islamaumaroc

ملامح عن الحياة المغربية في رمضان

  دعوة الحق

141 العدد

لكل جهة إسلامية عادات تخصها بمناسبة شهر رمضان المعظم، والمغرب – كبلد إسلامي عريق- له بدوره تقاليد يمتاز بها في هذه المناسبة الدينية، حيث تعم أكثر أوضاع البلاد.
ويأتي المسجد في الطليعة، فتتضاعف إنارته الليلية، وتطغى على دروسه النهارية مواد الدين على مختلف المستويات، وبالتالي تتصاعد أرقام غاشيته من المومنين.
وخلال العهد الوطاسي ابتدع الإمام ابن غازي –في هذا الشهر- بالذات- عادة اسماع صحيح البخاري من أوله إلى آخره، واتخذ مقرا لهذه الدراسة مقصورة الخطيب من جامع القرويين شرفه الله بذكره (1). وبعد هذا امتد العمل بهذه العادة في كثير من مدن المغرب وأريافه: في المساجد والرباطات وبلاطات الملوك.
حتى إذا كانت القرون الأخيرة صار يضاف إلى رمضان الشهران فبله، فيبتدي سماع نفس الكتاب من فاتح رجب ليختتم عند أواخر رمضان في الغالب، ولا تزال هذه العادة قائمة حتى عامنا هذا في كل من مدينتي مكناس وزرهون (2)
وبالنسبة لسير الحياة اليومية بالمغرب أثناء هذا الشهر، أثارت اهتمام كاتب أجنبي (3) ووصفها كالتالي:
«ان رمضان لم يكن في فاس وفي غيرها من أجزاء المغرب العربي حدثا دينيا جليلا فحسب، بل كان حدثا اجتماعيا، فقد كانت المدينة تغير نمط الحياة فيها مدة شهر كامل من السنة، كانت وجبات الطعام توخذ عنذ الغروب ثم في آخر الليل، وكانت ثمة فئة من المسحرين يدورون بأنحاء المدينة في الوقت المناسب، ويقرعون الأبواب مذكرين الناس باقتراب موعد الإمساك عن الطعام.
وإلى جانب تناول طعام الإفطار والامساك فقد كان جزء من الليل يصرف في الاجتماعات، ففي رمضان كانت تتم الزيارات الليلية إلى الأقارب والأصدقاء، كان الناس يتأخرون في النوم، وكان يترتب على ذلك أن يبدو على المدينة في الصباح أنها مهجورة: فالشوارع خالية بحث أن الأطفال كانوا يتمتعون باللعب فيها، الأمر الذي لم يكن ممكنا في الأوقات العادية، والحوانيت والمصانع مقفلة، إذ أن الناس كانوا يعودون إلى النوم بعد صلاة الفجر، ليمتعوا أنفسهم بغفوة الصباح التي لم يكن يستغنى عنها، وفي الصباح المتأخر كانت المدينة تعج بالحركة، ويعود إليها نشاطها ويستمر ذلك إلى ما قبل المغرب.
وعلى العموم فقد كان نشاط المدينة العادي يخف – كثيرا – في هذه الشهر، الذي كان شهر عبادة وتضحية، لكنه كان – أيضا وإلى درجة محدودة – شهر راحة وعطلة جزئية.
وكان يحتفل بليلة القدر، في السابع والعشرين من رمضان (4) احتفالا خاصا، إذ فيها أوحى بأول آيات الذكر الحكيم، ففيها كان يقرأ القرآن الكريم بأكمله خلال الليل في مساجد المدينة الرئيسية، وكان يتناوب على ذلك رجال نذروا أنفسهم لذلك...»
ومما يتصل بنفس الشهر أنه شهد أحداثا هامة في تاريخ هذه البلاد.
ففي شهر رمضان وضع أساس المغرب الإسلامي المستقل، ووقعت بيعة الإمام المولى إدريس الأول، عند يوم الجمعة رابع رمضان عام 172 ’/ 789م (5) وفي نفس الشهر كانت البداية الأولى لتشييد جامعة القرويين، حيث كان الشروع في حفر الأساس الأول لهذه البناية في يوم السبت فاتح رمضان من عام 245 ’ / 859 م.
لم كانت نهاية الغزاة الاندلسية الثالثة للمنصور الموحدي، توافق هذا الشهر من عام 593 ’/ 1197 م، جاء في البيان المغرب (7) في هذا الصدد:
«ثم رحل «المنصور» حتى وصل قرطبة، فختم الجهاد بالحضور بجامع قرطبة لختم كتاب الله ليلة سبع وعشرين لرمضان».
وفي العصر المريني الأول كانت هذه المناسبة ميعاد عقد السلم الأول بين أبي يوسف وبني الأحمر منجهة، والقشتاليين من جهة أخرى، على أساس احترام مصالح الأندلس والأندلسيين، وذلك بتاريخ أواخر (رمضان  عام 676 ’/  1278 م (8).
ومن بين المكاتبات بين فاس والقاهرة، توجد رسالة شرقية تحمل تاريخ سادس رمضان عام 745 ’/ 1345 م، وهي صادرة عن عاهل الشرق العربي ابي الفداء اسماعيل بن الملك الناصر المملوكي، ليخاطب فيها كبير ملوك الغرب الإسلامي أبا الحسن المريني، ويكون كاتبها من إنشائه هو الأديب المصري الشهري، صلاح الدين الصفدي (9).
وبعد بضع سنوات من هذا التاريخ يأتي اليوم الثامن والعشرون من الشهر نفسه عام 451 ’/ 1351 م، ليكون بداية تشييد المدرسة العنانية بفاس (10)
ومن جهة اخرى فقد عاصر شهر رمضان انبعاثات مغربية واكبت العصر الحديث: فكان فاتح نفس الشهر من عام 1182 ’/ 1769 م، هو تاريخ تحرك الجيش المغربي لتحرير مدينة الجديدة، بقيادة السلطان العلوي: محمد الثالث (11)..
وفي رمضان عام 1268 ’ / 1852 م، وقع الفراغ من تعريب أول ترجمة مغربية في نفس العصر، وذلك هو كتاب «الجمع المقرب النافع المعرب»، الذي قامت جماعة بترجمته من الفرنسية إلى العربية، تحت إشراف السلطان العلوي محمد الرابع وهو لا يزال وليا للعهد. (12)
وفي مثل هذا الشهر صدرت أول صحيفة عربية في القطاع المغربي المستقل. وكانت هي جريدة «المغرب» التي كانت تصدر بمدينة طنجة مرة في الأسبوع، حيث يحمل أول عدد منها تاريخ الأربعاء رابع عشر رمضان عام 1306 ’/ 1889 م (13)
ثم في نفس هذا الشهر انتهى وضع مشروع أول دستور مغربي، وتم تحرير يوم الأحد خامس عشر رمضان عام 1326 ’/ 1908 م (14)
وبعد هذا ببضعة أعوام يأتي يوم خامس رمضان من عام 1330 ’/ 1912 م، وهو تاريخ وصول المجاهد المغربي المعروف أحمد الهيبة إلى مدينة مراكش، لمحاولة الوقوف في وجه التغلغل الاستعماري بالجنوب المغربي (15).
وأخير : سيصل بنا المطاف إلى رمضان 1391 ’، حيث يعلق عليه المومنون آمالا واسعة ليس في المغرب فحسب، ولكن في سائر العالم الإسلامي، ليمكن الحق – سبحانه – للإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، بالرجوع إلى التعاليم السماوية، والتمسك بالوحدة، وتحقيق النصر.

(1) «المزايا. فيما أحدث بأم الزوايا» لمحمد بن عبد السلام الناصري، مع «الفهرسة الصغرى» للمنجور، مخطوطتان خاصتان؟
(2) هذا موضوع واسع لا يزال بحاجة إلى دراسة خاصة.
(3) هو روجيه لوتورنو في كتاب «فاس في عصر بني مرين، تعريب الدكتور نقولا زيادة، نشر مكتبة لبنان – ص 192 – 193.
(4) لا شك أنه سقط من النص كلمة ليلة
(5) من مراجع هذا روض القرطاس ط. ف، 1305 – ص 7.
(6) من مراجع هذا نفس المصدر الأخير – ص 33.
(7) القسم الموحدي. ط تطوان – ص 201.
(8) روض القرطاس – ص 237.
(9) ورد نص الرسالة الشرقية بتاريخها عند المقري في «نفح الطيب»، المطبعة الأزهرية المصرية – ج 2 ص 544 – 547.
(10) هذا التاريخ لا يزال منقوشا على لوحة التحبيس الرخامية المعلقة يسرة الداخل لمسجد المدرسة.
(11) الاستقصا الطبعة المصرية – ج 4  ص 106
(12) انظر عن التعريف بهذه الترجمة:
محمد المنوني: «الجامع المقرب النافع المعرب: ترجمة مغربية لكتاب فلكي بالفرنسية..»، مجلة «دعوة الحق»، السنة الثامنة: العدد التاسع والعاشر «مزدوج» - ص 107 – 110.
مع مجلة «البحث العلمي»: العدد التاسع، السنة الثالثة – ص 115 – 120.
(13) انظر عن هذه الجريدة : محمد المنوني «مظاهر يقظة المغرب الحديث»، مجلة «تطوان»، العدد السادس ص 78 – 81.
(14) كان أول من تحدث عن هذا المشروع جريدة « لسان المغرب التي كانت تصدر بمدينة طنجة، ثم تحدث عنه الأستاذ أو الفداء في مجلة «المغرب الجديد»، العدد السادس السنة الأولى – ص 1 – 8.
(15) ورد تحديد هذا التاريخ في الاعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الاعلام» - ج 2 ص 295.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here