islamaumaroc

الأسرة في الشريعة الإسلامية -1-

  دعوة الحق

141 العدد

مقدمة:
الأسرة هي جماعة مرتبطة بعلاقات جنسية ثابتة ودائمة، هدفها إنجاب الأطفال وتربيتهم فهي في أبسط صورها مجموعة الأفراد التي تضم الزوجين وأولادهما.وهذه الصور هي الطبقة العاشرة والخيرة في سلسلة الأنساب المعروفة عند العرب والتي كانوا يطلقون على الطبقة الأولى منها لفظة (الجذم) أي الأصل.                                     
والأسرة فيها سكن الإنسان وطمأنينته، وفيها راحته ومستقره. قال تعالى: " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة،إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون".             
وهي مصنع هائل ينتج الأبطال ويخرج القادة ويورد الأكفاء الذين يستطيعون الاضطلاع بمهام الحياة، وهي في حقيقتها شركة تعاونية يسهم فيها كل فرد بما يستطيع من جهد لتمكينها من أداء رسالتها في خير الفرد والجماعة على السواء. ولذلك فإن الإسلام يعتبرها الخلية الأولى في تكوين المجتمع البشري واللبنة الأولى في بناء الحياة الاجتماعية، ففيها تتحدد المعالم الواضحة لشخصية الإنسان وتتكيف اتجاهاته وتظهر ميوله.      
                             
عوالم اهتمام العرب بالأسرة :                                                                     
وقد عنى العرب بأنسابهم وأسرهم بصورة لم نألفها عند غيرهم من الشعوب، وقد دعاهم إلى الاعتزاز بالأنساب وحفظهم لها وتدوينهم إياها طبيعة الحياة في شبه الجزيرة العربية، وما كانوا يقاسونه في سبيل الحصول على الرزق المحدود والكلأ القليل والماء النادر واضطرارهم إلى التجمع والتسابق إلى هذه المواد التي لا تكاد تفي بحاجتهم جميعا، فإذا أضفنا إلى ذلك ما فطر عليه العربي من حمية النفس وسورة العاطفة واندفاع إلى الشر وقلة مبالاة بالعاقبة، عرفنا إلى أي مدى حرص العرب على أنسابهم ووجد لديهم علماء متخصصون كأبي البركات الجواني، وفي ذلك يقول صاحب نهاية الأرب:" ومعرفة أنساب العرب مما افتخر به العرب على العجم، لأنها احترزت على معرفة نسبها وتمسكت بمتين حسبها، وعرفت جماهير قومها وشعوبها، واتحدت برهطها وفصائلها وعشائرها ومالت إلى أفخاذها وبطونها ونفت المدعى فيها" لهذا لا نعجب إذا ظل العرب قبل الإسلام قبائلا مختلفة،وبطونا متعادية، فلما تسود بينهم روح المودة، أو تهدأ في نفوسهم نوازع العصبية، يتحاكمون إلى سلطان العقل وصوت الضمير فيما شجر بينهم من خلاف.  
                          
أثرالإسلام في الأسرة العربية:                                                                      
فلما جاءت الشريعة الإسلامية بمبادئها وتعاليمها، أقرت هذه المعرفة للأنساب ولم تر في الانتماء إلى الأسر والقبائل والشعوب ضميرا ما، ما دام  ذلك لا يؤدي إلى التفاخر والمبالاة، أو البطش بالضعاف، واستعباد الفقراء ، ثم بينت الحكمة من هذا الاعتزاز بالنسب وأنه للتعارف والتواد والتآلف والتراحم." يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " وقال عليه السلام :" كلكم لآدم وآدم من تراب". " ليس لعربي على عجمي ولا لقرشي على بأهلي إلا بالتقوى".                  
وكان عرب الجاهلية يتوسعون في معنى الأسرة ولا يقصرونها على الأقارب الذكور( العصبة بل كانوا يدخلون في عدادها: الموالي والأدعياء، وكان الجميع يؤلفون ما يشبه الشخص الواحد، حتى أن ثروة الأسرة كانت ملكا مشاعا لجميع أفرادها.الأمر الذي كان يجعلهم يؤخذون بجريرة أي فرد منهم.ولكن الإسلام غير من نظام عرب الجاهلية في تحديد معنى الأسرة، وألغى آثاره فيما يتعلق بالقصاص إذ قرر " أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص" وقد حقق الإسلام المساواة الكاملة في القيمة الإنسانية بين الرجل والمرأة ، وقرر أن المرأة إنسانة تتزوج بإنسان لتكون أما لإنسان." والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة، ورزقكم من الطيبات ، أفبالباطل تؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون ".فكان له بذلك فضل كبير على المرأة إذ أنقذها من قسوة الجاهلية الظالمة وأعطاها حقوقها كاملة، لأن الزوج والزوجة أليفان من نوع واحد لا مجال لاستعلاء أحدهما على الآخر ليستعصم بالكبرياء إرضاء للغرور الجامح المتردد.          
" يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به الأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا ". وبذلك بذل الإسلام ظلمها عدلا،وذلها عزا ن وخوفها أمنا، بعد أن كانت في الجاهلية كسيرة الجناح مسلوبة الحرية يوم كانوا يكرهون أن يولد لأحدهم أنثى فكانت كما قال تعالى: "وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، ألا ساء ما يحكمون ". " وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت ". فلما إن جاء الإسلام جعل للمرأة حرية التصرف في مالها وأعطاها ميراثها، بعد أن كانت هي متاعا يورث في بعض القبائل- قال تعالى: " للرجل نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا " .والمرأة المسلمة صارت عندما تتزوج تحتفظ باسمها واسم أسرتها بخلاف بعض الأمم التي تذيب اسمها واسم أسرتها في اسم الزوج وأسرته.     
والإسلام – دين العدل والكمال الإنساني- لم يبح للزوج اغتصاب أموال زوجته ولا استرداد ما أعطاها إلا برضاها، وهذه العدالة في المعاملة بين الزوج والزوجة لم تكن في الأمة العربية قبل أن يعزها الله بالإسلام الذي بين الرشد من الغي وكرم بني آدم ذكرا أو أنثى. " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا".         
وكما خفف الإسلام المساواة في القيمة الإنسانية بين الرجل والمرأة، فقد احتفل بالفرد الذي تتكون منه الأسرة، ويبدو ذلك في حرصه على أن يجعله يرى ويسمع وينطق وتختلج مشاعره بما جاء به الإسلام في عقيدة تربط المؤمن بربه في كل أحيانه وعبادات تشده وتحكم وثاقة بإخوانه، ومعاملات لا بد منها للحياة الفاضلة وأخلاق هي الثمرة الحقيقية للعبادات في دين الله ، والفرد الذي يكون الأسرة الإسلامية هو كل مسلم ومسلمة، وإن الإسلام ليخاطبهما على السواء ويكلف النساء كما يكلف الرجال قال تعالى: " فاستجاب لهم ربهم إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض" . " من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مومن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون".     
والإسلام هو إلى ذلك قد أبقى على القواعد والنظم التي تؤكد تضامن الأسرة وتكافلها في دعم كيانها كما هو الحال في نظام الدية ومولى العتيق ومولى المولاة. والأدلة القرآنية والأحاديث النبوية في هذا المقام كثيرة وهي في مجموعها تهدف إلى ترابط الأسرة ووحدة كيانها في مضمون اجتماعي- مما لم يكن لهذا وجود عند عرب الجاهلية- لتصبح خلية حية متفاعلة في جسم الأسرة الكبيرة التي تشمل الأمة الإسلامية في مختلف أقطارها وتباين لغاتها وألوانها." المومنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم".مولى القوم منهم الولد المفراش والمعاهر الحجر، وقال تعالى:        
" ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ".وقال : " إنما المؤمنون إخوة " . وقال : " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنه الله عليه إن كان من الكاذبين، ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين".                                                    
ومن ذلك نرى أن الشريعة الإسلامية خلصت الأسرة العربية من شوائب الضعف ووجهت لها قسطا كبيرا من عنايتها وأحاطتها بما يكفل لها الصلاح والاستقرار فلم تغادر أية ناحية من نواحيها إلا إقامتها على نظم رشيدة وقضت على ما كان يسير عليه العرب وغيرهم من طرائق فاسدة معوجة. منزلة الأسرة ودعائمها:                   
لقد رفع الإسلام من قيمة الأسرة وأعلى من شأنها منذ أن بزغت على العالم شمسه وأضاء في الكون نوره وأقامها على أسس سليمة وبناها على دعائم قوية من القداسة والروحانية العجيبة التي يقف أمامها العقل البشري مذهولا حائرا ، فهو أنصف الأسرة وجعل لها كيانا مستقلا،وامن عليها بهذا الإنصاف، فشرع الخطبة للرجل والمرأة على سواء ليختار كل منهما شريك حياته، وليسير على هدى وبصيرة بحيث لا يتردى في مهاوي الضلال ن ثم شرع الزواج وأحاطه بسياج من القداسة والطهر عجيب وجعل الصداق هبة من الرجل وعطية وجعل الطلاق أبغض الحلال إلى الله وجعل له شروطا خاصة وفي حالات بعينها تقتضيها الضرورات القاهرة، ثم ربط علاقة أفرادها برباط الألفة والمودة والمحبة واجتماع الكلمة والمحافظة على الصحة وسلامة البدن، وبذلك ضمن للأسرة المسلمة الطمأنينة والاستقرار وأرسى أركانها وركز دعائمها وأعانها على ردهاته التيارات الزاخفة التي لم تنل منها ولم تستطع زحزحتها ولا الوقوع بها.                                    
فمنذ حقبة من الدهر فارت نفوس ثائرة وانطلقت من عنيفة مدمرة فعصفت ريح الجهالة والمجون في كثير من بلاد العالم بكل ذي شان، واجتاحت الكثير من التعاليم الوضعية التي سارت بلادهم عليها أحقابا طوال، ومما عصفت به هذه الريح ( الأسرة والبيت) فهدمت أركانها وقوضت دعائمها، فجارت الأصوات قائلة : لا داعي للأسرة ولا حاجة إلى البيت، أهدموا البيوت ، وشتتوا الأسر لأنها تكونت من الحب الفردي وقامت على الأثرة والأنانية ، يجب ألا يؤثر الرجل أولاده بماله ومتاعه، يجب أن يكون المال والمتاع والثروة للمجموع، وهكذا هدم هذا الصوت كثيرا من البيوت في تلك المم وحل الأسر وأباح الأعراض، لأنها لم تكن ترتكز على أساس ولم تكن تستند على دعائم بينما تمسكت الأمة الإسلامية بتعاليم دينها محافظة على أسرها، معتمدة على مقوماتها، ثم كانت النتيجة ،ضياع الأنساب في تلك البلاد، فلا يعرف الولد نسبه ولا أباه ن ولا الوالد ابنه معرفة يطمئن إليها ، ويعتقد صحتها ، ثم كان أيضا ضعف معنوي هدم الروح هدما، واستهان بالمرأة والنسل، واحتقر تلك الصلة القدسية الشريفة ، صلة الزوج والقرابة حتى صار الرجل لا يعرف قرابة ولا رحما وشيجة، وسرعان ما فقدت هذه العاطفة هي الأخرى قداستها بين هؤلاء، فلا بيت هناك ولا أسرة ، يقصد الرجل إلى حجرة كائنة ما كانت فيجتمع بامرأة في عرض الطريق.  
ولقد لمس أقوام في النهاية ضرر ذلك وخطره فأخذوا في علاجه ومداواته، ومنشأ ذلك أنهم لم يحافظوا على أسرهم ولم يصونوا أعراضهم فكان في ذلك قضاء عليهم ن وهدم لكيانهم، وضياع لريحهم.     
                                                                                    
تنظيم الأسرة الإسلامية:                                                                         
من ذلك نرى أن أرقى النظم الوضعية لن تصل إلى ما وصلت إليه الشريعة الإسلامية في تنظيمها للأسرة وعنايتها بها ، إذ عالجت كل المشاكل المتعلقة بالأسرة فكفلت لها النجاة من الشرور بما لم يصل إليه عقل بشري بل بما لم يكفله دين سماوي من قبل.                   
فكان من أول ما وضع من التشريعات لتنظيم حياة البشر: الوصية بالوالدين، فهما رمز الحياة الأسرية وعمودها الفقري، وكان ذلك بعد الأمر بعبادة الله وحده قال تعالى: " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه، وبالوالدين إحسانا " .          
وكان من أسس التنظيم للأسرة التوجيه إلى الدقة في اختيار شريك الحياة والعناية بتلمس جوانب الخير فيه، تلك الجوانب التي تؤهله لتحمل التبعات وتقدير المسؤوليات، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " تنكح المرأة لأربع : لمالها ، ولحسبها ، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك". ويقول أيضا : " الدنيا متاع ، وخير متاعها المرأة الصالحة التي إذا أمرتها أطاعتك، وإذا دعوتها أجابتك،وإذا غبت عنها حفظتك في نفسك ومالك". والزوجة المثالية تكون أما لشباب مومن طاهر يعرف ربه ويعرف حق الوطن عليه وينفع نفسه وغيره." والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ، والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ". ففي حسن اختيار الزوجة اطمئنان للقلب وارتياح للنفس ، ولا ينبغي الاندفاع وراء صيد براق خلاب من غير تفكير ولا تدبير، وقد نهانا ديننا عن الزواج من بيئة هابطة فاسقة لا أخلاق لها ولا أمن يرجى فيها " ولا أمين إلا من يخشى الله " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إياكم وخضراء الدمن ، قالوا وما خضراء الدمن يا رسول الله ؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء" .ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم راعى بأن الأم هي القدوة لابنتها وابنها. و " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".                  
وعلى الأب الولي أن يكون مراعيا الجانب الديني فيمن يختاره زوجا لابنته، فلا يهمل هذا الأساس: " إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ألا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض". وذلك لأن الزواج المؤسس على هذا المنهج الذي أرشد إليه رسول الله صلوات الله عليه وسلم يبني الأسرة على تقوى من الله ورضوان وذلك مما امتازت به الشريعة الإسلامية.ومن زوج ابنته من فاسق أو مستهتر بدينه فقد أساء إليها وجنى عليها.         
كما نظم الإسلام العلاقة بين الشريكين على أساس العدل والتعاون " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف" واختار للإشراف على الأسرة ورقابة سير الأمور فيها من كانت أسهمع في الشركة أكثر، ومؤهلاته القيادية أقوى وأكمل فقال سبحانه: "وللرجال عليهن درجة " . وقال:" الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم " وحث على إخلاص الطرفين بعضهما لبعض وعدم تقصير أحد في الواجبات المكلف بها إزاء الآخر فقال تعالى: " فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله " . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " والرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها" . وقد نبه الرجل إلى أن رئاسته التي تقتضيها طبيعة كل جماعة ليست رئاسة استبداد وتحكم، بل هي رسالة شرف تزداد بها التكاليف وتعظم بها المسؤولية، ولا بد فيها من التشاور والتعاون واحترام رأي المرأة عند النظر في المشاكل، قال تعالى في حق الزوجين : " فإن أراد فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما".        
فذكر التراضي والتشاور دليلا على أ ن للمرأة رأيها ولها شخصيتها المستقلة في بحث المشاكل وسياسة البيت بعيدة عن الاستبداد والتحكم من أي طرف من الطرفين.                              
إن هذه الشركة لابد لها من أرباح ، وهي الا الذرية، وقد أمر الله بالعناية بها، كما أمر الله هذا الناشئ الجديد أن يدفع لأبويه ضريبة التربية فيبر بهما ويحسن إليهما خصوصا عندما تشتد إليه حاجتهما كما يقول تعالى: " أما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما، وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ".              
ففي هذا الأدب من التكامل والتضامن ما يسمو على كل تشريع وفي هذا التنظيم السماوي الذي وضعه العليم بأحوال الناس ما يفوق كل تنظيم.             
هذا من جهة النظر على معنى الأسرة في صورتها القائمة على الزوجين وأولادهما، والتي توجب على كل فرد فيها واجبات معينة قبل سائر الأعضاء نظير ما ينتفع به من مميزات: ومن جهة النظر إلى معناها الواسع فإننا نجد الشريعة الإسلامية توجب نفقة الغريب المحتاج على قريبه القادر على الإنفاق ، وذلك لضمان التكافل العائلي بين أبناء الأسرة وتجاوبهم في السراء والضراء والسعادة والشقاء في الحاضر والمستقبل، ولا أدل على ذلك من تلك الوصايا الكثيرة التي احتواها القرآن الكريم والتابعين من أبناء الأمة الإسلامية ، فالقرآن يقول: " واعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب". ويقول : يسألونك ماذا ينفقون ؟ قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين". ويقول : " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى" . ويقول عليه السلام : " من كان عنده فضل مال فليعد به على من لا مال له ".
أن هذه النصوص وغيرها توجب على المسلم رعاية أخيه في الإسلام ،وشريكه في العقيدة، وتلزمه بمد يد المعونة إليه عند احتياجه، كما ألزمت البر بالأقارب الأدنين ومعاملتهم ومشاركتهم على السواء.فالشريعة الإسلامية قد أوفت الأسرة حقها من التقدير والرعاية سواء كانت بمعناها الضيق أو بمدلولها الواسع، نظرا لوظيفتها الخطيرة في المجتمع ، فهي التي تغرس في نفوس الأبناء حب المعتقدات والقيم بالتكاليف الشرعية ، وهي التي تتعهدهم بتربيتهم خلقا ولغويا وثقافيا، وفيها مستقبل البلاد إذ هي مهند الجنود ومصنع القادة والعظماء والعباقرة، يتدرج فيها الطفل أو بالأحرى يتلقى دروس التربية العملية التي تمزج بالدم وتخالط البدن والروح. الدروس التي تسيطر على حياته، وتؤثر فيها تأثيرا لا يمكنه التخلص منه مهما حاول تخلصا أو فرارا- فما بالطبع لا يختلف-فان كانت هذه الدروس الأولى شعور بالعظمة والمجد والعزة والقوة والأنفة والكرامة ضمنا مواطنا مخلصا له أثره في الإخلاص له ويده في النفع المحقق لخبر البلاد، لأن الإنسان يولد في الأسرة عجينه طرية يتولاها الوالدان بالتشكيل والتجميل والتطوير حتى يخرجا منها نموذجا طيبا إن أحكما الصنع وأجادا التشكيل، أو نموذجا سيئا إن قصرا أو أهملا أو شكلاه تشكيلا على غير أساس متين من المعرفة الدقيقة بالطبائع والغرائز وأثر البيئة في السلوك، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في ذلك: " ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأباه يهودانه، أو ينصرانه أو يمجسانه ".وروى ابن ماجة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ألزموا أولادكم وأحسنوا أدبكم". وبذلك كله شملت الشريعة الإسلامية ، الأسرة برعاية كريمة وعف رحيم ، وسمت بها إلى مستوى رفيع لم تصل إلى مثله ولا إلى ما يقرب منه أية شريعة أخرى من شرائع العالم قديمه وحديثه.         

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here