه يقول : إني قدمت الموصل، فوجدتها من أكثر البلاد سرقا ونقبا ن فإن أدنت لي أن آخذ الناس بالظنة، وأضربهم على التهمة، فعلت، ولن يصلحهم غير  ذلك..
فكتب إليه عمر يقول : " خذ الناس بالبينة ، وما جرت عليه السنة، فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم الله ".                                                  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here