islamaumaroc

الدوافع التاريخية لحركة القومية العربية

  دعوة الحق

141 العدد

أفضينا في البحث السابق إلى القول بأن حركة القومية العربية لم تكن لا رجعية ولا عنصرية ولا مبنية على التعصب الديني، وبأنها وليدة دوافع تحررية قبل كل شيء ، لا تهدف سوى لنيل الإنسان العربي حقه الكامل في التمتع بحياة الكرامة وفي إبراز شخصيته التي لها ماضيها وفضلها فكريا وحضاريا. فهي ليست بالرجعية لأنها تسير في المجرى التاريخي وتكون ظاهرة عادية تأخذ بها كل الشعوب التي تسعى لأن تتبوأ مكانها بين الأمم الحرة المستقلة. فهي على العكس من ذلك حركة تقدمية. وقد تنصرف بعض الأذهان إلى الرد على هذا الزعم إذا مات تم الأخذ بالرأي السائد الآن في البلاد الغربية، من أن عهد القوميات قد انتهى وأن الوقت وقت تكتلات واتحادات، وأن المستقبل بين يدي الجماعات الدولية الكبرى التي تؤسس اتحادها على التعاون والتكامل الاقتصادي ، ولو أدى الحال إلى تداخلها وتنازلها عن بعض مظاهر السيادة الوطنية لفائدة الهيئة العليا التي تشرف على تنسيق أنشطتها وعلاقاتها من أجل تحقيق البرنامج الاقتصادي المشترك بينهما. لكن إذا كانت بعض الدول في العصر الحاضر،وبالأخص دول أوربا الغربية أخذت تتخطى القوميات لتشترك في تكتلات اقتصادية واتحادات سياسية وعسكرية كالوحدة الأوربية، والحلف الأطلسين والاتحاد الأوربي للفحم والفولاذ، والسوق الأوربية المشتركة، فلا يعني ذلك أن هذه الدول لم يسبق لها أن قطعت هي الأخرى مرحلة القومية التي تقطعها الآن الدول العربية. على أن التيار السائد في العالم الآن وحتى في دول أوربا الغربية نفسها، تطغى عليه فكرة "الأولوية الوطنية " والصبغة القومية للقضايا والمشاكل. ويكفي أن نلقي نظرة على الصحف البريطانية بجميع اتجاهاتها ونحن الآن نعيش المحادثات الجارية بشأن انضمام انجلترا إلى السوق الأوربية المشتركة ، لنتكهن الصعوبات التي ستواجهها الحكومة البريطانية لإقناع الرأي العام البريطاني الممثل في نوا به في مجلس العموم من أجل الموافقة على هذا الانضمام.                       
وليس معنى هذا أنه يجب على كل دولة عربية أن تنكمش على نفسها وترفض كل تكتل أو اتحاد مع غيرها من الدول العربية لغاية اقتصادية أو سياسية أو عسكرية، أو أن دول العالم العربي يتحتم عليها بعد قطع مرحلة القومية واكتمال تحررها السياسي والاجتماعي والاقتصادي واكتفائها الذاتي ، أن تعيش في عزلة عن باقي دول العالم وترفض التعاون والمشاركة في بناء وتحقيق المشاريع الكبرى الإنسانية.   
                                                                  
فيبقى إذن من حق الدول العربية أن تمر كغيرها بمرحلة القومية التي هي حركة عادية وظاهرة طبيعية وخطوة تقدمية بالنسبة لتطورها التاريخي كي تحتل المكانة اللائقة بها في حظيرة الأمم الحرة.                                                                                         
وتحقيقا لهذه الغاية فإن القومية العربية المتمثلة في دول الجامعة العربية لم تقتصر على ما أنشأته فيما بينها من اتحادات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية كاتحادات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية كاتحاد الجمهوريات العربية ومشروع المغرب العربي الكبير واتحاد الدول المنتجة للنفط ، بل هي تسعى لتبرهن عن وجودها ككتلة لها اتجاهاتها الخاصة ضمن هيئة الأمم المتحدة كما أنها تكون الأغلبية أو تمثل حجرة الزاوية في عدة منظمات أو كتل أخرى كدول عدم الانحياز ومنظمة الوحدة الإفريقية،ورابطة العالم الإسلامي.    
                                                  
والقومية العربية ليست كذلك بحركة عنصرية لأنها لا تستند على كراهية للغير أو على حملة دعائية للجنس أو ميز في اللون والدين، فالعالم العربي المتمخض عن تطور طويل نحتته الأجيال وصنعته العصور ،أصبح اليوم واقعا خالصا وراسخا يلتقي فيه على صعيد واحد العرب الأصليون والعرب المستعربون، والمسلمون وغير المسلمون ، والأسيويون والإفريقيون والبيض والسود،ولم يبق للعصبية القبلية وللنعرة الجنسية فيه مكان.والدليل على ذلك الفشل الذي منيت به بعض الحركات العنصرية أو الجهوية التي قامت في بعض نقط العالم العربي بإيعاز طائفة من الطموحين المحليين أو من فلاسفة الاستعمار. وفي هذا الصدد نشير إلى حركتين كان لهما أثرهما في تعزيز حقيقة القومية العربية وفي  لمس الواقع العربي.فأولاهما في مصر حيث قامت نزعة " الفرعونية " واشتعلت نارها ولكنها لم تكن  سوى نار من هشيم سرعان ما انطفأت وباء بالخيبة موقدوها، والثانية هي " النزعة البربرية" التي خلقها الاستعمار الفرنسي في الجزائر وفي المغرب وحاول تسخيرها لبث داء التفرقة بين أفراد شعبين لم تكن لمسألة الوحدة أو القومية عندهما ما يدعو إلى إثارة أو معالجة أي مشكل جنسي. فالظهير البربري الذي استصدرته سلطات الحماية في المغرب سنة 1930 كان ـ كما هو معلوم ـ مثار احتجاج عنيف من لدن الشعب المغربي قاطبة والأمة العربية جمعاء. وقامت حوله حركة وطنية وسياسية ببلادنا لم تفتر منذ ذلك الحادث الخطير عن التشهير بنوايا المستعمر الفرنسي والمطالبة بالاستقلال والجلاء.                    
فإن أوضح معيار ليقظة الشعوب والمم وبلوغها مرحلة الوعي والنضج القومي هو حلول اللحظة التاريخية التي يتم فيها تخطي الجدلية العشائرية وتجاوز الفوارق السلالية والخصائص الإقليمية ويحصل إدراك مفهوم النفع العام والمصلحة الوطنية،والذين يسيرون في المجرى المعاكس لحركة القومية العربية لم  يفتروا من ترديد أسطورة الفوارق العنصرية وتحريك اختلاف الطوائف الجنسية والنزعات المذهبية داخل أقطار الرقعة العربية ليعارضوا بعضها بالآخر، مستغلين ما يمكن أن يستغل من فروق مصطنعة ما بين عرب وبربر ودروز وأكراد ومسلمين ومسيحيين وأقباط وغير ذلك.       
                                                                       
فلم يكن المسعى الأول لحركة القومية ، وهي تسير نحو تحقيق أهدافها التاريخية، إلا اجتياز معوقات  العقلية الإقليمية، والانتقال من شكل المجتمع التقليدي الركودي إلى الجدلية التقدمية والتحرك التاريخي ، لأن القومية العربية – كسائر القوميات – ترمي في مقدمة ما ترمي إليه تحقيق البنية العصرية للمجتمع العربي لمواجهة تحديات العالم الغربي من حوله.                
إذا لم يكن لحركة القومية العربية التي يرميها فلاسفة الاستعمار والصهيونية بالعنصرية أي هدف عدائي أو توسعي، لأن مفهوم القومية عند العرب لا يتعدى في وسائله تحقيق البنية الحضارية للمجتمع، وفي أهدافه خلق الطاقات القادرة على رفض الغزو بجميع أشكاله والتشبث بالذاتية وتركيز الشخصية،وهذا المفهوم لم يدرك – كما هو الشأن بالنسبة لدول الغرب- مجال الدخول في خصومات الجوار والأطماع التوسعية التي أدت إلى نشوب الحرب العظمى واقتسام الدول الضعيفة من لدن قوى الاستعمار ،وأدت إلى الحرب العالمية الثانية وصعود الامبريالية على مسرح العالم بأشكال " الاعتداء " الجديدة، وأدت كذلك إلى زرع قاعدة إسرائيل لسلب أراضي فلسطين العربية .                                                                              
ومن هنا كان ما يدعى "بالمظاهر الإيجابية " (1) للقومية الأوربية ، من ف عل  أمم ودول استرجعت استقلالها وسيادتها منذ عهد بعيد وأصبحت تحارب من أجل الحصول على موارد جديدة واستغلال ثروات.                                                                        
بعيدة عنها سواء في أوربا أو خارجها.فلم يكن هدف الدول العظمى التي شنت – باسم القومية الايجابية- حروبا متعددة في أوربا خلال الأربعة قرون الماضية،  هو تركيز ذاتيتها أو ضمان وجودها القومي ، بل كان هدفها هو الاستيلاء على دول أخرى في أوربا أو في القارات المجاورة لها من أجل توسع أبناء جنسها وبث ثقافتها واستغلال شتى الموارد والخيرات لحسابها الخاص.         
                                                                             
فهل هذا هو مفهوم القومية عند العرب ؟                                                      
لا. بل على العكس من ذلك ،لأن المعركة التي يخوضها العالم العربي ضد دول الاحتلال بجميع أصنافه لا تستهدف  إلا استرجاع السيادة القومية وإجلاء القوات الأجنبية عن التراب الوطني وقلع جذور القواعد التي زرعها المستعمر ،وبعبارة استرداد حق تقرير المصير في جميع الميادين الوطنية ،وتلك هي الوسيلة لإثبات الذاتية وتركيز الشخصية من أجل تحقيق بناء نهضة حضارية تستمد أركانها من الصول الثقافية والتاريخية الصحيحة بالنسبة لها وتتجه في تخطيطها حسب الإرادة القومية.                                                              
وهنا ندرك السباب التي تحمل الدول المنهمكة فغي معركة التحرير على البحث لنفسها عن شتى الدعائم لتعزيز موقفها ،فتجدها في الدول الغير استعمارية وفي المنظمات الدولية وكذا في أحزاب سياسية ومؤسسات وهيئات ومذاهب فكرية يتخطى إشعاعها حدود بلادها.             
ولذلك فإن ما يعتبره دعاة الامبريالية موقفا سلبيا بالنسبة للقومية العربية: متجليا في " رفض التعاون مع الغير " ويعدونه انكماشا على النفس وكراهية إنما يرمي في معلوم القومية العربية إلى رفض التعامل مع "الغير" الذي هو متجرد لايطمع في استيلاء أو استغلال، ومن ثم فإن ما يفسره الطرف المتسلط بالسلبية والكراهية لم يكن في الحقيقة بالنسبة للقومية العربية سوى إرادة هادفة للتبرم من منافيخ الاستعمار ولتوجيه النظر نحو نافذة أخرى يطل منها على العالم الخارجي لكسب دعائم الحرية وأنصار التعاون المثمر النزيه.                                 
فلم يكن هناك إذن ما يدعو إلى رمي القومية العربية بتعصب أعمى أو انكماش على النفس، وإنما هناك تصرف في اختيار الأصدقاء وإرادة الاسترجاع الذاتية وإثبات صحة الوجودية وتدعيم الشخصية، وبالتالي لم يكن هناك بالنسبة للكفاح الذي تخوضه القومية العربية من أجل البحث عن نفسها، أي قصد عدائي أو عنصري ولا أي هدف توسعي بل على العكس من كل ذلك ، فإن معركة العالم العربي تتجه صوب محور من الايجابية البناءة لخلق قيم ومؤسسات تقدمية ،بينما الهالة التي تحيط بها الدول الامبريالية مفهوم القومية " الايجابية" سواء  في أوربا أو خارجها ، ترمي في أهدافها ووسائلها إلى الاعتداء السياسي والغزو الثقافي والاكتساح الاقتصادي وتتجه بالتالي إلى توسع جنس معين على حساب جنس غيره، وتلك هي العنصرية.  


 (1) أنور عبد المالك " الفكر السياسي العربي المعاصر "

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here