islamaumaroc

هدية إلى فضيلة الشيخ أحمد عبد الرحيم عبد البر

  دعوة الحق

141 العدد

بمناسبة حديثه الذي ألقاه بالتلفزة يوم عاشر شعبان، فكان من أحادثه القيمة التي نستفيد منها جميعا، وقد بعثني حديثه الأخير، على هذه الهدية، التي عزمت على تقديمها في نفس اليوم، لولا انشغالي بتصحيح «الأوراق التي لم تترك لي متنفسا اليوم، ولله الحمد.
ورد في كتاب «دلائل الاعجاز» لعبد القاهر الجرجاني، ما يلي:
روى عن عنبسة أنه قال: قدم ذو الرمة الكوفة، فوقف ينشد الناس بالكناسة، قصيدته الحاثية التي منها:
هي البرء والأسقام والهم والمنى
      وموت الهوى في القلب مني المبرح
وكان الهوى بالنأى يمحى فيمحي
      وحبك عندي يستجد ويربح
إذا غير النأى المحبين «لم يكد»
      رسيس الهوى من حب مية يبرح
قال: فلما انتهى إلى هذا البيت، ناداه ابن شبرمة: يا غيلان، أراه قد برح، قال: فشنق ناقته، وجعل يتأخر بها ويتفكر، ثم قال:
إذا غير النأى المحبين لم أجد
      رسيس الهوى من حب مية يبرح
قال: فلما انصرفت حدثت أبي، فقال: أخطأ ابن شبرمة، حين أنكر على ذي الرمة، وأخطأ ذو الرمة، حين غير شعره، لقول ابن شبرمة انها هذا كقول الله «ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده لم يكد يراها» وإنما هو لم يرها ولم يكد.
(قال عبد القاهر)
وأعلم أن سبب السبهة في ذلك، أنه قد جرى في العرف، أن يقال، ما كاد يفعل، ولم يكد يفعل، في فعل قد فعل، على معنى أنه لم يفعل إلا بعد الجهاد، وبعد أن كان بعيدا في الظن أن يفعله، كقوله تعالى «فذبحوها وما كادوا يفعلون» فما كان مجيء النفي في «كاد» على هذا السبيل، توهم ابن شبرمة، أنه إذا قال «لم يكد رسيس الهوى من حب مية يبرح» فقد زعم أن الهوى قد برح، ووقع لذي الرمة مثل هذا الظن.
وليس الأمر كالذي ظناه، فإن الذي يقتضيه اللفظ، إذا قيل: لم يكد يفعل، وما كاد يفعل، أن يكون المراد، أن الفعل لم يكن من أصله ولا قارب أن يكون ولا ظن أنه يكون.
وكيف بالشك في ذلك، وقد علمنا أن «كاد» موضوع لأن يدل على شدة قرب الفعل من الوقوع، وعلى أنه قد شارف الوجود وإذا كان كذلك، كان محالا ان يوجب نفيه وجود الفعل، لأنه يؤدي إلى أن يوجب نفي مقاربة الفعل الوجود وجودهن وأن يكون قولك «ما قارب أن يفعل» مقتضيا على البث، أنه قد فعل؟
وإذ قد ثبت ذلك، فمن سبيلك أن تنظر، فمتى لم يكن المعنى، على أنه قد كان هناك صورة تقتضي ألا يكون الفعل، وحال يبعد معها ان يكون، ثم تغير الأمر، كالذي تراه في قوله تعالى «فذبحوها وما كادوا يفعلون».
فليس إلا أن تلزم الظاهر، وتجعل المعنى، على أنك تزعم، ان الفعل لم يقارب أن يكون، فضلا عن أن يكون، فالمعنى إذن في بيت ذي الرمة، على أن الهوى من رسوخه في القلب وثبوته فيه، وغلبته على طباعه، بحيث لا يتوهم عليه البراح وان ذلك لا يقارب أن يكون، فضلا عن أن يكون، كما تقول: إذا سلا المحبون وفتروا في محبتهم، لم يقع لي وهم ولم يجز مني على بال، انه يجوز على ما يشبه السلوة، وما بعد فترة، فضلا عن أن يوجد ذلك مني وأصير إليه.
وينبغي أن تعلم أنهم إنما قالوا في التفسير: لم يرها ولم يكد، فبدأوا فنفوا الرؤية، ثم عطفوا «لم يكد» عليه، ليعلموك أن ليس سبيل «لم يكد» ههنا سبيل «ما كادوا» في قوله تعالى «فذبحوها وما كادوا يفعلون» في أنه نفي معقب على إثبات، وأن ليس المعنى، على أنه رؤية كانت من بعد أن كادت لا تكون، ولو كان «لم يكد» يوجب وجود الفعل، لكان هذا الكلام منهم محالا، جاريا مجرى أن تقول «لم يرها ورآها» فأعرفه، انهى ما في دلائل الإعجاز.
وقد علقت على هذا فيما نشرت سنة خمسين بقولي:
«ما قال هذا المفسرون إلا وأنهم يرون الأصل في التعبير، ما في آية الذبح، لا آية الرؤية، فيكون ما حدث بين ذي الرمة وابن شبرمة سديدا» وبالاختصار، فان النفي مرة يسلط على كاد ومرة على مدخولها، فيكون التقدير في هذه «وكادوا لا يفعلون» بخلاف «لم يكد يراها».

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here