islamaumaroc

أظرف الأدباء

  دعوة الحق

141 العدد

سريع المبادرة حاضر البديهة، لو شاء أن يجعل حديثه كله فكرا مرتجلة وحكما عفوية لاستطلاع، ذلك هو أبو العيناء، محمد بن القاسم بن خلاد بن ياسر الأديب الفصيح،الذي عده أصحاب الأدب بحق من ظرفاء العالم. لم يسكت على سؤال ولم يحرج في جواب، لا يكاد الكلام يبلغ سمعه حتى ينبثق الجواب عنه كالسهم سرعة وإصابة وإحكاما،حتى خافه الناس وهابه الخلفاء وحسب أهل زمنه له حسابا لم يحسبوه لجرير أو دعبل أو غير هذين من الهجائيين المخيفين.           
أصيب بالعمى وهو في الربعين من عمره، فازداد نباهة وبديهة وقويت ذاكرته وحافظته،حتى وصفه الشاعر أبو علي البصير وهو ضرير مثله فقال فيه:  
قد كنت خفت يد الزمان         عليك إذ ذهب البصر
لم أدر انك بالعمى               تغني ويفتقر البشر
ولد هذا الأديب العجيب في الاهواز وعاش في اليمامة فهو كما يبدو من أصل فارسي لأنه كان هاشميا بالولاء وكانت ولادته في العقد الأخير من القرن الثاني للهجرة ووفاته في نهاية القرن الثالث فعاصر المتوكل ، وكان صديقا له  كما كان محل إعجابه حتى قال فيه الخليفة : لولا أنه ضرير لنادمته وسمع أبو العينا فتألم وخرج الجواب على شفتيه مسكنا محكما في آن قال : إذا أعفاني الخليفة من قراءة الفصوص ورؤية الأهلة، فاني أصلح للمنادمة. كان شاعرا، ولكن شعره أقل أدواته، فلم يكن موهوبا في هذا الباب وغن أخذ بالنظم كان سلوة الناس جميعا أما الشعر فهو ابن الموهبة والقريحة الملهمة، وشعر الناظمين مثل أبي العيناء أقرب إلى النثر لخلوه من مقومات الشعر،وقد وصف أبو العيناء أياما قضاها في دير باشهرا على شاطئ دجلة، كما يروي صاحب الديارات، فلم يوفق إلى ذلك كما كان يوفق في هذه الأوصاف أبو نواس أو مطيع أو ابن الضحاك لان البون شاسع بين الش عر وغير الشعر.       
إن الثروة الأدبية التي أبقاها لنا أبو العيناء تكمن في هذه الأخبار الطريفة ،والحكايات الخفيفة التي تريح النفس وتبعث البسمة على الشفاه،وهي على كل حال، لون من ألوان الفن وقد خلد هذه الحكايات الصاحب ابن عباد الكاتب الكبير في كتاب له، ولكن الزمن ذهب بهذا الأثر النفيس فضاع سجل تاريخ هذا الأدب الظريف.                      
طلب يوما من الوزير صاعد بن مخلد أن يكتب له كتابا إلى مصر، فأخذ الوزير يستفهم:إلى مصر؟   
فقال أبو العيناء: وما استبعادك مصر،والله، لما في صناديقك أبعد على مما في مصر أشارة إلى بخل هذا الوزير وشحه.                                      
ومر بدار رجل يكرهه هو عبد الله بن منصور، وكان هذا مريضا، فسأل أبو العيناء غلام الرجل. أي شيء خبر عبد الله ؟ فقال الغلام :كما تحب فقال : فما لي لا أسمع الصراخ والعويل في الدار؟      
وكان معاصرا للجاحظ وصديقا له، وكان الجاحظ يثيره ليسمع منه جوابه الظريف وقوله اللطيف، وقد قيل له يوما: أن الجاحظ أفضل منك فقال: أن أبا العيناء يدل على كنية والجاحظ يدل على عاهة والكنية وان سمجت أصلح من العاهة وإن ملحت. وانظر بعد ما مر بك إلى هذه الأجوبة التي تدل على الذكاء، كما تدل على تمكن في اللغة ونباهة في فهم الأمور، عمر المتوكل دارا جديدة فسأل أبا العيناء عن رأيه فيها فقال : رأيت الناس بنوا دورهم في الدنيا وأنت جعلت الدنيا في دارك.         
وانظر أيضا إلى هذا الاعتذار العجيب الذي يدل على الفضل الراجح والحكة البالغة ، فقد أراده المتوكل على أن يكون جليسا له فقال يعتذر : يا سيدي، لا أطيق ذاك ولا أقوى عليه وما أقول هذا جهلا بما لي في هذا المجلس من الشرف، ولكني رجل محجوب –أي ضرير- والمحجوب تختلف إشارته، ويخفى عليه إيماؤه ، ويجوز علي أن أتكلم بكلام غضبان ووجهك راض، وبكلام راض ووجهك غض بان ومتى لم أميز بين هذين، هلكت. أليس هذا الكلام يدل على العقل، ويدل على نفس تقطر حسا ورفاهة على أن أصحاب النكتة في الأغلب لا  يفطنون إلى تدوين ما يخطر على بالهم،ولو كانوا من العلماء أو الأدباء والموهوبين فإن انصرافهم إلى النكتة، يصرفهم بطبيعة موهبتهم، عن الكتابة والتأليف والإملاء لذلك فإن أكثرهم لا يخلف أثرا، ولا يترك كتابا أو ديوانا كما حدث لصاحبنا أبي العيناء، ولولا اهتمام أصحاب التاريخ بهذه الشخصية الناذرة لذهبت هذه الشخصية وعفا أثرها مع الزمان، ولكن هؤلاء قد حفظوا عددا ليس بالقليل من حكايات وآثار هذا الأديب الأمر الذي أمكننا من معرفته والاستماع إليه بظرفه وأدبه.                    
وفي التاريخ الأدبي أدباء كبار لم يخلفوا تراثا مكتوبا وهم رغم ذلك، قد عاشوا وما زالوا ي يعيشون في خواطر الأدباء وأذهان الكتاب من الأجيال التي جاءت على أثرهم، لأن الفن يحفظه الناس لحاجتهم إليه، ويذكره الأدباء لما فيه من ندرة وعبقرية ولو لم يسجل أو يكتب كما قال شوقي :               
انم تسل أين قبور العظما       فعلى الأفواه أو في النفس
هذا هو الأديب الضرير أبو العيناء ، الذي عرف الخلفاء فلمن يخش منهم أحدا والذي كان جوابه أبلغ من الشعر وأسمى من كثير من الأدب. لقد كان صديقا لعظماء عصره لأنه كان عظيما في ذكائه وأدبه.                                                                                              

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here