islamaumaroc

حول الأرقام العربية

  دعوة الحق

141 العدد

رددت وكالات الأنباء أصداء الندوة التلفزيونية التي استضيف لها السيد عبد الهادي التازي سفير المملكة المغربية ببغداد مساء السبت 28 غشت 1971 حول الأرقام العربية في أعقاب مناقشات أكاديمية بين رجال الفكر في بغداد، وقد علقت الصحف على الموضوع داعية إلى توحيد الأرقام على أساس اختيار الأرقام المستعملة في بلاد المغرب ويطيب لنا أن ننشر ملخصا للندوة التي كان يديرها الأستاذ سالم الآلوسي مدير الثقافة العام بوزارة الإعلام...

هذه الندوة سيداتي وسادتي نعقدها الآن لاستكمال بحثنا الذي بدأناه قبل أسبوعين، ويسرنا بهذه المناسبة، بالنظر لأهمية الموضوع أن نستضيف عالما فاضلا هو المؤرخ الأديب الأستاذ عبد الهادي التازي سفير المملكة المغربية ببغداد، وهو من المؤرخين البارزين، ومن الذين كتبوا في هذا الموضوع، ومن المتخصصين فيه.                           
والسؤال الذي ينصرف الذهن إليه، هو لماذا اقتصر المشرق على استعمال الأرقام الهندية التي نستعملها الآن بينما استقرت الأرقام الغبارية في بلاد المغرب العربي وفي بلاد الأندلس؟ فالذي نرجوه من سيادة الأستاذ التازي سفير المغرب ببغداد أن ينور الجمهور حول هذه النقطة؟  
أولا - أتقدم بالشكر الجزيل للجهات المسؤولة التي أولت وتولي عنايتها لهذا الموضوع الذي يعتبر في الواقع من أهم مواضيع الساعة... وإني إذ أتقدم بالشكر على هذا الاهتمام يسعدني أن أتحدث حول السؤال الذي تفضل الدكتور الآلوسي، بإلقائه علي:               
لماذا توجد هذه الأرقام الهندية في المشرق ولا توجد في المغرب، ولماذا توجد الأرقام التي نسميها عربية في المغرب ولا توجد في المشرق؟              
والحقيقة أنه سؤال تاريخي صرف، يستدعينا للرجوع إلى تاريخنا القديم، نحن نتفق على نقطة واحدة وهي أن السلسلتين معا: سلسلة الأرقام التي تحمل وصف " الهندية " ظلت هندية لحما وسدى، بينما السلسلة الثانية تصرف فيها العرب تصرفا يستند على العلم وعلى التقنية على نحو ما فسره الدكتور الآلوسي منذ قليل من اتخاذ شكل الزوايا أساسا للعد: زاوية واحدة تساوي واحدا، وزاويتان اثنتان تساويان اثنين..
هنا في المشرق عرفت هذه الجهات رجات عنيفة عبر تاريخها، عرفت مظاهر من الاحتلال ومن الاستيلاء لم يعرفها ذلك الجناح الآخر من العالم العربي.    
وأذكر على سبيل المثال ما فعله التتار هنا... وأذكر على سبيل المثال ما حصل بعد التتار من استيلاء بعض الجهات وتنفذها في المنطقة، وأعني العثمانيين..               
إني أعتقد أن للعثمانيين دورا كبيرا في تثبيت هذه الأرقام الهندية، وإني إذ أقول ذلك أعتمد على وثائق صادرة عن "الديوان التركي"، وكانت هذه الوثائق كلها بالأرقام المسماة هندية على نحو ما ترون في الصورة المعروضة أمامكم...                       
عن طريق السلطة، عن طريق الحكم تركزت هذه الأرقام أكثر من غيرها، صحيحا أنها كانت موجودة من ذي قبل، ولكن وجودها لم يفرض إلا بظهور العثمانيين في المنطقة.      
وغير خاف علينا أننا إذا أردنا تثبيت شيء من الأشياء، فلا بد أن يكون عن طريق الحكم، عن طريق السلطة...                                      
نحن نذكر تاريخيا أن عبد الملك بن مروان إنما نجح في التعريب عن طريق تعريب الدواوين، ولولا أنه لم يفعل لما عربت الإدارة العربية، ولظلت الإدارة محكومة ومسيطرا عليها من قبل الفرس، فلما عرب عبد الملك بن مروان الدواوين إذ ذاك سيطرت العربية بصفة خاصة، وعلى قياس ذلك نقول في تركيز الأرقام الهندية أيام العثمانيين.               
هذا في ناحية المشرق، أما في ناحية المغرب نجد الأمر على العكس تماما... لأن المغرب لم يعرف تتارا كما أنه لم يسمح بأن يقتحمه العثمانيون بالرغم مما فعلوا عبر التاريخ.      
فلذلك ظل محتفظا بسائر مقوماته، وفي جملة تلك المقومات هذه الأرقام التي نسميها ويسميها العالم كله عربية ... كثير من الناس يعتقدون سهوا أو خطأ أن هذه الأرقام غزتنا عندما اقتحم الاستعمار بيوتنا.. وأريد أن أثبت بأن هذا خطأ.. فالاستعمار بالرغم مما حمل معه.. لم يحمل معه قضية الأرقام، وإنما عرفت الأرقام منذ القرن الخامس والقرن السادس الهجري في بلاد المغرب، ونحن نعلم عن المؤلف الذي ينسب للرياضي المغربي المعروف ابن الياسمين "تلقيح الأفكار في العمل في الغبار". والغبار عبارة عن الأرقام الغبارية التي هي بالذات الأرقام العربية، صحيح أنه منذ القرن السادس الهجري كانت رسائلنا القديمة تكتب فيها الأرقام بطريقة الكلمة، أعني أن يقال مثلا في الثامن عشر من شهر ربيع الأول عام ثمانية وأربعين وستمائة، هكذا بالكلمات، كما نشاهد في وثيقة توجد الآن أمامنا وهي الوثيقة الثانية، وهي عبارة عن رسالة كتبها العاهل المغربي المرتضى الموحدي في أواسط القرن السابع إلى قداسة البابا إينوصانت الثاني يطلب إليه فيها أن يختار سفراءه إلى المغرب من ذوي السلوك الطيب الذين يعملون على دعم العلاقات.. هذه الرسالة التاريخية التي توجد أمامنا حرر فيها التاريخ بطريق الكلمات.. بعد هذا تأتينا وثيقة أخرى: الوثيقة عبارة عن رسالة كتبها العاهل المغربي يعقوب المريني إلى ملك فرنسا فيليب لوهاردي يعرض عليه مساعدته لتثبيت حكمه في فرنسا على ذلك العهد، وهي أيضا مؤرخة بالكلمات عشرين من شهر رجب عام أحد وثمانين وستمائة..          
لكن بعد هذا التاريخ نجد أن المغرب تطور في كتابة الأرقام، وهكذا فبإزاء كتابة التاريخ بالكلمات أخذ يكتب إلى جانب ذلك التاريخ بالأرقام الغبارية التي تحمل اليوم في سائر أطراف الدنيا اسم الأرقام العربية، وهذا كان منذ بداية القرن التاسع والعاشر والحادي عشر...   
وسنرى الآن وثيقة أخرى من أطرف الوثائق التي يحتفظ بها الأرشيف الوطني في فيينا ... وهي عبارة عن نص لاتفاقية الصلح التي أبرمت بين السلطان سيدي محمد بن عبد الله (محمد الثالث) وبين الإمبراطور يوسف الثاني قيصر رومة.. مختومة بالأرقام الغبارية التي نسميها ويسميها العالم كله عربية.   
وسنرى آخر ورقة هنا مؤرخة عام ثمانية وتسعين ومائة وألف، ومكتوب تحتها بالأرقام الغبارية أو بالأرقام العربية زيادة في التثبيت والضبط...         
فالذي أريد أن أقوله هو أنه بعد هذا العرض الموجز، يمكن أن ندرك لماذا وجدت هذه الأرقام العربية وحدها في المغرب ولم توجد معها الأرقام الهندية، ووجدت الأرقام الهندية وحدها في المشرق، ولم توجد معها الأرقام العربية.
وهناك جانب آخر لا ينبغي أن نهمله كذلك بصفتنا مؤرخين، وهو الجانب السياسي.. فنحن لا نجهل التنافس الذي كان موجودا باستمرار بين بغداد ومراكش، وهذا التنافس كان من مظاهره أن كل جانب من الجانبين كان يحاول أن يحتفظ لنفسه بشخصيته الخاصة ...         
أنا لا أستطيع أن أتعمق في الموضوع، ولكني إزاء ملاحظات كثيرة عبر التاريخ، دائما يقوم في نفسي هذا الهاجس: أتساءل مثلا لماذا في المشرق يفضلون ارتداء الثياب ذات اللون الأسود بينما في المغرب يظل الشعار للدولة هو اللون الأبيض..                  
أتساءل لماذا في المشرق توجد مذاهب متعددة: شافعي، حنبلي، مالكي، بينما في المغرب يوجد مذهب واحد وهو المذهب المالكي..                           
على كل حال أستطيع أن أقول: هناك مظاهر يمكن أن تعكس القول بأن للباعث السياسي أثرا أيضا في هذا الاختيار أو ذاك، ومع ذلك أؤكد بأمانة تاريخية أثر الأتراك في انتشار الرقم الهندي بجل المناطق التي تمكنوا من البقاء بها طويلا.                    .
- شكرا أستاذ ... وهناك أيضا سؤال يتبادر إلى ذهننا نرجوكم إذا أمكن التحدث عنه... هل هناك أرقام غير الأرقام الغبارية في المغرب أو إنما اقتصر الأمر فقط على الغبارية؟
- الحقيقة أنه يوجد في المغرب أشكال من الأرقام، أولا وبالذات الأرقام الأبجدية التي نتحد فيها جميعا، وإن كانت تختلف ترتيبا في بعض الحروف.        
ويوجد نوع من الأرقام يسمى "القلم الفاسي" نسبة إلى مدينة فاس، ويسمى كذلك الأرقام الرومية نسبة إلى الروم، نسبة تساهل العلماء فيها، والأمر الواقع أنها نسبة إلى الإغريق، وهذه الأرقام تستعمل بصفة خاصة في الوثائق، وفي حجج الوقف، وفي الميراث، لماذا؟ لغرضين اثنين:
الغرض الأول: الاختصار، الغرض الثاني للتعمية على القارئين، فالقارئ غير المختص لا يعرف محتويات الوثيقة. وهذه الأرقام التي، كما قلت، تحمل في المغرب اسم القلم الفاسي، أو القلم الرومي، نعرف من التآليف التي عالجتها تأليفا اسمه "إرشاد المتعلم والناسي في صفة أشكال القلم الفاسي"، ويمكن للمشاهدين الكرام أن يلقوا نظرهم على السبورة التي على يميني، فسيرون مثلا الحرف الأول الذي يشبه اللام: وهو يعني رقم واحد، وبعد هذا نرى شبه شرطة أو شخطة يكون معناها رقم اثنين، وبعدها يأتي شكل آخر في شكل لام ألف، وهذا معناه ثلاثة، وبعد يأتي حرف يشبه الراء يأخذ رقم أربعة، ثم ننزل إلى السطر الثاني حيث تجد رقم خمسة، وهو يشبه شكل أربعة في الأرقام العربية أو الأرقام الغبارية إلخ إلخ إلخ ...         
وهذه الأرقام إنما يستعملها المثقفون من أهل فاس في حجج الوقف وما شابه ذلك من الأشياء التي تتقصد إلى التخصص، وهكذا فهناك طريقتان للترقيم في المغرب: الرقم الأساسي المستعمل عند الشعب كله، وهو الأرقام الغبارية، والرقم الذي كان يستعمل عند الخاصة وهو القلم الفاسي أو الرومي، وأعتقد أنه بصدد الاختفاء بل بصدد النهاية، والرقم المسيطر اليوم هو الرقم العربي الذي تستعمله إلى جانب دول المغرب العربي مائة وعشرون دولة أخرى، تستعمله القارات الخمس جميعها .. اسمحوا لي أن أقول لكم إنني كعربي أشعر بالغبطة تغمرني وأنا أرى كل هذه الدول تسميها أرقاما عربية.. إني أشعر بأنني أجد فيها نوعا من "سفارة عربية " لها وجود في كل بيت، وكل مكتب، وكل حضارة.. كل مؤسسات العالم تسميها الأرقام العربية - شيء في الحقيقة يبعث على السرور..                   
- من أول من أطلق عليها اسم الأرقام العربية على النطاق الأوربي أو على نطاق الاستشراق، يعني من الذي نادى لأول مرة بهذه التسمية بالأرقام العربية؟
- إذا رجعنا للموسوعات القديمة، لأقدم الموسوعات التي توجد والتي ألفت منذ بداية القرن الثامن عشر فإننا نجدها تتحدث عن هذه الأرقام العربية (les chiffres arabes ( على أنها عرفت في أوربا منذ القرن العاشر الميلادي..
وبدون شك وصلت إلى العالم الغربي عن طريق شمال إفريقيا، فالذي في علمنا أنها غزت أوربا عن طريق فاس بواسطة سيلفيستر  sylevestre الثاني الذي كان معروفا تحت اسم جيربير.
كذلك انتقلت من بجاية عن طريق العالم الإيطالي فيوتشي، وهو من القرن العاشر الميلادي، وانتقلت من القيروان عن طريق أسقف لا يحضرني الآن اسمه، ويرجع الفضل في التدليل على عروبة هذه الأرقام بصفة أدق إلى المستشرق الروسي كريستوفيتش الذي تجول في العالم العربي وكانت له عدة مؤلفات، فهذا الأستاذ كتب فصلا مفيدا في مجلة الهلال منذ مطلع القرن العشرين عندما تحدث عن أقدم جامعة في العالم...
فالواقع أننا نحس أن هذا الرقم بمثابة الوليد الشارد الضائع .. يجهد نفسه للبحث عنا نحن، نحن أهله، بينما نرنو إليه على أنه غريب عنا ونحاول أن نسلم فيه للآخرين! حقيقة غريب أمر هذه الأرقام، العالم كله يقول إنها أرقامكم ونحن ما نزال نتردد، ما نزال نتشكك، لا أدري هل يصح لي بهذه المناسبة أن نتذكر أننا في كثير من الأحيان -كعرب- نحب ونتوق إلى أن ننسب كل مكرمة إلينا.. نحاول في كثير من الأحيان أن نتحمل، وأن نتكلف، وفي بعض الأحيان نتعسف فنأتي إلى فكرة أو كلمة ونقول إنها عربية الأصل، مثلا "اللوغاريتم": نحاول ما أمكن أن نقول إن الكلمة هي مأخوذة من الخوارزمي حتى نثبت أن اللوغاريتم أثر عربي ومن الحضارة العربية، مثلا كلمة " كرامير" ) grammaire (: نحاول ما أمكن أن نقول إن الكلمة هي مأخوذة من ابن آجروم العالم النحوي المشهور، صاحب الأجرومية، ونقول أن " الكرامير" في اللغة الأجنبية إشارة إلى ابن آجروم الذي كان أستاذا للنحو... ونقول مثلا إن كلمة " كارصون" أصلها ( جر الصحون)، وهكذا إلى آخر هذه النظائر، ثم نحن نجد شيئا واضحا يسمى أرقاما عربية ومع ذلك ما نزال - على خلاف عادتنا - نتردد في تقبل هذه النسبة.
- أعتقد أن السبب هذا من قلة المعلومات المتوفرة لدينا...
- شيء آخر ممكن أيضا، دكتور، هناك أياد خفية لا نعرفها تحاول أن تقصينا عن هذا التراث.
- في الحقيقة هناك باعث للإقبال على كتابة الأرقام الهندية هي أنها تكتب من اليمين إلى اليسار على خلاف الأرقام الغبارية عندكم التي تكتب من اليسار إلى اليمين.
- العفو دكتور، إن الأمر عندنا على نحو ما تفعلون أنتم بالضبط...
- ما رأيكم لو صحت المقارنة بين الكسب الذي نحرز عليه لو توحدت الأرقام العربية مثلا بين المشرق والمغرب؟
-  أنا أقول لسيادتكم: إذا صح أن هناك مقارنة للكسب فإننا سنجد أن اختيارنا للأرقام الغبارية أو الأرقام العربية يحقق لنا كسبا أكثر، كسبا معنويا وكسبا ماديا: الكسب المعنوي أننا أولا احتضنا تراثا لنا منا وإلينا، متوزعا بين شتى جهات المعمور، احتضناه ولم نتركه لغيرنا.. والكسب المادي يتلخص في أن كثيرا من جهودنا المبعثرة المتناثرة ستتوحد، وهكذا فيمكن للمشرقي بسهولة أن يفهم القصد عند المغاربة والعكس كذلك صحيح.
كيف تكون الخطوات الأولى للقيام بمثل هذا التوحيد...؟
- أرى مثلا أن نبدأ بأرقام السيارات، فالسيارة مثلا توجد فيها أرقام مكتوبة مرتين مرة بالسلسلتين: بالسلسلة الهندية، والسلسلة العربية؛ لماذا لا تشطب الأجنبية عنا وهي الهندية؟
وكما نبدأ بالسيارات نبدأ بأرقام البيوت ثم بالكتب المدرسية كتجربة أولى حتى تأخذ الأمور طريقها وحتى يتعلم نشئنا أن هذه الأرقام هي له وإليه... ومن آبائه وجدوده صدرت إلى أوربا إنما هي "بضاعتنا ردت إلينا " على نحو ما يقولون...
وينبغي أن نبدأ بتجربة في مطبعة من المطابع مثلا.. الواقع أن الأمر يحتاج فقط إلى تخطيط وإلى عزيمة، وإلى اقتناع. الواقع أننا نحتاج إلى مناقشات، نحتاج إلى تبادل رأي، ولكن بعد الاقتناع يجب أن نتحرك، فإننا إذا انتظرنا من المطابع أن تغير أرقامها الهندية وتأتي بأرقام عربية فإن هذا سيكلفها، ومن شأن الناشر أو المطبعي أن يتردد!
لقد حضرت في عدة مؤتمرات عربية وعلى نطاق اليونسكو، وأثر هذا الموضوع، وكنت أشعر بأن العقبة الأساسية تأتي في كثير من الأحيان من دور النشر ومن المطابع، لسبب واضح: مسألة تجارية وتجارية صرفة، يجب علينا أن ننظر إلى القضية على أنها قضية عربية بحتة، صحيح أننا سنضيع في أرقام، نضيع في أموال. ولكن كسبنا على الأمد البعيد لا شك أنه سيكون كسبا طيبا لأننا سنلتف جميعا على منطق واحد أذكر أنني منذ نحو من سنة قرأت في جريدة (الأنباء) المغربية أن العلماء والمختصين في كيب كندي، وكانت الظروف ظروف رحلة أبولو الحادية عشرة، أقول: أولئك العلماء صرحوا بأنه لو لم تكن الأرقام العربية، ولو اضطررنا لاستعمال الأرقام الرومانية لما نجحنا في إطلاق أبولو 11.
وقد كنت أشعر بغبطة ما عليها من مزيد لما رأيت أرقامنا شاغلة بال هؤلاء الناس وهم صاعدون إلى القمر ...
- يعني سهلت أبحاث الفضاء، وإلا فإن استعمال الأرقام الرومانية مصيبة..
-  الأستاذ التازي، هناك بالإضافة إلى النواحي المادية نواح حضارية، الآن بعد اختيار بعض الدول العربية واستعمالها للأرقام الهندية ابتكروا أشكالا فنية، وهي استعمال هذه الأرقام في الخطوط، فنشأت طبقة من الفنانين يجودون في أنواع الخطوط، وتشكيل الأرقام واستعمال هذه الأرقام في الزخارف وما شابه ذلك، فليس فقط الناحية المادية، هناك ناحية حضارية ينبغي للإنسان أن يلتفت إليها وهي أن جهود هؤلاء الفنانين والخطاطين والمزخرفين تذهب أدراج الرياح إذا تركنا هذه الأرقام، وعدنا إلى أرقامنا الأولى العربية.
- والله إني- حقيقة - لا أريد أن أكون مبخسا لجهود الفنانين ولا لمعالم الحضارة، ولكني أريد أن يبقى هذا النوع من الفن على نحو ما هو موجود من أنواع الفسيفساء القديمة التي تعد من ملامح التاريخ تحتفظ بمكانتها في المتحف ولكي لا تكون حجر عثرة في طريق التفافنا.
-  سؤال أخير إذا سمحتم سيادة السفير
- تفضلوا
- باعتباركم مؤرخا هل قرأتم بعض الأخبار والمدونات عن محاولات قديمة لتوحيد وسائل المعرفة بين بغداد وبين المغرب.
- أذكر أنه في العصر العباسي كانت تتوارد على بغداد سفارات متوالية من المغرب، وفي مقابلة ذلك كانت تروح من بغداد إلى المغرب رسائل، فالذي حصل في مرة من المرات أن العاهل المغربي علي بن يوسف بن تاشفين لاحظ أن تواريخ الرسائل تختلف ما بين بغداد ومراكش، وكانت بالنسبة إليه مفاجأة، لأنه ما كان يتصور أن بغداد تصوم قبل المغرب أو المغرب يصوم قبل بغداد، ولذلك جمع العلماء من الأندلس والمغرب لدراسة قضية توحيد..
- الأرقام؟
- بل توحيد الشهور وتوحيد الحساب، حتى يصبح جناح المشرق مع جناح المغرب يعيش بتاريخ واحد، وهي ظاهرة من أطرف الظواهر التي يسجلها التاريخ الذي يجمع بين المغرب وبين المشرق.
- شكرا يا سيدي
- ما رأيكم في إثارة هذا الموضوع وتنظيم ندوات مثل هذه الندوات التي أثيرت منذ أسبوعين مثلا؟
- والله، كما قلت إن الموضوع يحتاج من رجال الفكر ومن رجال السياسة كذلك إلى عناية، ففي نظري أنه ينبغي أن تنظم ندوات يستدعي لها الأساتذة ورجال النشر ودور المطابع ويفسح لكل واحد المجال ليقول ما يشاء، هناك جوانب ما تزال خفية عنا، وقد يعرفها إخوان يوجدون هنا وهناك وكثير منها تحسه العامة ولا يحسها المثقف.. يعني أنه يهمني حقا أن أسمع عن هذه الندوات لأنها ليست في صالح المشرق وحده، ولا في صالح المغرب وحده ولكنها في صالح العروبة جميعا بل وفي صالح العالم كله..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here