islamaumaroc

شبهات في وجه الثقافة العربية: أخطاء جرجي زيدان

  دعوة الحق

141 العدد

تجدد الحديث في الفترة الأخيرة عن جرجي زيدان بمناسبة صدور كتاب جديد عنه وكان كاتب هذه السطور قد كلف بإعداد كتاب عنه في الستينات وصدر هذا الكتاب خلوا في فصل هام عن النقود والمآخذ على كتاب جرجي زيدان ول ذلك كان من الضرورة معاودة النطر في أمور كثيرة تتعلق بهذا الباحث ذي الشهرة العريضة في العالم العربي،والذي أصدر الهلال أكثر من عشرين عاما، فضلا عن مؤلفاته العديدة عن التمدن الإسلامي والأدب العربي وتاريخ العرب وذلك كله بالإضافة إلى رواياته عن تاريخ الإسلام. وقد تصدى بعض الباحثين في تاريخ جرجي زيدان إلى عدة مواقف هامة وخطيرة في حيا ة وإنتاج هذا الكتاب ما زالت تحتاج إلى التوقف عندها ومراجعتها وخاصة موقفه من أحمد عربي ومصطفى كامل ومقاومة السودانيين للاستعمار البريطاني.        
ولعل إلقاء نظرة سريعة إلى مطالع حياة جرجي زيدان تكفي لتحديد اتجاه الريح في حياة هذا الكاتب ذي الشهرة العريضة. فقد اشتغل في قلم المخابرات البريطانية في مصر ثم سافر مع الحملة النيلية الإنجليزية إلى السودان عام1884، ويبدو أنه قد حدد موقفه في هذه الفترة فلم يلب ت أن عاد إلى بيروت فدرس اللغتين العبرانية والسريانية، ثم رحل إلى لندن فأقام فيها فترة ، فلما عاد إلى مصر بدأ عمله بإصدار الهلال وكتابة مؤلف هام عن تاريخ الماسونية، وهو كتاب يؤازر بالطبع هذا الاتجاه، فقد كان هو من المشاركين في هذه المنظمة الخطيرة، وكذلك كان الدكتور يعقوب صروف والدكتور فارس نمر و مكاريوس وسبيم سركيس والدكتور شبلي شميل وغيرهم من الطوالع الأولى لمعاهد الإرساليات ثم كانت له (أي زيدا ن) مواقف مع الاتحاديين العثمانيين  يفصلها السيد رشيد رضا في ترجمته لجرجي  زيدان حيث يقول عنه (1): " ثم انه قد ظهر منه بعد الانقلاب العثماني  نزعة جديدة تقدمتها نزعة عدت إحياء لمذهب الشعوبية،ذلك بأنه زار الاستانة ولقي فيها بعض زعماء جمعية الاتحاد والترقي ثم عاد متشبعا بالنهضة التركية مستنكرا مجاراة العرب لإخوانهم  الترك بالقيام بنهضة عربية مستصوبا خطة الاتحاديين الأولى في تتريك العناصر وادغام العرب في الترك وقد كتب في الهلال ما يشعر بهذه النزعة فهاج ما كتبه جماعات فتيان العرب في الاستانة  وسوريا ، وكانوا يحملون ع ليه في الصحف.     
أما النزعة التي سبقت هذه النزعة فهي مطاعن له في العرب أودعها في تاريخ ( التمدن الإسلامي)
فطن لها أخيرا من لم يكن يحفل بها وزادهم التفاتا إليها ترجمة جريدة (أقدام) التركية لتاريخ التمدن الإسلامي ونشره فيها بالتتابع، فتشاور كثير من الشبان المتعلمين في الرد على هذا التاريخ ولم  يظهر منهم شيء."    
ثم أشار إلى نقد العلامة شبلي النعماني لهذا الكتاب وقال: علمنا من المنتقد عند لقائه في الهند أنه كان يرى بعض الغلط في تاريخ التمدن الإسلامي وغيره من مؤلفات صاحبه فيحمله على الخطأ وسوء الفهم،ولكنه لما قرأ مجموع طعنه على العرب جزم بأنه صادر عن سوء قصد ،فهذا سبب شدة حملته عليه على ما كان مودة له". وقال النعماني أن سبب ما انتقد وما ينتقد من الغلط على كتبه (أي كتب جرجي زيدان) بحق،هو أنه كان يقدم على الكتابة في مباحث لم يسبق له دراستها متعمدا على مراجعتها من مظانها عند الحاجة إليها، ومن كان يكتب المقالة في  يوم أو أيام أو ساعة أو ساعات لأجل أن تنشر في مجلة شهرية ويؤلف الكتاب  في عدة أشهر لأنه وعد بنشره في وقت معين من السنة ، فلما يستطيع أن يجمع بين المواد،وتنسيقها وترتيبها".
وقد أشار العلامة النعماني في بحثه المطول عن كتاب التمدن الإسلامي إلى ( أن الغاية التي توخاها المؤلف ليس إل ت حقير الأمة العربية وإبداء مساوئها ولكنه لما خاف ثورة الفتنة غير مجرى القول ولبس الباطل بالحق  وبيان ذلك أنه جعل لعصر الإسلام ثلاثة أدوار،فمدح الدور الأول، ولما غر الناس بمدحه الخلفاء الراشدين ، وبمدحه لبني العباس، وهم أبناء عم النبي، ورأى أن بني أمية ليست لهم وجهة دينية فلا ناصر لهم، تفرغ لهم وحمل عليهم حملة شنعاء فما ترك سيئة إلا وعزاها إليهم وما خفي حسنة إلا وابتزها منهم". ويقول وهو يعرف حق المعرفة أنه لو انتقد الخلفاء الراشدين ونال منهم صريحا كسد سوقه، فدبر لذلك حيلا لا يكاد يفطن إليها اللبيب، فعمد إلى رؤوس المثالب ونسبها إليهم بأنواع الاحتيال، فتارة بتبديدها في ثنيات الكلام وإبعادها عن موضع العناية،وتارة بإيرادها عرضا موهما عدم الاعتناء بها وتارة يذكرها محتالا لا عذرا،وإذا دققت النظر في كلامه وتصفحت ما فيه وجمعت ما هو مبدد ونظمت ما هو مفرق، تكاد تستيقن أن الخلفاء كانوا أشد أعداء العلم وأنهم أبادوا الكتب والخزانات واضطهدوا أهل الذمة وجعلهم أذلاء لا يؤذن لهم ولا يؤبه بهم).
وأشار العلامة شبلي نعماني إلى أن مرجع ذلك أن جرجي زيدان (يزن التاريخ الإسلامي بميزان غيرنا، ولا يعرف أن هذا الفن  ( أي كتابة التاريخ) له أصوله وقواعده، ما لم تكن الرواية مطابقة ل هذه الأصول اليقينية فلا يتلفت إليه أصلا). ويقول: وللمؤلف في أنفاق باطله أطوار شتى منها تعمد الكذب وتعميمه بواقعة جزئية والخيانة في النقل وتحريف الكلم عن مواضعه ومنها الاستشهاد بمصادر غير موثوقة مثل كتب المحاضرات والفكاهات.
ومما أخذ عليه وقوفه في صف خصوم العرب القائلين بأنهم حرقوا مكتبة الإسكندرية فقد أشار إلى ذلك أكثر من إشارة ثم عقد بابا لإثبات أن خزانة الإسكندرية حرقت بأمر عمر بن الخطاب وقد أطنب في ذلك واستدل عليه بستة دلائل ( التمدن/ج3 ص 40) وأشار النعماني إلى أن المؤلف اعتمد على روايات ثبت كذبها ،وقال أن أقدم من لروى هذه الرواية هو(البغدادي) ذكرها من غير إسناد ومن غير إحالة على مصدر. وقال أن أول شيء يهمنا هو: هل ذكر القفطي والبغدادي هذه الرواية مسندة، وذكرا مصدر الرواية وأسلم رواتها، أم لا. وأنت تعلم أن البغدادي والقفطي من رجال القرن السادس والسابع فأي عبرة برواية تتعلق بالقرن الأول تذكر من غير سند ولا إحالة على كتاب.
أما كتب القدماء الموثوق بها، فليس لهذه الرواية أثر ولا عين، وهذا تاريخ الطبري واليعقوبي والمعارف لابن قتيبة، والاخبار الطوال للدينور،وفتوح البلدان للبلاذري، والتاريخ الصغير للبخاري وثقاة ا بن حيان،والطبقات لابن سعد، قد تصفحناها وكررنا النظر فيها ومع أن فتح الإسكندرية مذكور فيها بقضها وقضيضها فليس لحريق الخزانة فيها ذكر.(1)
وقال شبلي النعماني: واعلم أن مسألة احراق خزانة الإسكندرية موضوع مهم عند أهل أوربا وقد
أطال البحث فيه نفيا وإثباتا، وأعني بهذا البحث جملة وتفصيلا: المعلم وايت المعلم دساسي الفرنسي في ترجمة كتابه( الإفادة والاعتبار) واشنكن ادونك، ودريبر الأمريكاني صاحب كتاب الجدل بين العلم والدين، وكرجين وسديو في تاريخ الإسلام، والمعلم رينان الفيلسوف الفرنسي في خطبته عن الإسلام والعلم.
وقد طالعت كل هذه الأبحاث والمقالات، والحاصل أن محققي أهل أوربا قضوا بأن الواقعة غير ثابتة أصلا، منهم جيبسون المؤرخ الإنجليزي، ودريبر الأمريكاني، وسديو الفرنسي وعمدتهم في انكار ذلك أمرين : " الأول": أن الواقعة ليس لها عين ولا أثر في كتب التاريخ كالطبري وابن الأثير والبلاذري وغيرها وأول من ذكرها عبد اللطيف البغدادي والقفطي وهما من رجال القرن السادس والسابع ولم يذكرا مصدرا للرواية ولا سندا. و " الثاني" أن الخزانة كانت قد ضاعت قبل الإسلام أثبتوا ذلك بدلائل لا يمكن انكارها.
هذا هو موقف العلامة شبلي النعماني، أما العلامة رفيق العظم فقد أشار إلى مخاطر كتابات جرجي زيدان على هذا النحو: ( أولا) أخذ بعض الأحاديث الضعيفة معتمدا على ما يفكر المؤرخون وقلما يعتمد على ما ينقلون من الحديث بغير سند صحيح لتفشي الموضوعات في كتبهم لندرة من اشتغل منهم برواية الحديث.
(ثانيا) الإجمال في بعض المواضع التي تقتضي البسط وأهمها عند الكلام على العلوم التي اشتغل بها العرب في إبان مدنيتهم.
(ثالثا) الإكثار من مثالب الأمويين ودولتهم العربية حيث يرى القارئ أن القسم المخصص لبني لأمية عار من مآثر القوم إلا فيما لا يشكرون عليه كأنما هو خاص بمثالبهم فقط.
(رابعا) أن آرائك في بقني أمية مهدت للظن بأنك منحاز لغير العرب، لهذا أطربت الدولة العباسية لأنها أعجمية أكثر منها عربية وذهبت إلى أن الفضل في رقيها العلمي والمدني راجع إلى غير العرب.
أما فيما يتصل بالروايات التاريخية فإن هناك أكثر من نقد وجه إليها حيث مجال التخيل والإضافة والحذف سهل يسير. فقد جرى خلط الوقائع التاريخية بالخيال، وهناك شبهات تتصل بفرض مثل هذه الغراميات التي يرسم من خلالها القصة، على الخلافات السياسية التي قامت بين بعض رجال التاريخ الإسلامي مما لم يرد عنه نص صحيح في أي كتاب من كتب التاريخ الموثوق بها، ويقول الدكتور محمود حاق شوكت: أنه حين يختار موضوع رواياته لا يختار فترات القوة والعظمة في التاريخ العربي الإسلامي.  
ولكنه يختار المواقف الحساسة التي تمثل صراعا بين مذهبين سياسيين أو بين كتلتين تتصارعان على النفوذ والسيطرة فهو في الوقت الذي يحدثنا فيه عن ( فتاة غسان) لا تجده يتعرض لفترة ظهور الإسلام في عهد الرسول، ولا لفترة انتشار الإسلام وهو لم يتعرض لفتح مصر الإسلامي في رواية   ( أرمانوسه).
وهو يعبر مراحل التاريخ الإسلامي ليقدم مواقف الصراع :
في أواخر عهد عثمان وأوائل عصر بني أمية: وهي (عذراء قريش) و( غادة كربلاء) و( الحجاج ابن يوسف) وهو لا يختار من العصر العباسي الأول إلا شخصية أبي مسلم الخراساني التي تمثل الصراع بين العربية والفارسية،والعباسية التي تمثل الصراع بين الرشيد والبرامكة، وشخصيتي الأمين والمأمون وهما يمثلان عودة الصراع بين العرب والفرس من جديد، وهذا الاختيار الذي يعمد فيه جرجي زيدان إلى فترات الصراع. ويكشف هذا الاختيار أن جرجي زيدان لا يتجه إلى التاريخ العربي الإسلامي بإحساس قومي يدفعه إلى إبراز أمجاد هذا التاريخ ولغل هذا ما حمل بعض المؤرخين الغربيين، من حيث انصاف الشعوب الأعجمية، ووضع هالات مثالية حول الأديرة والرهبة وتصوير
الخلفاء تصوير الوصوليين الذين يضحون في سبيل الملك بأقرب الناس إليهم.
وهو لا يذكر حسنة واحدة للسلطان عبد الحميد وإنما يجعله قلقا متوجسا وحشيا في تصرفاته حتى أنه حاك له أسطورة تقرب بينه وبين فرعون. أما العلامة أحمد الإسكندري فقد انتقد عمل جرجي زيدان في كتابه( تاريخ آداب اللغة العربية ) فقال:
المؤ لف كثير النقل بين مستعربي الإفرنج من غير تمحيص لدعواهم، فيه كثير من صور فلاسفة اليونان ونقلة السريان وصور خيالية لخرافات أهل القرون الوسطى من الإفرنج وأهم الأمور التي تؤخذ على الكتاب:
1) الخطأ في الحكم الفني أي انه يقرر غير الحقيقة العلمية سواء كان ذالك بقصد من المؤلف أم ب غير قصد.
2) الخطأ  في الاستنتاج وهو ما يعذر فيه المؤلف لأنه اجتهاد من عند نفسه فإن أصاب فله الشكر وإن أخطأ فمن الذي ما ساء قط.
3) الدعوى بلا دليل وهو ما يقرره المؤلف من غير التدليل عليه، وقد يكون في ذاته صحيحا ولكنه في سوقه ساذجا مجالا للشك.
4) الخطأ في النقل في عبارات المؤلفين بقصد اختصارها أو من سرعة الجمع وقلة مراجعة الأصول.
5) قلة تحري الحقيقة بمراجعة الكتب المعتبرة والتواريخ الصادقة، ووزن كل عبارة بميزان العقل والإنصاف وقياس الأمور بأشباهها بل كثيرا ما تروج عند المؤلف أقوال الخصوم من خصومهم،وأقوال الكتب الموضوعة لاخبار المجان أو لذكر عجائب الأمور وغرائبها.
6) الاستدلال بجزئية واحدة على الأمر الكلي وهو كثير الحصول في كتب المؤلف.
7) تقليد المستشرقين في مزاعمهم أو نقلها من غير تمحيص.
8) اضطراب المباحث وصعوبة استخراج فائدة منها لاختلال عبارتها أو ل عدم صفاء الموضوع للمؤلف.
وقد أشار بعض الباحثين إلى أن أسلوب العلامة أحمد الإسكندري لجرجي زيدان كان يحمل طابع الاستيلاء وينقص هذا الرأي هذه العبارات الهادئة المتصفة فضلا عن أن الاسكندري كان واحدا من أساطين الأدب في ذلك العصر، بالنسبة لجرجي زيدان الذي لم يكن عاملا متخصصا ولا خريجا لأي معهد علمي كزملائه الدكاترة : صروف وفارس نمر وشبلي شميل، وإنما كان رجلا يعمل عاملا أحد المطاعم في بيروت ثم تطلع إلى الأدب والصحافة فليس هو أساسا من المراجع العلمية في هذه الفنون التي طرقها ولا متخصصا فيها ولكنه كان مشتغلا بالصحافة والتأليف على النحو الذي يرضي القارئ المتوسط وأنه كان يتكئ في كل ما يكتبه على مؤ لفات المستشرقين وكان على هواهم وربما كانت صلته بالمخابرات البريطانية في أول شبابه لها أثرها البعيد المدى في تاريخه وكتاباته حتى وصفه البعض بأنه من طلائع دعاة التغريب في أوائل هذا القرن. ولكن ذلك كله لا ينفي أن جرجي زيدان قدم كثيرا من المعارف النافعة مع خليط من الحق والباطل، وكل ما يقال في ظل كل ما قدمناه مما وجه إلى مؤلفاته،هو أن تؤخذ آراؤه بشيء كثير من الحذر والتحفظ.             

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here