islamaumaroc

الأسطول درع المغرب عبر التاريخ -2-

  دعوة الحق

141 العدد

يختص المغرب بموقع وشروط قارية وإقليمية واستراتيجية قلما تجتمع في بلد من البلدان، فهو قبل كل شيء دولة بحرية يحيط بها من الغرب المحيط الأطلسي، الذي أصبح المجال الحيوي للقوات البحرية الحديثة، وطريق المواصلا الأمثل بين العالمين القديم والحديث، ويحدها من الشمال البحر الأبيض المتوسط الذي قامت على شواطئه مختلف الحضارات القديمة، وأقوى الامبراطوريات التي عرفها التاريخ القديم والوسيط.
وفيما عدا هذين الحدين لا يوجد أي خطر أو احتمال غزو خارجي، حيث أن الصحراء تقوم كحد  لا يمكن اجتيازه، وحتى في الأحوال التي يتم فيها اختراق هذا الحاجز الطبيعي الجبار فإن من يقوم بذلك هم المغاربة الذي تعرفوا على البلدان والأقاليم الافريقية واتصلوا بها عن طريق الغزو أو التجارة أو الارتياد الاستكشافي.
فالبحر الأبيض المتوسط خلال الحقب التاريخية القديمة، ثم المحيط الأطلسي منذ بداية العصور الحديثة، قد فرضا على المغرب السير في طريق تعزيز قواته البحرية وتحصين ثغوره الساحلية في الوقت الذي أخذت مكانته الدولية والسياسية تتعزز بالقياس إلى دول العالم الأخرى.
- وإذا كان بناء القوة البحرية المغربية قد اجتاز عدة مراحل إعدادية لابد منها لإنجاز وإنجاح عمل من هذا القبيل، فمما لا شك فيه أن الظروف الخارجية وحدها هي التي دفعت إلى هذا الاختيار، بل جعلته يأخذ شكلا إلزاميا ويبدو وكأنه ضرورة ملحة وأداة لا غنى عنها.
وخلال المدة التي عاشها الحكم الإدريسي بالمغرب كان الاهتمام بالشواطئ والتجهيز البحري في حالة دنيا. وذلك لأسباب عديدة أبرزها:
- ان المروانيين في الأندلس بالإضافة إلى العبيديين كانوا ينهضون بالكفاية المطلوبة بمهمة مجابهة الدول المسيحية البحرية، بل كانوا يفرضون سلطانهم عمليا على سواحل شبه جزيرة ايبيريا والشمال الافريقي.
- إن الأدارسة لم يعمروا طويلا في الحكم. ورغم قصر مدة ايالتهم فإنهم قد انصرفوا إلى توطيد المغرب، ومحاربة البورغواطيين، وكبح جماح المطالبين بالملك والثائرين في أنحاء البلاد.
- عن هذه الدولة، وجدت من الأنسب لها  أن تعمد إلى نشر الإسلام والتبشير برسالته في الجنوب الوثني. وهكذا فإن الجيش الادريسي، أو على الأقل بعض المجاهدين قد طرقوا أبواب افريقيا السوداء ووصلوا إلى مالي الحالية. ومن بعض الوجوه فإن نظرة الأدارسة الاستراتيجية هي بمثابة إيحاء لما أقدم عليه السعديون فيما بعد من تجريد الحملات البرية عبر الصحراء، بعد ان سدت في وجوههم منافذ الشمال التي تعتمد في الأساس على كفاية الأساطيل وعملها.
ولقد استمرت العوامل السالفة كعنصر مؤثر ودافع للسياسة المرابطية في المجال الاستراتيجي وإذا اعتبرنا اجتياز يوسف بن تاشفين إلى عدوة الأندلس عام 1086 للميلاد كبداية مباشرة للاهتمام بالأساطيل البحرية التي كانت نواتها الأولى الأسطول الأندلسي الذي ألحق بقطاعات الجيش المغربي، نكون قد حددنا تاريخا تقريبيا لقيام هذه القوة البحرية التي غدت ولمدة أربعة قرون أعظم قوات العالم.
وبقطع النظر عن بعض الاجتهادات التي وردت في كتابات قلة من المؤرخين وفي مقدمتهم صاحب «الحلل الموشية في أخبار الدول المراكشية» الذاهبة إلى أن ملك قشتالة طلب من يوسف بن تاشفين إرسال أسطوله إذا رغب في محاربة الإسبان فوق أرض المغرب فمن المقطوع به أن الاسطول المرابطي لم يكن شيئا مذكورا بل لم يكن موجودا على الإطلاق قبل مرور أكثر من نصف قرن على قيام تلك الدولة.
وليس أدل على ذلك من حيرة ابن تاشفين أمام أسوار سبتة طيلة أربعين سنة وكان بإمكانه لو توفر على بعض قطع بحرية أن ينفذ إليها وينهي حكم الحاجب سكوت البروغواطي الذي استعصى أمره على الأدارسة من قبل ولم يستطيعوا أن يفعلوا كما لم يستطع المرابطون أي شيء أمام منافسة المدينة من جهة البر.
ويذكر التاريخ أن الأمير ابن تاشفين استنجد بأسطول المعتمد بن عباد الذي كان مستقرا بسواحل الأندلس الجنوبية، ويذكر أيضا أن المعز بن المعتمد وكان قائدا لذلك الأسطول توجه لتوه إلى سبتة وأعطى فرصة للجيش البري كي يفتك بتلك المدينة ذات الأهمية القصوى في كل عملية عبور إلى الأندلس والقارة الأوربية. ولقد نهبت هذه الحادثة – مع ما كان يختمر في نفوس القادة المغاربة في موضوع الإسبان – إلى أهمية الأسطول البحري، كوسيلة لا غنى عنها لأي عمل خارج المياه المغربية، وللدفاع عن حدود المغرب ذاتها.
ويعطينا ابن خلدون في مقدمته رقما ثابتا لعدد القطع البحرية الي بناها المرابطون ووزعوها على مراسي المغرب الرئيسية، وهذا الرقم هو مائة قطعة مختلفة الأحجام والأشكال ومتباينة التجهيز والعمارة.
غير أن ابن خلدون – فيما نعتقده – قد أغفل أساطيل دويلات الطوائف بالأندلس ذلك أنه من المعروف أن إلحاق شبق جزيرة إيبيريا بعد موقعة الزلاقة عام 1086 قد نتج عنه إلحاق العساكر العربية  بالجيش المغربي بما في ذلك كل الادوات والآلات والمراكب الحربية. والثابت تاريخيا أن الأسطول الأندلسي ظل كما كان الشأن من قبل يعمل في المياه الأوربية، وإن كان قد تجمع لأسباب عسكرية محضة في ميناء «المرية» كما يذكر نفح الطيب. ويبدو أن السبب راجع إلى كون الأندلس في الاعتبار الاستراتيجي الحديث كانت خط النار الأول بالنسبة للمرابطين، وليس أفضل من المرية الواقعة على الساحل الشرقي للأندلس للنهوض بمهمة مراقبة وحماية الجزر العربية المغربية المنتشرة على هذا البحر.
فما هي المهمات التي أنجزها هذا الأسطول القوي العتيد؟.
وكيف استطاع أن يقلب ميزان القوى في البحر المتوسط وفي العالم قبل الوسيط، ويصبح القوة التي لا تغلب؟
ليس من السهل كما يبدو الجواب الإجابة عن هذين السؤالين بالإحاطة الدقة المطلوبتين. ذلك أن الأسطول الفتي بادر إلى مساندة عرب الأندلس ضد التحرش بل ضد الطغيان المسيحي الجارف ولا يتعلق الأمر بالقوارب الكبيرة والمتوسطة التي نقلت الجيوش والعتاد من سبتة والقصر الصغير وطنجة إلى طريف والجزيرة الخضراء لأن ذلك ليس من مهمة الاسطول كاداة حربية من نوع خاص ولكنه يتعلق، وهذا ما يعنينا في بالبرنامج، بالمعارك البحرية، ومداهمة المواقع الأرضية الساحلية. وبطول الحديث إذا ما أوردنا جميع المواقع التي خاضها أسطول المرابطين أو اشترك فيها إلى جانب الجيوش الزاحفة برا، زيادة على أن المؤرخين لا يعطون صورا حقيقية لتلك المعارك مكتفين بإبراز العمل العسكري التقليدي، باستثناء ما دار على سواحل جزر البليار ضد أساطيل القطلونيين والبروفانس والبيزيين، وجنوب إيطاليا ضد سفن جنزة والأسطول
النورمندي وعلى طول السواحل التونسية التي غذت بعد سقوط المهدية عاصمة العبديين في يد الصليبيين مهددة بالغزو الأوربي مباشرة. ولقد استنجد العديد من الأمراء والدول بأسطول المرابطين، كما أعجبت بعض الامم به إلى حد الانضمام إليه بشكل تطوعي، ويتعلق الأمر هنا بأسطول الانجليز الذي عمل مدة طويلة تحت الراية المغربية اعتبارا من سنة 1125 كما سنرى في حلقة قادمة.
أما كيف استطاع أسطولنا أن يصبح القوة التي لا تغلب، فذلك يتعلق بالتفرغ الكامل لعملية بنائه، وتجميعه في مراسي محصنة، وتكليف أشهر القادة البحريين بقيادته وتدريب جنوده، وخلق أنسب الظروف لأية عملية بحرية، ودراسة ملابساتها، ومعرفة أحوال الأماكن، والطقس، وغير ذلك مما أصبح من جديد شرطا لنجاح المعارك على البحار.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here