islamaumaroc

أدب الشام

  دعوة الحق

141 العدد

للشام أدب ولهذا الأدب طوابع ومياسم ،فما هو أدب الشام ؟                                       
لقد رحت أسائل  نفسي وأنا أرى بلاد العرب شبيهات بالفتيات الذات وهن نظائر نجلهن أب واحد وأم واحدة . لكن لكل منهن ميزة خاصة تميزها من أخواتها في الطول والقصر ،والوسامة والجمال.ولون الشعر ورهافة القد وسحر العيون. وكل واحدة منهن تتصف قبل ذلك وبعده بالمواهب الروحية السامية ، ومزايا الفكر والشعور .  
         
فما هي تلك الطوابع والمياسم في أدب الشام؟                                                     
أما الطوابع فكثيرة ، لقد تجلت في مظاهر أشتاتا، فهي تارة مزايا وضاحة في المعاني والأساليب التي يسمو بها البيان العربي ، وحينا تغور في شياتها الملامح ، فإذا هي تقف وراء زجاج غير شفاف ،تبين أشكالها ولا تبين صورها ومعانيها إلا حين يزحزح الناظر ذلك الحجاب الصفيق بين عينيه وبين مطالعها.ولقد توسط الشاعر الفذ " البحتري" فكان شآمي الوضوح ، أخذ شعره من إشراقة شمس بلاده ومن خضرة الربيع كان زهو أشعاره ووشى معانيه وتعبيره.أما أستاذه وصاحبه البحتري يقول :                      
ما أكلت خبزي إلا بشعر أبي تمام.                                                               
وكذلك طعم أرغفة شعر الطائي كثير  من الشعراء في عصره وبعده ، حتى امتلأت بطونهم به ووجدوا الصحة في غذاء ذلك القمح الذي كانت منابته من " جاسم " بحوران.           
أما الذي أغمض الدهر عينيه عن رؤية الوجود الظاهري وفتحهما له في بصيرة العوالم التي كانت أفلاكها تدور في داخله فيجد نفسه في دنيا تفوق الأحلام، فهو شاعر الفلسفة العظيم أبو العلاء المعري.                                                                                         
إنه لم يبد صاحبا كصاحبيه ، وإنما نسج على شعره ونثره رداء ثخينا يكاد يحجب عنه الشمس والهواء.         
إن تاريخنا الأدبي لم يحدثنا أن أبا العلاء المعري غادر محبسه منذ انقطع إليه باختياره بعد أواسط عمره ورجعته من بغداد إلا مرة واحدة حين حاصر صالح بن مرداس صاحب حلب المعرة بإيغار لصدره من وزير له كان قد غضب على أهل المعرة وهو من أصل رومي فادعى عنده أنهم خلعوا عصا طاعته ونهضوا بثورة عليه،وصحيح الخبر أنهم ثأروا لأنفسهم من أصحاب الدنايا في بلدتهم ، يوم ذاك خرج أبو العلاء لمقابلة صالح بن مرداس واستلال غضبه على أهل المعرة فشفع لهم عنده وصرفه عنهم بسلام وكان صالح يزمجر مهددا متوعدا وأبو العلاء يطيب له الكلام فيقول له :     
الأمير أدام الله اقباله ، كالنهار المانع قاظ وسطه وابترد طرفاه.                                   
ويقول فيه بشعره في اللزوم:                                                                     
بعثت شفيعا إلى صالح  
       وذاك من القوم رأي فسد
فيسمع مني سجع الحمام  
       وأسمع منه زئير الأسد
وكانت حجرة أبي العلاء المعري التي حبس بها نفسه حتى موته ينزل إليها بدرجات ، ولم يذكر أحد أنه كان يصعد منها إلى فسحة داره حيث كانت الخبيزى مزروعة فيضحو للشمس ويستنشق الهواء الصافي.لقد حرم نفسه – على ما أظن – حتى من الشمس والهواء فعكس على شعره كل هذا فجاء أدبه غامضا في معانيه معقدا في ألفاظه ومبانيه.لكن المستجلى لآثاره- إذا لقف العربية وعلومها- وجد لذة في تفهمها لصعوبة دركها ولأن درك الصعاب له لذة عقلية مثلى ...ومن مظاهر أدب الشام الصناعة في الأسلوب والتعبير وقد افتن ذلك أبو تمام وجعله ديدنا فأجرى فنون البديع في شعره ، وجرى على غراره البحتري وكثير من شعراء الشام من بعده حتى اليوم.       
وكيف يعرى أدب الشام من جمال الكلام ونضارة الأسلوب وأرض هذا الأدب تعطيه في كل يوم لونا زاهيا من ألوان طبيعتها..إن عرب الجاهلية على ما كان في حياتهم من الجفاء والجفاف قد ندوا أشعارهم وطيبوها بعطر القرنفل وصانوها من وهج الشمس المحرقة وريح الرمل السافية ، فما بال شعراء الشام لا يتجاوبون مع أرضهم وسمائهم وبينهما هواء قل أن تجد مثله في بلد من البلدان فوشي الغوطة وزاهيات مرابعها والفياء الندايا في ضفاف بردى وشطآن العاصي حيث تترامى ضفائر الصفاف تتمرى على صفحة الماء في ميماس حمص والبشريات في حماه وما يجد الأدب في شبهة حلب وماضيها الحمداني الأثيل وقد كان فيها من شعراء الحمدانيين سحرة بيان وما ترامى على اللاذقية من أدب الديار، كل ذلك يتلألأ بالفكر وينضره الشعور.                       
حين مر أحمد بن جبير الأندلسي الرحالة بدمشق في أواخر القرن السادس للهجرة اختليت له أزاهير رياضها وحلل بساتينها السندسية يقول فيها:         
" تتبرج لناظريها بمجتلى صقيل، وتناديهم هلموا إلى حسن ومقبل ، قد أحدقت البساتين بها أحداق الهالة بالقمر ، واكتنفتها الكمامة للزهر وامتدت بشرقيها غوطتها الخضراء امتداد البصر ولله صدق القائلين عنها." " إذا كانت الجنه في الأرض فدمشق لا شك فيها، وإن كانت في السماء فهي تساميها وتحاذيها". ولقد ذكرت عند قول ابن جبير الشاعر الخالد أحمد شوقي حيث يقول وقد رأى الشام : 
آمنت بالله واستثنيت جنته   
       دمشق روح وجنات وريحان
وكان أبو نهضة الشام الأستاذ محمد كرد علي مشغوف الفؤاد برياها إلى غواطتها ويغدو حتى كتب الكثير في محاسنها أن أدب الشام باق في عبقرية لغتنا العربية ما بقيت جبالها الشم وانهار العواطر ومهادها القبح يسير بها ركب الزمان على حداء الحضارة ليسكن في منثور التعبير الرائع ومنظوم الشعر الخالد الذي تفضي به ، كلام الأدباء والسنة الشعراء كذلك أقول : سائليني يتا شام.  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here