islamaumaroc

علاقاتنا الحياتية …وإلى أين؟

  دعوة الحق

141 العدد

تتراوح علاقاتنا الحياية بين هذه الأنماط:
علاقتنا بأنفسنا..
علاقتنا بالآخرين..
علاقاتنا بالكون..
ولكي نكون موضوعيين في الوقوف عند هذه العلاقات.. فلنقل منذ البدء.. إن «علاقة» حميمة توشح بين كل هذه الأنماط، بحيث لا يمكن أن تستقر واحدة منها في غياب الأخريين.. إن علاقاتنا بأنفسنا - مثلا - تستمد عناصر وجودها الحي من نقاء علاقتنا بالآخرين.. وعلاقتنا بالآخرين تستقطب في حركة انتمائها علاقتنا بالكون.. وعلاقتنا بالكون هي الأخرى.. تغيم أو تشرق في ضوء من علاقاتنا الحياتية متكاملة متناغمة الأبعاد والأعماق.. كأنها أضلاع مثلث واحد..
وليس هذا التكامل.. أو هذا التداخل.. بمفض في النهاية إلى تمييع الوجود الفردي لكل علاقة من هذه العلاقات.. بقدر ما هو إلى أصالتها وإلى عراقة انتمائها.. فإن الوجود الأناني وحده هو الذي يمكن أن يشكل لطخة سوداء في جبهة أي وجود.. لأنه يعزله بالضرورة عن أن يكون فاعلا.. ومنفعلا.. أما أن يتناغم مع وجود أو أكثر من وجود.. فإن ذلك وحده.. هو الذي يعطي الدليل على إمكانية أن يكون وجودا إيجابيا مثريا.. يعطي ويأخذ.. يؤثر ويتأثر .. ويفعل وينفعل.. وفي ظلال هذه «المعاطاة» يمكن كل طرف من هذه الأطراف أن يعين على تكامل الكل.. وإضفاء روح الشمول على إطاره ومحتواه...
ولنبدأ بالوقوف العابر عند «علاقاتنا بأنفسنا» .. إن تحديقا غير متسرع يؤكد لنا أن هذه العلاقة قائمة أساسا على التلاحم الوجودي بيننا كوجود موضوعي.. وبين أنفسنا كطاقة.. وكقدرة.. وكفكر.. ومن هذا كان الصراع الخالد معركة لا تهدأ ولا تنتهي بين جواذب الهبوط وهواتف الاستعلاء في إطار الذات.. أملا في أن يسفر الصراع عن صفاء الجواهر.. وارتفاعه الشاهق المنتمي.. عن المستوى الترابي البليد.. ثم كان الإلحاح الدائب على إشعاع أضواء هادية مكان هذه الدياجير.. حتى لا تفرغ الذات من شيء قبل أن تمتلئ بشيء آخر أعلى وأثرى.. ثم كان إلحاح أعرض وأعمق على ربط النفس البشرية بغايات كبيرة.. وأهداف جليلة.. وتحطيم كل ما يعتاق انطلاقها إلى أمام.. حتى لا تدور في حلقات مفرغة تبدأ من حيث تنتهي أو من حيث لا تنتهي على السواء..
إن هذا «الإحياء» الدءوب.. لكل مناطق الإبداع في أعماق الذات.. كان غاية كل الأديان والرسالات، ولعل أندى صوت في هذا المجال كان صوت النبي العظيم محمد (ص) حين قال لأصحابه وهو راجع من غزوة وقتال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر.. وهو جهاد النفس».. إن ذلك كان بدء الجولة الداخلية التي تقوم بتحرير المناطق المحتلة في أغوار الذات.. ليبدأ من بعد ذلك الزحف إلى كسب مواقع جديدة.. لابد أنها ستتوق يوما إلى مثل هذا الصفاء الآدمي الصادح في سلوك هذه الطلائع المسلمة.. الفاتحة باسم الله.. وباسم كرامة الإنسان!!
ولقد جاء رجل إلى النبي (ص) يقول: أوصني يا رسول الله.. قال أمستوص أنت؟ قال: نعم.. قال: «إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته فإن كان رشدا فأمضه وإن كان غيا فانته عنه».. هنا تخطو القضية خطوة أخرى إلى الأمام.. فليست المسألة مسألة جهاد كادح داخل النفس.. وإنما هي بالدرجة الأولى تسليم الذات كل زمام الموقف «إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته».. حتى يمكن للإنسان أن يكون هنا مناط مسؤولية.. ولكنها مسؤولية مسؤولة أمام هذا الميزان: «فإن كان رشدا فأمضه.. وإن كان غيا فانته عنه»؛ هذا تخطيط راشد لتربية الجماهير.. إن أسلوب الكبح لا يجدي.. ولكن أسلوب الحفز.. وربط هذا الحفز بضمانات أخلاقية واقية هو الذي يعمل على تنشيط قوى النفس.. وإطلاق إمكانياتها في فضاء التحقيق الوجودي..
إن علاقتنا بأنفسنا - في المنظور الإسلامي - لا ينبغي لها أن تنهض على أسس من الوصايا والشعارات وإنما ينبغي لها أن تنهض دائما على فهم حقيقة النفس وحقيقة دورها الشاق.. وحقيقة الصراع الناشب في داخلها بين شتى النوازع.. والخلجات...
ولنعبر دائرة الحديث عن علاقتنا بأنفسنا إلى الحديث عن «علاقتنا بالآخرين»..
إن «الآخر» دائما هو المقياس الذي نقيس به آماد تطورنا النفسي والسلوكي.. لأن أنانية الذات تلقى امتحانها الواصب في مواجهة في مواجهة هذا الانفتاح.. أو قل هذا التخطي لمطامحها الذاتية في سبيل أن تفسح لمطامح الآخرين دون رغب ما.. في مقابل ما.. إن ذلك يشكل قمة التصفية النفسية.. ويشكل إلى جانب ذلك قمة الوعي بحتمية التناغم الوجودي الذي بدونه لا يكون الوجود..
ولابد من تعميق علاقاتنا بالآخرين على أساس من الحب المطلق.. والمشاركة في الغيم والإشراق كهذا الذي تغنى به المسيح عليه السلام: «أحبوا أعداءكم.. باركوا لأخيكم.. أحسنوا إلى مبغضيكم.. صلوا من أجل الذين يسيئون إليكم».. وكهذا الذي مجده وانحنى عليه محمد عليه الصالة والسلام: «والله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».. «انصر أخاك ظالما أو مظلوما».. «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا».. «المؤمن للمؤمن كاليدين.. تغسل إحداهما الأخرى».
إن هذه المقابلة الراشدة بين ما هو لك.. وما هو للآخرين.. تؤكد أن صوتا من نوع فريد قد أراد أن يقيم العالم من جديد على أسس جديدة.. لا تنبح فيها الأنانية.. ولا تستشري في زواياها أثرة عمياء!!
إن «الآخر» بقدر ما هو مجلى من مجالي تحققنا الأخلاقي.. وإحساسنا بزمالة الإنسان للإنسان... يشكل في الوقت نفسه مرآتنا الصافية.. التي تعكس همومنا.. وغناءنا.. وهو لنا كتاب مفتوح الصفحات نرى فيه كل ما هو متعال ورائع.. ومضيء.. فالذي يقيم علاقته بالآخرين على أساس من الإحساس بالوهب..لا التلقي.. دائما يواجه في نفسه منطقة محترقة تماما.. ما تزال حتى الآن في حاجة إلى نفضة خصب تعيد إليها فورة البكارة.. وروعة الاقتدار..
وحين نشارف الحديث عن «علاقاتنا بالكون» نحس في داخلنا بأن رسوخ هذه العلاقة أو انحلالها دليل على مدى صدقتنا أو عداوتنا لقضية أننا نحيا الحياة.. فهل يمكن أن تقوم علاقة فاشلة بين الإنسان والكون.. ثم يبقى للإنسان أو للكون وجود أو حتى أشباح وجود؟ إن الكون إطارنا.. ونحن محتواه.. ودائما تتألق قيمة «القصيدة الكونية» بقدر ما يقوم بين إطارها ومحتواها من حوار فاهم عميق..
إن علاقتنا بالكون تنهض على أساس من الإحساس النابض بحركته.. والعقل المتفتح لمعطياته.. والفهم الكبير لمعادلاته الصعبة... إن معارضة بليدة لحركة الكون قد تعطل الكون والإنسان جميعا.. إن رفض العقل لمعطيات الكون قد تشل العقل والكون على السواء.. إن حجب الفهم عن معادلات الكون قد يخلق فهما أعقد يرجم الاثنين بمزيد من العجز.. ومزيد من الإحباط..
إن «الحب».. والحب وحده هو الذي يمكن أن يؤصل علاقة الإنسان بالكون.. وعلاقة الكون بالإنسان.. لأن الحب حين يقوم جسرا بين هذين.. إنما يعمق حس الجمال الكوني في الإنسان.. ومتى استيقظ هذا الحس في أغوار الوجدان البشري.. فقد خلق فيه بالضرورة معراجا إلى الإيمان بكل شيء.. وبما وراء الأشياء..
لقد كان النبي (ص) يستقبل المطر عاري الصدر.. فإذا سئل في ذلك أجاب: إنه حديث عهد بالسماء!!
وكان إذا بزغ الهلال.. ناجاه بقلبه المفعم: ربي وربك الله...
وكان يستقبل أحدا في مودة قائلا: أحد.. جبل يحبنا..  ونحبه...
إن هذا التعاطف الحميم بين الإنسان.. والكون.. هو الشرارة الأولى التي تلهب جذوة الإيمان بتعليته والحفاظ عليه، وتشييده على أسس إنسانية.. وحضارية.. وحراسة كل أبعاده حتى لا تنهار.. أو تتناقض من أطرافها هنا أو هناك.
وهكذا تتكامل الأبعاد في حركة وجودها الكوني.. لتؤلف من بعد سيمفونية الكون الكبير.. الذي ينهض فيه إنسانه بعبء الخلق والإبداع.. شاهرا إزميله الفنان في وجه كل القبح.. ملوحا بمشاعله المضيئة على كل دروب السعود.. بادئا من أدغال النفس وغاباتها الموحشة.. مترقيا إلى قمة التلاحم الوجودي بالأغيار والآخرين.. مستويا في نهاية الرحلة على أعراف التناغم الحقيقي بين ما هو إنساني.. وما هو كوني.. للانفتاح الخالد المضيء على أمل اللقاء بالكل الشامل.. الذي هو الله!!!

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here