islamaumaroc

المؤرخ الاجتماعي ميشو بلار بطنجة والقصر الكبير وسلا -1-

  دعوة الحق

141 العدد

لا يخفى على من له أدنى إلمام بالتاريخ  الحديث أن الدول الغربية، وبصفة خاصة ، فرنسا وانجلترا وإسبانيا ، بدأت تفكر بجد في غزو أقطار إفريقيا الشمالية في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، وأن فرنسا أخذت تهتم الاهتمام البالغ بشؤون المغرب الأقصى، وتدرس بتيقظ ، وعن كثب، ما يقع فيه أو حوله من أحداث منذ نشبت أظافرها بالقطر الجزائري ، فجندت ، إعداد الاستيلاء عليه، أمهر ساستها، وأحدق علمائها، وأصبر روادها على ركوب الأخطار وتحمل الشدائد، وأقدر مغامريها على التقاط الأخبار واستطلاع الأسرار، وعلى نشر الأراجيف وشراء الضمائر.                                               
في سنة 1904م قال دلكاسي وزير الشؤون الخارجية بفرنسا إذ ذاك : " إن الجغرافية ن والسياسة والإستراتيجية ، وكذا وسائلنا المادية تحدد بالضبط تحديد إمبراطوريتنا في إفريقيا. وأني لأرى من الضروري أن يكون المغرب الأقصى جزءا من تلك الإمبراطورية".                       
في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الميلاديين اخذ يتوافد من فرنسا على المغرب، برا وبحرا ، عدد كبير من الأساتذة المستشرقين ومن الضباط المخططين ،والعلماء المتخصصين ، كانوا يجوسون خلال سهول البلاد ونجودها، رجالا وركبانا، متنكرين في أزياء مغربية بسيطة ومستصحبين ، في غالب الأحيان أدلاء يهود، وهكذا استطاعوا أن يضعوا خرائط جغرافية دقيقة ، وان يحرروا تقارير إضافية عن السكان ، وما لهم من عادات وتقاليد وميولات،وما لديهم من زاد وعتاد.                                                             
كانت مدينة طنجة إذ ذاك مقصد المراكب التجارية والسفن الحربية الغربية والأمريكية والتركية، ومقر ممثلي الدول الأجنبية لدى الحكومة المغربية ، ومحط رواد الاستعمار ، وشذاذ الآفاق، وصيادي الصفقات الرابحة والمضاربات الناجحة ، وهواة المغامرات ن لكل جنس منهم " علم" يؤيد مطالبه بالوعيد والتهديد ، وعند الاقتضاء بالتخريب والتدمير ، ولكل ناعق منهم " جريدة " بطنجة ترفع عقيرتها لمساندة مزاعمه فتردد أصداءها جرائد غربية موالية.                      
حقا لقد كانت طنجة ، بفضل ما حدث فيها من جرائد، وما أقيم فيها من فروع لمصارف أوربية، وما فتح فيها من نواد ومقاه ومتاجر...مسرحا خطرا لمختلف مظاهر التنافس بين الدول الغربية ، كل منها تعمل للاستحواذ على خيرات البلاد وثرواتها. ولكل منها عيونها ومراصدها.          
وفي مستهل القرن العشرين، عندما اختير الكنط دي سان أولار le comte de saint-aulaire للعمل بجانب ممثل فرنسا بالمغرب ، قال له بول بورد  ((Paule bourde موجه الصحافة الاستعمارية" للرسميات " وكان يستحسن في بيته " العيشة المغربية " ويستقبل زواره ومساعديه ببساطة وبشاشة إلا أن أستاذا فرنسيا اشتغل معه عدة سنين أكد لي أنه كان " لا دينيا " لا يصلي ولا يصوم كما أكد لي ابن أحد مستكتبيه ، عاشره مدة طويلة بطنجة وبسلا ، إنه ما رآه دخل مسجدا للصلاة أو سجد لله في منزله. ومهما يكن من أمر فإن الكنيسة كانت ترتصده ولما اشتد به المرض أخذته من منزله إلى المصحة الملحقة بالكنيسة المركزية بالرباط وهو في حالة احتضار فلفظ نفسه الأخير بين يدي أحد الأساقفة وتكلفت تلك المؤسسة بتنظيم جنازته ودفنه ، وإن لم يؤثر أنه كان من المترددين على هذه هي أهم مراحل حياته الشخصية والعائلية ، فلننتقل الآن إلى الكلام عن أعماله في المجالات العلمية والسياسية.     
                                      
الظاهر أنه ت علم العربية العامية والفصيحة بالمغرب وان اطلاعه على شؤون المغرب وطول معاشرته لأهالي شمال البلاد ورحلاته المتوالية للقرى والحواضر الداخلية كل ذلك كان مما لفت إليه نظر ألم . لوشاتوليه مؤسس البعثة العلمية المشار إليها أعلاه، ونظر ممثلي الحكومة الفرنسية بطنجة، ثم نظر المقيم العام الفرنسي الأول ، المرشال ليوطي الذي كان يعطف بصفة خاصة على أهالي إقليم الألزاس. وهكذا أسند إليه في فترات مختلفة القيام بعدة مهام ، وكلف بأبحاث واستطلاعات ودراسات تتعلق بتاريخ المغرب وبما عليه من عادات وتقاليد وكل ما يرجع للإدارة وللاقتصاد وللقضايا الاجتماعية كالحفلات العائلية والمواسم الطرقية والنزعات القبلية إلخ..                              
أن ألم .لوشاتوليه(1855-1929) كان من أحذق المخططين للاستعمار ومن أذكى رواده إذ خدمه أصدق خدمة ضابطا، وأستاذا وصحفيا ومؤلفا.           
التحق بالجمعية الجغرافية الباريزية ، وهي في طور النشوء، فكان من المنظمين لبعثة فورو لامي(foureau lamy)   بصحراء القطر الجزائري ، كما كان أحد المؤسسين للجنة إفريقية الفرنسية cimité de l’afrique fraçaise إلا أن ما جبل عليه من قدرة على العمل ومن الاستبداد في الطبع حفزه على أن ينشئ منظمة خاصة يكون هو رئيسها والقابض على أزمة العاملين بها ، وهكذا أحدث بباريز مجلة العالم الإسلامي ، وبطنجة " البعثة العلمية المغربية " (سنة 1903).
سهر على تسيير وتوجيه البعثة إلى 1920 وقد جعل من أهم أهدافه تحقيق " الاستيلاء السياسي "  على المغرب pénétration politique du maroc في حين أن ترمي أعمال لجنة مراقبة الدين إلى(le contrôle de la dette ) تنظيم اقتصاده ، والبعثة العسكرية(la mission militaire)  إلى تصفية ما انتشر فيه من اضطرابات وفوضى.
فمجلة العالم الإسلامي ( 1906-1926)  تلك المجلة التي أحدثت حولها وحول صاحبها في القاهرة ضجة سنة (1911م) حيث كانت نشرت بحثا عن أعمال الإرساليات  البروستنتنية بالبلاد افسلامية جعلت عنوانه : الغارة على الإسلام (la conquéte du monde musilman)     (1)- يسرت لمؤسسها ومساعديه القيام بأبحاث واستطلاعات حول جميع القضايا التي تروج في البلاد الإسلامية وذلك ليمهد السبيل للاستعمار ويتيح له الوسائل  المواتية لتوطيد أركانه ، إذ كان يرى أن لا نجاح لسياسة لا تكون مبنية على " المعرف ، والتقييم والاستنتاج". وتضم مجموعة المجلة الآن ستة وستين مجلدا وهي في حقيقة الأمر موسوعة تشتمل على تحليل أكثر من ألفي كتاب ولخص فيها ما كان ينشر في حوالي ألف وخمسمائة صحيفة أو مجلة تهتم بشؤون البلاد الإسلامية ، هذا بالإضافة إلى المقالات الأساسية والتعاليق الضافية التي كان يحررها لوساتوليه وطائفة من مساعديه ذوي الأقدام الراسخة في البحث والتنقيب ، مثل ماتسينيون (2) وهوداس houdas   وهيار Huart  وسلوش Slouseh  الخ.. كان الأستاذ ميشوبلار يكتب من آن لآخر في مجلة العالم الإسلامي إلا أن أكثر أبحاثه ودراساته نشرت في كتب مستقلة أو بمجلة المستندات المغربية Archives Marocaines  التي كانت تصدرها البعثة العلمية المغربية وتطبع بباريس ..وتوالى على تسييرها الم . لوشاتوليه، ثم الم.سلمون ثم الم.ميشوبلار وكان المقصود منها وضع مرجع دقيق لكل ما له صلة بالمغرب وتاريخ مدنه ، وقبائله ،وطوائفه ونظمه ، ومعاهده وعلاقاته بالدول الأخرى الخ...قصد معرفة السياسة الواجب اتخاذها يوم تتمكن قدم فرنسا بالمغرب "
نشر أول عدد من مجلة المستندات المغربية سنة 1904 ، وتشتمل مجموعاتها الآن على حوالي الثلاثين مجلدا بين دفتي كل منها نحو الثلاثمائة وخمسين صفحة ، الشيء الذي يشهد على نشاط فكري وعلمي جدير بالتقدير.
ومن اسماء الكتاب التي تكررت فيها بالإضافة إلى لوشاتولية وميشوبلار ، الم جولي A.joly والم.مرسي L.Mercier  والم.كوفوري L.confourier  الخ...
هذا ومن جهة أخرى فإن الأستاذ ميشوبلار شارك في تأليف وتنسيق عدة دراسات حول المدن والقبائل المغربية نشرت من سنة 1914 إلى 1930 في ثمانية مجلدات تحت عنوان " مدن وقبائل المغرب "  (villes et tribus du maroc)
وكان يسهم في تحرير فصولها ، بعد توقيع عقدة الحماية والشروع في توطيد أسسها، رجال مصلحة الاستعلامات ومصلحة الشؤون الأهلية ، ونشرت فيها دراسات وافية عن طنجة والرباط وسلا والدار البيضاء ، وقبائل دكالة وعبدة وآيت باعمران الخ...
إنه قد يكون من العبث أن ننكر الآن على صاحبنا ما اتسمت به حياته الشخصية والعائلية من مظاهر التمويه والغموض أو أن نستغرب من " سذاجة " أو " طمع" المغاربة الذين كانوا يمدونه بالمعلومات والوثائق والمراجع..فإنه كان يخدم لصالح بلاده بصدق وإخلاص ، ويرى من دون شك " أن الغايات تبرر الوسائل ". ومن جهة أخرى فإن الظروف التي عرفها المغرب قبل الحماية كانت تفرض عليه أن يعيش عيشة مغربية صرفة ، وأعماله كمشتغل بدراسات اجتماعية ودينية لا يتأتى استيعاب عناصرها إلا لمن يعاشر المغاربة ذوي الخبرة والجاه ويبادلهم المنفعة والمودة من غير أن تثير تصرفاته الشكوك حول معتقداته (3).
ومهما يكن من أمر فإنه من المفيد جدا أن يحيط الباحث المغربي علما بما كتبه من مقالات تاريخية واجتماعية، وما ألفه من كتب في مختلف المجالات الثقافية والاقتصادية والإدارية، وسنحاول إن شاء الله ، في مقال آخر إلقاء نظرة فاحصة على آثاره قصد معرفة مدى ما يمكن أن يفيده منها ذوو الغيرة على التراث المغربي.  

(1) وردت في مقدمة البحث الذي كتبه لوشالوتسه نفسه ما يلي:                                   
" ينبغي لفرنسا أن يكون عملها في الشرق مبنيا قبل كل شيء على قواعد التربية العقلية –(أي التأثير على عقول أبناء الشرق وقلوبهم) – ولا يتم لها أن تزحزح العقيدة الإسلامية من نفوس منتحليها إلا ببث الأفكار التي تتسرب مع اللغات الأوربية..."  قام إذ ذاك بترجمة البحث للغة العربية الكاتب المناضل محب الدين الخطيب ، ونشرت فصوله  بالتتابع في جريدة المؤيد ابتداء من 20 ربيع الثاني (1911م) ثم نشر في كتاب مستقل بالقاهرة سنة (1931م) تحت عنوان : " الغارة على الإسلام" وأعيد طبعه بجدة سنة 1967م.
(2) لما احتجبت مجلة العالم الإسلامي، صدرت بباريس مجلة الدراسات الإسلامية في باريس، والمعهد الفرنسي في دمشق، وكانت تظهر كل ثلاثة أشهر مرة ، وتنشر في العدد الأخير من كل سنة ثبتا بالمصنفات الإسلامية (1927-1954)لجميع المراجع ومختصرا لمحاضرات أساتذة الإستشراق في باريس طوال العام ، على أسلوب منظم شامل يحيط بالنواحي التاريخية والجغرافية في الإسلام إحاطة واسعة.
(3) ورد في الجزء الأول (ص233) من كتاب الدكتور نجيب العقيقي " المستشرقون " أن ميشو واجتماعه وعلومه ، وناشر الكتب والأبحاث المفيدة عنه، وقد قام زمانا مديرا للبعثة العلمية الفرنسية بطنجة وأسلم وتزوج من مغربية وعاش عيش أهلها عبادة وزيا ولهجة"

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here