islamaumaroc

أعلام الأندلس: القاضي أبو بكر ابن العربي (468-543 ه) -6-

  دعوة الحق

141 العدد

وتبريرا لموقف ابن تاشفين من أمراء الأندلس، الذين أثاروها ضجة كبرى ، وملأوا الدنيا صراخا وعويلا، لك عهد من الخليفة...(1)- استصدر بن العربي من شيخه الإمام الغزالي: فتيا يذكر فيها رأي الإسلام صريحا في الموضوع ، فأصدر فتوى (2) مسهبة أورد أبو بكر خلاصتها في (شواهد الجلة)(3) واعتذر عن إيرادها بنصها-لطولها. وقد مهد لها بمقدمة ،جاء فيها:                         
".وقالوا لا جهاد إلا مع إمام من قريش،ولست به أو مع نائبه،وما أنت ذلك، فقال أنا خادم الإمام العباسي ،فقالوا له: أظهر لنا تقديمه لك ،فقال ، أو ليست الخطبة في جميع بلادي له؟فقالوا ذات احتيال ، ومن دواعي النفاق (4)...فهل يجب قتالهم؟ وإذا ظفر بهم، كيف الحكم في أموالهم ؟ وهل على مسلم حرج في قتالهم؟ وهل على الإمام العباسي ، أن يبعث له بمنشور يتضمن تقديمه له على جهادهم ن فإنهم إنما خرجوا عليه، لأن الأمير خادمه، وهو يخطب له على أكثر من ألفي منبر، وتضرب السكة باسمه، إلى غير ذلك؟.." (5).                
وكان الجواب الغزالي:                                                                               
1- لقد أصاب الحق في إظهار الشعار الأمامي المستظهري ، وهذا هو الواجب على كل ملك استولى على قطر من أقطار المسلمين، فعليهم تزيين منابرهم بالدعاء للإمام الحق ، بلغم صريح التقليد من الإمام، أو تأخر عنهم ذلك لعائق.  
2- وإذا نادى الملك المستولى بشعار الخلافة العباسية ،وجب على كل الرعاية والرؤساء الأذعان  والطاعة له، وعليهم أن يعتقدوا أن طاعته طاعة للإمام ، ومخالفته مخالفة للإمام، وكل من تمرد واستعصى، 
وسل يده من الطاعة ، فحكمه حكم الباغي ، فيجب على الأمير وأشياعه ،قتال هؤلاء المتمـــــــردة (6).ولاسيما وقد استنجدوا بالنصارى والمشركين أوليائهم، إلى أن يعودوا إلى طاعة الأمير العادل ،المتمسك بطاعة الخلافة العباسية ، ومهما تركوا المخالفة ، وجب الكف عنهم ، وإذا قوتلوا ، لم يحجز أن يتبع مدبرهم ، ولا أن يجهز على جريحهم .    
3- وأما ما يظفر به من أموالهم ، فمردود عليهم أو على ورثتهم ،وما يؤخذ من نسائهم وذراريهم، فمهددة لا ضمان فيها.                                  
4- فالأمير – وإن تأخر عند صريح التقليد، للعوائق المانعة من وصوله، فهو نائب بحكم قرائن الأحوال، إذ يجب على إمام العصر، أن يأذن لكم أمير عادل ، استولى على قطر من الأقطار ، وهو يخطب له ، وينادي بشعاره ، ويحمل الخلق على  ولا ينبغي أن يظن بالإمام توقف في الرضا بذلك، والأذن فيه، لاسيما وقد ظهر حال هذا الأمير بالاستفاضة ، ظهورا لا يشك فيه.                             
5- فإن لم يكن على إيصال الكتاب وإنشائه عائق، وكانت هذه الفتنة لا تنطفئ إلا بان يصل إليه صريح الأذن ، والتقليد بمنشور ،ومقرون بما جرت العادة بمثله في تقليد الأمراء- فيجب على حضرة الخلافة بذل ذلك ، فإن الإمام الحق ، عاقلة أهل الإسلام ، ولا يحل له أن يترك في أقطار الأرض فتنة ثائرة ، إلا وسعى في إطفائها بكل ممكن.   
6- وتنتهي هذه الفتيا بقوله:"... فهذا حكم كل أمير عادل في أقطار الأرض، وحكم من بغى عليه،والله أعلم(7).  
                                            
خطاب الغزالي إلى ابن تاشفين                                    
وأرفق الغزالي مع فتياه ، خطابا وجهه إلى ابن تاشفين (8)، يحض فيه على التمسك بالعدل، وقد أورد عدة أحاديث في ذلك ، منها حديث: سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله،إمام عادل.      قال: ونحن نرجو أن يكون الأمير، جامع كلمة الإسلام وناصر الدين ، من المستظلين بظل عرشه ، يوم لا ظل إلا ظله ، فهو منصف لاينال إلا بالعدل في السلطنة ، وقد أتاه الله السلطان ، وزينه بالعدل والإحسان.                                                        
وينوه بمحامد سيرته ، ومحاسن أخلاقه، ويذكر الدور الإيجابي الذي قام به أبو محمد بن العربي، وولده أبو بكر في إشاعة ذلك، مما تعطرت به أرجاء العراق ، وسارت به الركبان في الآفاق، ".. وتركته (9) مشمرا عن ساق الجد في طلب خطاب شري ف ، في حضرة الخلافة ، يتضمن شكر صنيع للأمير ناصر الدين ، في حمايته لثغور المسلمين ، ولم يبالغ أحد في مناقب قوم ، مبالغة هذا الشيخ في بث مناقب الأمير ، وأشياعه المرابطين، ولم يقنعه ما فعله بنفسه، بل كنف جميع من رجا بركة دعائه، الدعاء لهم في تلك المشاهـــد الكريمــــة،والمناســـــــــك العظيمـــــة..(10).                       
ويذكر أن الخلافة دعت الشيخ الفقيه ابن العربي إلى الإقامة ببغداد، تحت البر والكرامة، فأبى إلا الرجوع إلى ذلك الثغر، لملازمة الجهاد مع الأمراء، ولا ينسى أن ينوه بمقام أبي بكر في العلم والمعرفة، وما أحرزه من علوم ومعارف في رحلته الطويلة بأقطار الشرق ، وفي بغداد بصفة خاصة " والشيخ أبو بكر قد أحرز من العلم في وقت تردده إلي ، ما لم يحرزه غيره، مع طول الأمد، وذلك لما خص به  من توقد الذهن ، وذكاء الحس ، وإنفاذ البصيرة ، وما يخرج من العراق، إلا وهو مستقل بنفسه ، حائز قصب السبق بين أقرانه.." (11).                 
وفي نهاية الخطاب ، يوصي ابن تاشفين ،بالسيخين خيرا ،لأنهما أهل لذلك ، ومن أحق بالإكرام، من أهل العلم(12) ؟   
                                      
مغادرة ابن العربي بغداد                                      
غادر ابن العربي بغداد في طريق عودته إلى وطنه، في حدود أواخر سنة (491)(13)، بعد أن قضى بها مدة عامين كاملين، كلها نشاط علمي (14) وسياسي،".. ثم قفلنا ، وقد قضينا من الهجرة إلى الخلافة المفترض، وحصلنا من العلوم على بعض الغرض ، وكان بودي ، أن لو أخلقت هناك برد شيبتي، وأفنيت معهم بقية عمري .." (15)  وكان يؤازره في ذلك والده ،وهو عالم أديب (16)،وسياسي خريق ،وكان بيته ـ في بغداد ـ منتدى العلماء والأدباء والسياسيين والإخباريين (17).         
وعرجا في طريقهما إلى الإسكندرية، على دمشق، والقدس الشريف، وجدد أبو بكر العهد بشيوخه في أقطار الشام، وطاف على مزارات بيت المقدس، ولاحظ أن بعض معالمها قد تغيرت، وكأنها تنذر بشر قريب(18)؟                       
"و" ـ في الإسكندرية                                             
دخل ابن العربي الإسكندرية أوائل سنة (492)(19)، ونزل على أساتذة أبي بكر الطرطوشي ، الذي انتهى به المطاف إلى هذا الثغر، واتخذه وطنا ثانيا له، وأصبح له مكانه المرموق،فالرجل قد أحيا المذهب السني بهذه البلاد ، وحارب البدع والضلال، وكان صريحا في الحق، لا يخاف في الله لومة لائم ، وابن العربي ليس جديدا على هذه المدينة فقد مر بها منذ ثمانية أعوام (20) ، وقد تعرف على أساتذة الطرطوشي (21) ببيت المقدس، وقضى إلى جانبه ،- يكرع في علمه الفياض- أزيد من ثلاثة أعوام (22) ن وكان الطرطوشي يعامل الفتى ابن العربي، لا كتلميذ وحسب، بل وكصديق أيضا، يذاكره ويستشيره، ويستعين به ويعينه، وتوثقت أواصر الأخوة بينهما، وعاشا صديقين حميمين ، مدة ست سنوات أو تزيد(23)، وتأثر ابن العربي بشيخه الطرطوشي،تأثرا كبيرا، في سلوكه وسائر مناحيه.                                   
". وفي أثناء القفول ، لقيت زاهد الوقت، منبرا من المقت، المحرز من العلوم الاثل والتخت،الحائل منها كل خشن شخت – بثغر الإسكندرية، اللقاءة الثانية، تتجاذب ذيول الإشكال، ونختبر فصول القيل  وابن العربي كثير الحديث عن شيخه الطرطوشي، وهو لا يذكره إلا مقرونا بالتجلي والاحترام ،يصفه بالعلم والفضل، والزهد في الدنيا (25) والإقبال على ما يعنـــيه(26).ولا بد أن ابن العربي اتصل بشيوخ آخرين، فأفاد منهـــــم وأفـــــادوا منـــــه27).  حدثان قدر لابن العربي، أن يصدم – أثناء إقامته بالإسكندرية – بحدثين خطيرين، كان لهما لأثرهما في نفسه:                      
1- استيلاء الصليبيين على بيت المقدس (28)،والمجازر الوحشية ، التي قاموا بها في البقاع المقدسة ، واستشهد كثير من شيوخه ومعارفه، من بينهم أساتذة الحافظ ، مكي بن عبد السلام الرميلي (29).
2- والتاريخ – كما يقولون- يعيد نفسه بخيره وشره، وقد اهتزت الدنيا لهذا الحادث الفاجع، واتجهت الأنظار إلى بغداد، وتجمعت الجموع حول قصر الخلافة، وحضر المستنفرون من كل جهة ومكان،                                                     
وخطب الخطباء، وبكى الشعراء (30) مأساة المسلمين في فلسطين والقدس الشريف ولكن خليفة بغداد، الذي أضحى في يد الأمراء السلجوقيين، مثل دمية الصبيان ، - لم يحرك ساكنا ، فيا لسخرية القدر من خليفة ، تشد الرحال من أقاصي المغرب إلى رحابه ،طلبا لعونه ورفده، وهو أعجزه من أن يدفع الشر عن نفسه ن ويذود الدخيل عن حماه . على أن السلجوقيين، وأمراء الطوائف بالأندلس ، هم الذين فتحوا باب الشر على المسلمين في الشرق والغرب، وأزالوا هيبة المسلمين في قلوب أغدائهم، بسبب تهافتهم على مصالحهم الشخصية ، وتناصرهم على كراسي الحكم ن وما أكثر الخونة في كل زمان ومكان.                             
ولكن التاريخ لا ينسى خيانتهم وغدرهم ، وسيذكرهم بالعار أبد الدهر ، كما سيذكر بكل اعتزاز وفخر، الأبطال المخلصين، أمثال صلاح الدين الأيوبي ويوسف ابن تاشفين،الذين أعطوا للصليبيين درسا قاسيا ، وسيبقى رمزا للبطولة الإسلامية مدى الأجيال.             
وإننا لننتظر في حفدة ابن تاشفين، وصلاح الدين، أن يثأروا لشرفهم، ويثيروها – مرة أخرى- حربا شعواء على الغاصبين المعتدين، وما ذلك على همة                          
2- الحدث الثاني ، وفاة والده، رفيقه في الرحلة ، وأنيسه في الغربة، وساعده الأيمن عند المداهمات.."..ومعي صارم لا أخاف لبونه، وحصان لا أتوقع كبوته، أب في الرتبة، وأخ في الصحبة ، يستعين ويعين، ويسقي من النصيحة بماء معين.."(31). وكانت وفاته في محرم عام (493) (32) ، وكـن بموت هذا الوالد، انطفأ نور ذلك الأمل الذي كان ينشد ، ويعملان جنبا إلى جنب، لتحقيقه والوصول إليه، وأنى له ذلك، وقد تحطمت السفينة التي كانت تقوده، وغرق ربانها في الأعماق..ولعل ذلك مما جعل ابن العربي يعتزل حياة الناس ويعيش ردحا من الزمن – إلى جانب العباد والزهاد ، في المحارس والربط..                                          
وينسدل حجاب كثيف عن إقامة ابن العربي بالإسكندرية، وتطبق المصادر بالصمت، والمعلومات التي لدينا جد ضئيلة ، لا تكاد تمثل إلى جانب من جوانب هذه الحياة الطويلة، التي عاشها ابن العربي بهذا الثغر الوادع ، وكل ما نعرفه:       
1-أنه رابط بثغر الإسكندرية ، أياما- على حد تعبيره، وكأنه أراد أن يشارك الناس في حياتهم العملية، ويتدرب على الجندية، وخشونة العيش،والصبر على الابتلاء،والتفرغ للعبادة وطهارة النفس..".. كنا بثغر الإسكندرية، مرابطين أياما ، وكان من أصحابنا رجل حداد ، وكان يصلي معنا الصبح ، ويذكر الله إلى طلوع الشمس، ثم يحضر إلى عمله ، حتى إذا سمع النداء بالظهر،رمى بالمزبرة، وأقبل على الطهارة، وجاء المسجد فصلى، وأقام في صلاة وذكر..حتى يصلي العصر، ثم يتصرف إلى منزله لمعاشه.."(33)      
2- وإنه تولى التدريس بمحرس ابن الشواء، وربما كان سكنه به ، وهو مطل على البحر،تقام فيه  الصلوات الخمس ، وما أكثر المحارس والمساجد بثغر الإسكندرية، "..فحضر عندي – يعني شيخه الطرطوشي (34) – بمحرس ابن الشواء بالثغر، موضع تدريسي ، عند صلاة الظهر(35)، ودخل المسجد في المحرس المذكور ، فتقدم إلى الصف الأول ، وأنا في مؤخره قاعد على طاقات البحر، أتنسم الريح من شدة الحر، ومعنا في صف واحد، أبو ثمنة ريس البحر وقائده ، مع نفر من أصحابه، ينتظر الصلاة ويتطلع إلى مراكب تحت الميناء.."(36)         
3- وربما كان يتردد من حين لآخر، على مكتبات الإسكندرية، للوقوف على أصول عتيقة بها،قد لاتوجد في غيرها (37).                           
4- ومن مشاهداته بهذا الثغر – أن القوم إذا مات منهم ميت،صنعوا له تمثالا من خشب، ووضعوه في مكانه من بيته ، وكسوه بزينته إن كان رجلا ، وبحلية إن كان امرأة، وأغلقوا عليه الباب، فإذا أصاب أحدا منهم مكروه ، فتح الباب عليه، وجلس عنده يبكي ويناجيه ، حتى إذا طال بهم الزمان عبدوها في جملة الأصنام والأوتان (38).           
5- ومن عاداتهم، أنه ليس لهم بتلك الديار، أحد يحمل الجنائز، ولكي يبرز الميت على الطريق، ويقال  أحملوا تحملوا، فيبادر الناس إليه، حتى يتضايقوا عليه، فإذا مات العلماء، فلا يحملهم إلا أصحابهم، " .. ومات رجل من أصحابنا بالثغر – ولعله يعني به والده – فحماته أنا والطرطوشي- رحمه الله.."(39).                                     
6- ويحدثنا عن مواقف شيخه الإمام الطرطوشي، في إحياء السنة، وإماتة البدعة إلى درجة أن يعرض نفسه للهلاك، ويتحدى الطفاة والجبابرة ، وهو معروف بذلك، وكم عانى في هذا السبيل، من محن وأهوال فصبر واحتسب .." ..دخل المسجد، فقام يصلي ، فرفع يديه في الركوع، وفي رفع الرأس منه ، فقال أبو ثمنة قائد البحر (40)،لأصحابه : ألا ترون إلى هذا المشرقي ، كيف دخل مسجدنا ؟ فقوموا إليه فاقتلوه، وارموا به في البحر ، فلا يراكم أحد ، فطارقلبي من بين جوانحي ، وقلت –سبحان الله – هذا الطرطوشي فقيه الوقت فقالوا لي : ولم يرفع يديه؟..فقلت كذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل.. وجعلت أسكنهم وأسكنهم ، حتى فرغ من صلاته ، وقمت معه إلى المسكن من المحرس (41) ورأى تغيير وجهي فأنكره، وسألني ، فأعلمته ، فضحك وقال : ومن أين لي أن أقتل عل سنته؟..." (42)
            
رسالة الطرطوشي إلى ابن تاشفين                                                                 
وليتعظ مركز ابن تاشفين ببلاد الأندلس، وقد تآمر المتآمرون، وارجف المرجفون، - لا بد أن ينضم إلى رأي الغزالي، صوت عالم آخرن له وزنه في المجتمع الإسلامي، وصداه البعيد في الشرق والغرب، ذلك هو ابو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي، هكذا رأينا ابن العربي يلتمس منه خطابا يوجهه بدوره إلى أمير المسلمين يوسف ابن تاشفين، ينصحه فيه، وهو يعرف عنه أكثر من غيره، ويتصل من حين لآخر بحجاج المغرب ، فيحدثونه عن جهاده وعدلهن وطيب سيرته، ومحاسن أخلاقه..فكتب رسالة مطولة ، في نحو عشر صفحات (43)، يوصيه فيها بتقوى الله وطاعته، وإشاعة العدل بين رعاياه..وقد حشدها بالآيات القرآنية، وأحاديث الرسول، ووصايا العلماء والصالحين..وهي كقطعة من كتابه "سراج الملوك" – في أسلوبه ومنهجه- ومما جاء في هذه الرسالة، قوله : " ومما أتحفك به وهو خير لك من إطلاع الأرض ذهبا(44)، لو أنفقته في سبيل الله-حديث " لاتزال طائفة من أهل المغرب ، ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله" – والله أعلم ، هل أرادكم رسول الله صلى الله عليه وسلم معشر المرابطين ، أو أراد بذلك جملة أهل المغرب، وما هم عليه من التمسك بالسنة والجماعة ، وطهارتهم من البدع والأحداث في الدين؟ وإنا لنرجو أن تكونوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض، ولقد كنا في الأرض المقدسة، جبر الله مصابها- تترى علينا أخبارك ، وما قمت به من أداء فريضة الله تعالى في جهاد عدوه،وإعزاز دينه وكلمته..ول~ن كنت تستنصر بجنود أهل الأرض ،فلقد كنا نستنصر لك بجنود أهل السماء ، حتى قدم علينا الأرض المقدسة، أبو محمد بن العربي ، وابنه الفقيه الحافظ أبو بكر ، فذكرا من سيرتك في جهاد العدو، وصبرك على مكافحته ومصا برته، وإعزازك للدين وأهله ، والعلم وحملته..حتى تمنينا أن نجاهد الكفار معك ، ونكثر سواد المسلمين في جملتك.."(45).وينهي رسالته بالتنويه بتلميذه أبي بكر ، ومقامه العلمي والديني ..ويوصي الأمير بأن يشد يديه عليه، ويحفظ وصيه الله في أمثاله: "..والفقيه أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي ، ممن صحبنا أعواما ، يدارس العلم ويمارسه ، بلوناه وخبرناه ، وهو ممن جمع العلم ووعاهن ثم تحقق به ورعاه ، وناظر فيه وجد ، حتى فاق أقرانه ونظراه ، ثم رحل إللى العراق ، فناظر العلماء ، وصحب الفقهاء ، وجمع من مذاهب العلم عيونها ، وكتب من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وروى صحيحه وثابته، والله يؤتي الحكمة من يشاء، وهو وارد عليك بما يسرك ،فاشدد عليه يديك ،واحفظ فيه وفي أمثاله، وصية الله سبحانه لنبيه عليه السلام -: "وإذا جاءك الذين يومنون بآياتنان فقل سلام عليكم ، كتب ربكم على نفسه الرحمة"(46).     

مدة رحلة ابن العربي                                                                              
تختلف الروايات في المدة التي قضاها ابن العربي في رحلته ،وأصحها أنها عشر سنوات او تزيدن وقد ابتداها في مستهل ربيع الأول في سنة (485-1092)(47) وانتهى منها عام (495-1101)(48)
ولترك ابن العربي يحدثنا في هذا الصدد ، وهو خير من يتحدث في مثل هذا الموضوع الذي اضطربت فيه آراء الناس، حتى من تلاميذ (49)، وكان الواجب –على الأقل – أن تتحد كلمتهم في ذلك ،فيقول:                                                                                        
1- " ..وقد تولجت تلك الأقطار الكريمة ، ودخلت تلك الأمصار العظيمة ، وجبت الأقطار القاصية ، نيفا على عشرة أعوام (50).."                           
2- وقال-وهو يتحدث عن خلفاء بغداد :المقتدى والمستظهر.." وخرجت عنهم سنة خمس وتسعين- يعني وأربعمائة.." (51)                    
3- ويستأذنه أحد تلاميذه في الانصراف إلى وطنه ، بعد أن جالسه طويلا ، فكان جوابه " ..هذا القلق؟ قم حتى يكون لك في رحلتك عشرة أعوام ، كما كان لي.." (52)    
    
نتائجها:                                                                                            
أما نتائج هذه الرحلة – وقد قال ابن العربي نفسه : كل من رحل لم يأت بما قال ابن العربي نفسه: كل من رحل لم يأت بما أتيت به أنا والباجي (53) – فيحملها العالم السوري : ا-ي. كراتشوفسكي ، في هذه الكلمة: أن ابن العربي قدم لنا – في خلاصة هذه الرحلة – مادة ضخمة في مجال الحضارة الثقافية والاجتماعية لذلك العصر" (54).                                                                               
ويذكر ابن العربي في هذا الصدد (55) –وهو يتحدث عما أفاده فقط – من أستاذه الطرطوشي " ..وصدرت عنه مملوء الحقائب من الرغائب" (56) فلندعه وهو يودع ذلك الشيخ الوقور ، الذي أفاض عليه من علمه ،وأحاطه ببره وإكرامه، وقد احتزم حقائبه ،وضم رغائبه، متأهبا للسفر إلى وطنه ، يحمل مشعل النور ، ونبراس الفكر الحر، فإلى أن نلتقي به في اشبيلية بلده وكأني به وهو يردد مع الشاعر:                                                 
بلادي وإن جارت علي عزيزة     وقومي وأن ضنوا علي كرام                    

(1) انظر نهاية الأرب ، 22/285.                                                             
(2) وينفي الدكتور حسين مؤنس ، أن يكون الغزالي أفتى في ذلك ، قال :وهذا خطابه في " شواهد الجلة" – يؤيد ما نقول تأييدا صريحا. ( قلت) لعل الدكتور لم يستوعب ما جاء في المخطوط المذكور، وإلا فابن العربي قد أورد الفتيا والخطاب متواليين: (30- 31 ب). على أن الخطاب نفسه ، صريح في ذلك، "..وأفتيت فيه بما اقتضاه الحق، وأوجبه الدين" وانظر بحث مؤنس المنشور في صحيفة معهد الدراسات الإسلامية بمدريد.م : 11-12 (مزدوج)ص 120 وما بعدها.                               
(3) انظر مجموع الخزانة العامة بالرباط رقم (1020د) ورقة 30-31.      
(4) انظر جانبا من هذا الحوار في كامل ابن الأثير 10/93.          
(2) انظر شواهد الجلة (30-1). 
(6) وبمثل فتوى الغزالي، أفتى علماء الأندلس من ذي قبل ، وخالفهم قاضي ابن عباد، فعمل ابن تاشفين بالأيسر ، فلم يقتل الأمراء الذين وقعوا في يده ، بل نفاهم إلى أغمات وأحسن معاملتهم، انظر نوازل الجهاد ، من المعيار الجديد3/12- وما بعدها.              
(7) انظر المرجع السابق (31- ب)                                                                
(8) لم يذكر تاريخ كتابه ، ويبدو من سياق حديثه أنه كتب قبل منشور الخليفة المؤرخ برجب سنة (491ه).                            
(9) يذكر الغزالي في هذه الرسالة ، أنه خرج إلى الحج وترك ابن العربي ببغداد، يحاول الحصول على خطاب من الخليفة ، وهذا غير معروف عن الغزالي فيما تحدثت عنه كتب التراجم والسير، وعليه فيكون الغزالي حج مرة أخرى سنة (490).            
(10) المرجع السابق، ص(31-ا) 
(11) نفس المرجع.                                                                                
(12) انظر مجموع الرباط رقم 1020- د ورقة (31 ب).                                         
(13) ذهبنا إلى هذا التقدير :بناء على ما يلي:                                                      
أ- يذكر بن خير في فهرسته ص 418- أن ابن سرحان سمع من ابن العربي (الأب) في ربيع سنة (491)قصيدة ابن حزم ( أنا الشمس في جو العلوم منيرة ) مع قصائد أخرى.                       
ب- يروي في النفح عن ابن عساكر – 2/233- أن ابن العربي خرج من دمشق في طريق عودته إلى وطنه سنة (491).   56- أنه زار بيت لحم- للمرة الثانية في محرم                           
ج- يحدثنا ابن العربي في كتابه الأحكام 2/عام (492ه).                                           
(14) تذكر بعض الروايات أن ابن العربي لم يخرج من بغداد حتى أدرك مقام المشيخة بها، وتولى التدريس بمنابرها. انظر تذكرة الحفاظ 4/1294.      
(15) انظر شواهد المجلة (32 ب).                                                                
(16) من الذين أخذوا عن ابن العربي (الأب) – وسمعوا من أدبياته، أبو الحسن بن سرحان، انظر فهرسة ابن خير ص 41     (17) حاول الدكتور مؤنس أن يقلل من شأن هذا العالم الأديب، ولكن النصوص متضافرة على ما كان لهذا الرحل من مكانه سامية في الأدب والسياسة، انظر المطمح ص 62، والصلة 1/284، والديباج 281، وتذكرة الحفاظ 4/1294، والوفيات 3/423-425.وانظر بحث مؤنس المنشور في صحيفة الدراسات الإسلامية م 11-12.      
(18) انظر الأحكام 2/56.                                                                         
(19) نقدر دخوله أوائل هذه السنة ، لما أسلفناه آنفا من أنه أهل عليه محرم سنة (492)-وهو ببيت المقدس ، في طريقه إلى الإسكندرية انظر المرجع السابق. 
(20) كان مرور ابن العربي بهذا الثغر ، في حدود أواخر ربيع الثاني من سنة (485) ، وأرجو القاريء أن يصحح خطأ وقع في القسم الثاني من هذا البحث، ع 4 س 14 ص 149، ذلك أنني قررت هناك أن وصوله إلى القاهرة، كان في أواخر سنة (485) ، والصواب كما يدل عليه كلام ابن العربي نفسه. الذي اطلعت عليه بعد، - دخلها في حدود أواخر ربيع الثاني من السنة المذكورة. انظر العواصم من القواصم1/45- طبع الجزائر.                           
(21) انظر في ترجمة الطرطوشي، الصلة 2/ 545، بغية الملتمس ص 125-129، والديباج ص 276،ووفيات العيان 3/393.                             
(22) انظر دعوة الحق، العدد الرابع ، س 14 ص 161.                                       
(23) قضى معه ببيت المقدس نحو تلاث سنوات، وفي الأسكندرية مثلها- وانظر المرجع السابق.
(24) شواهد الجلة، (31 ب)                                                                   
(25) قال سمعته يقول : إذا عرض لك أمران : أمر دنيا، وأمر أخرى فبادر بأمر الأخرى، ويذكر أنه كان كثيرا ما ينشدهم في مجلسه:                       
إن لله عبادا فطنا             طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا                       
جعلوها لجة واتخذوا         صالح الأعمال فيها سفنا                        
(26) انظر وصفة لهديه ، وإعجابه بصلاحه ونسكه، ومدى انتفاعه بعلمه وعمله- في قانون التأويل (140-ا)                                                
(27) انظر الصلة لابن بشكوال2/545.                                                        
(28) وكان ظلك في شعبان ، سنة (493)، انظر النجوم الزاهرة 5/151، وتاريخ أبي الفداء،1/110. 
(29) انظر النجوم الزاهرة 5/151.   
(30) وقد صور الشاعر الدمشقي أبو المظفر الأبيوردي، حال الرؤساء والمسلمين عموما لهذا العهد في قصيدة مطولة ، جاء فيها:                       
وكيف تنام العين ملء جفونها    على هفوات كل نائم
وإخوانكم بالشام يضحى مقيلهم    ظهور المظاكي أو بطون القشاعم
يسومهم الروم الهوان وأنتم      تجرون ذيل الخفض فعل المسالم
وما اصدقها على حالتنا اليوم؟ انظر نصها الكامل في النجوم 5/151، وأبي الفدا 1/126.
(31) انظر شواهد الجلة (27-ا)
(32) انظر الديباج ص 28.
(33) انظر الأحكام 2/292
(34) كما سنرى في النص، الذي أوردناه عند حديثنا عن مواقف شيخه الطرطوشي.
(35) انظر رحلة ابن جبير ص15.
(36) انظر الأحكام 2/309.
(37) نفس المرجع 2/317
(38) نفس المرجع 2/189
(39) انظر العارضة 4/262
(40) الآنف الذكر
(41) محرس ابن الشواء ، كما سبق آنفا
(42) انظر الحكام 2/309.
(43) انظر شواهد الجلة ، (32-39)
(44) طلاع الأرض: قدرها، ملؤها.
(45) انظر شواهد الجلة (ص 39 ب)
(46) نفس المصدر.
(47) انظر الصلة 2/558.
(48) أكثر الروايات، على أن عودة ابن العربي إلى وطنه كانت سنة( 493) ويرى الدكتور إحسان عباس ، أن رواية سنة (495) – شاذة انفرد بها فرحون في الديباج ولعلهلم يقف على النصوص الواردة عن ابن العربي نفسه، كما سنرى ، وأهل مكة أدرى بشعابها ، كما يقول المثل. انظر بحث الدكتور إحسان ، المنشور في مجلة " لأبحاث اللبنانية ع2س16ص217- وما بعدها".
(49) كما نجد بين ابن بشكوال في الصلة والضبى في النفية ، وهذا الأخير وإن لم يكن من تلاميذ ابن العربي ، فهو يروي عن الشيوخ الذين اخذوا عنه.
(50) انظر العواصم متن القواصم 2/82، طبع الجزائر
(51) انظر العرضة 9/68-69.
(52) انظر الضبى بغية الملتمس ، ص 83، طبع مجربط سنة 1885م.
(53) انظر أزهار الرياض، 3/63.
(54) انظر تاريخ الأدب الجغرافي العربي ، ترجمة صلاح الدين عثمان هاشم 1/298.
(55) وقد نوه ابن خلدون برحلة ابن العربي في المقدمة أيما تنويه انظر ص809و1017- طبع لبنان
(56) شواهد الجلة ، (31 ب)

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here