islamaumaroc

البرامكة في دولة بني العباس

  دعوة الحق

141 العدد

كانت دولة بني أمية عربية بحتة في مظهرها ولسانها وبيانها وميولها وعواطفها، وربما وصلت في ذلك كله إلى حدود العصبية الهوجاء ،والتحيز البالغ،ووصل الحال في هذا الاعتقاد إلى درجة أنها لا تطمئن لما ليس بعربي في المأكل أو المأكل أو المشرب أو المسكن  أو اللباس، فإن علموا أن أحدا زوج امرأة من الموالي نكوا به، وفرقوا بينه وبينها ، ولم يكن من حق المولى أن يفشي مجلسهم إلا للخدمة،أو قضاء الحاجة، واستخدامه كما يستخدم العبيد والمماليك..وقد تكلفت كتب التاريخ بسرد الأخبار العجيبة ، والقصص ، النادرة في هذا السلوك الذي كانت تعامل به الموالى من العناصر الدخيلة ،والأفراد غير العربية هنالك ولم يثبت أن إنسانا من هؤلاء شعر فيما بينهم بكرامة الآدمي ، وتقدير الإنسان للإنسان، ولم يكن له أن يتعلم أو يتولى مراكز القضاء أو القيادات العامة..           
ولما كان بنو العباس يترقبون زوال دولتهم ونهاية حكمهم ،فقد كانوا يعلنون السخط على هذه السياسة  والكراهية لهذا العنف،ويعدون الناس أنهم سوف لا يأخذون بهذا الأسلوب،ولا ينهجون ذلك المنهج، ولا يجلسون في تلك الأبراج العاجية ، وإنما سيجعلون من أنفسهم نكرات شائعة في غمار العامة لا فرق بين عربي ونبطي،وكردي ورومي ، لأنهم كلهم لآدم،وآدم من تراب...وقد كانوا وهم يتخذون الأوكار  والمراكز السرية التي تنطلق منها دعوتهم يجعلون من خراسان- في بلاد فارس- الحصن الحصين ، كما كانوا يجعلون من الفرس أنفسهم العضد القوي، واليد اليمنى ،وكان أبو مسلم رجلهم الأول الذي يطمئنون إليهن ويتقون فيه، ويعتمدون كل الاعتماد على جهوده الجبارة ولذلك قوبل صنيعهم به – بعد أن وصلت الخلافة إليهم- بالاستنكار والسخط ، حتى من ذويهم وأقرب الناس إليهم، وإن كان ذلك لم يكن قطعا للفرس، ولا إبعادا لهم عن مراكز الحكم والسلطان والانتفاع بآرائهم في السياسة ، وإدارة شؤون البلاد ، وقد ظهر منهم جماعة استطاعت أن تجعل لها كيانا مرموقا، ومركزا ممتازا ،كان على رأسهم  - في أول الأمر- جدهم خالد بن برمك الذي وزر للمنصور بعد السفاح ،والذي يخاطبه بشار بقوله:             
أخالد لم أخبط إليك بذمة                 سوى أنني عاف وأنت جواد
فإن تعطني أفرغ عليك مدائحي          وإن تأب لم يضرب علي مداد
 ركابي على حرف وقلبي مشيع        وما لي بأرض الباخلين بلاد   
 إذا انكرتني بلدة أو نكرتها            خرجت مع البازي على سواد
ويقول عنه ابن طباطبا في كتابه "الفخري في الآداب السلطانية " كان خالد عظيم المنزلة عند الخلفاء، قيب أن السفاح قال له يوما:يا خالد ما رضيت حتى
استخدمتني، ففزع خالد وقال له كيف كان ذلك يا أمير المؤمنين وأنا عبدك وخادمك، فضحك وقال إن ريطة ابنتي تنام مع ابنتك في مكان واحد، فأقوم بالليل فأجدهما قد سرح الغطاء عنهما فأرده عليهما، فقبل خالد يده وقال مولى يكتسب الأجر في عبده وأمته.. وكثر الوافدون على باب خالد ومدحه الشعراء، وانتجعه الناس، وكان الوافدون قبل ذلك يسمون سؤالا فقال خالد إني استقبح هذا الاسم لمثل هؤلاء وفيهم الأشراف والأكابر،  وسماهم الزوار وكان خالد أول أول من سماهم بذلك، فقال له بعضهم والله ما ندري أي أياديك عندنا أجل،  أصلتنا أم تسميتنا، ولما بني المنصور مدينة بغداد عظمت النفقة عليه فأشار عليه أبو أيوب المورياني بهدم ايوان كسرى، واستعمال أنقاضه. فاستشار المنصور خالد بن يرمك في ذلك فقال له لا تفعل يا أمير المؤمنين فإنه آية الإسلام، فإذا رآه الناس علموا أن مثل هذا البناء لا يزيله إلا أمر سماوي، وهو مع ذلك مصلى على بن أبي طالب عليه السلام، والمؤنة في نقضه أكثر من الانتفاع به ،فقال له المنصور أبيت يا خالد الا ميلا إلا ميلا إلى العجمية ، ثم أمر المنصور بهدمه فهدمت منه كلمة فبلغت النفقة عليها أكثر مما حصل منها ، فأمسك المنصور عن هدمه، وقال يا خالد قد صرنا إلى رأيك وتركنا هدم الإيوان فقال له خالد أنا الآن أشير بهدمه ، لئلا يتحدث الناس أنك عجزت عن هدم ما بناه غيرك، فأعرض عنه ولم يهدمه ...ولما تولى المنصور الخلافة أقره على وزارته وأكرمه واستشاره، وحين آلت إلى الرشيد  قرب إلبه يحيي بن خالد وجعله وزيره الأول، وكاتم سره ،ومحل ثقته ، والمستشار الذي يأخذ برأيه،ويعمل بتوجيهاته، وكانت أم الفضل زوجة يحيى بن خالد البرمكي قد أرضعت هرون كما أرضعت أم هرون الفضل بن يحيى، وهذا بعض الأسباب التي جعلت ليحيى التمكن في دولة الرشيد ،لأنه أبوه من الرضاع،وهرون ولده، وأخو ابنه الفضل، وكان في يحيى مع هذه المنزلة  صرامة، وميل للجد، وحب للحق ، وولوع بالعدل ورغبة صادقة في التزام السلوك السوي في كل أعماله وتصرفاته، وكان في سمته وهندامه ومظهره يشبه الملوك والسادة ،وأهل المجد والرفعة،والأبهة والعزة،لا يرو منه أحد اسفافا، ولا يلحظ عليه نزولا عن مستوى العلية من الناس، وكان ابنه الفضل يحكيه في وقاره وأدبه واتزانه وهدوئه، وعقله ورأيه، وحكمته وسداده، وترفعه عن الدنايا، وبفضه للمجون ،وكراهيته للهزل، ونفوره من اللهو، وتطلعه دائما أبدا إلى معالي الأمور، وإعراضه عن  سفسافها.            
وكان على العكس من ذلك طله جعفر بن يحيى أخو الفضل ، لذلك كان الرشيد ينفر من الفضل، ولا يحب أن يغشى مجلسه ، أو يكون له في دولته نصيب، أما جعفر فقد كان محظيا عنده، مقربا  لديه ،حبيبا إلى قلبه، يجالسه وينال حظوته عنده على الرغم من كونه ليس أخا له، وكان في جعفر من خفة الروح،  وحضور البديهة،والمعية الذهن،وإجادة النكتة، وحفظ النوادر والأخبار،والحكايات والقصص ،والمغرفة بأيام الناس وأنباء القرون،ما يجعل لمثله مكانة عظمى عند الملوك والخلفاء ومع ذلك فقد كان جعفر هذا أول ضحية حل بها الفتك، حينما تغير الرشيد على هذه الأسرة وقلب لها ظهر المجون، ولم يذكر وقد صنع بهم ما صنع أياديهم التي قدموها ولا وشائجهم التي ربطتهم به،ولا ملكه الذي دبروه له،ولا سلطانه الذي حفظوه برماحهم...وقد اختلف المؤرخون في السبب الذي حمل الرشيد على أن يقضي على البرامكة هذا القضاء ،ويجعل مجدهم الباذخ،وسلطانهم المتمكن،ودولتهم القوية،وصوتهم المدوى،أخبارا تروى، وعبرة تذكر،وعظة يعرف منها الناس،أن الدهر لا يدوم على حال،وأن الدنيا تلعب بأهلها،وتخضع المغتر بها،المطمئن إليها، الذي يأخذ عليها العهد أن تظل على ودها له وإقبالها عليه...                                                                            
وقد قال بعض هؤلاء أن الصلة التي تمكنت ما بين جعفر والرشيد قربت ما بين جعفر والعباسة أخت الرشيد، وأكدت حبال الود بينهما،ولم تلك الصلة في ازدياد حتى تحولت إلى وله وعشق،وحب وغرام ،وحنين وأنين وشغف وقلق وهوى وميل،وفي هذه الآونة ثارت في نفس هرون حميته وآباؤه فلم يجد بدا من أن يجعل ذلك كله في خبر كان حتى لا يتناوله إنسان أو يلوكه إنسان ...وقال بعضهم أيضا أن الرشيد عهد إلى جعفر بقتل رجل من العلويين فتستر عليه ولم يقتله وزعم له أنه نفذ أمره فيه ثم اطلع بعد ذلك على كذبه وعدم امتثال الأمر فقتله،وكان قتله هذا من الحوادث التي أثارت سخط الناس وعدم رضاهم عن هذا الصنيع المؤسف، إذ بعث إليه الرشيد خادمه مسرور وأمره أن يباغته في داره ويجيء به على الحال التي يكون عليها من غير تهيئ للحضور أو لبس الثياب التي تعود أن يلقي الخليفة بها، فلما دخل عليه مسرور لم يستأذن في الدخول،ولم يسلم عليه، فقال له جعفر لقد ملأت نفسي بهجة بقدومك عندي، ولكنك أثرت في الظنون والريب،والهلع والفزع،إذ لم تستأذن في الدخول،ولم تسلم علي فقال مسرور لا سلام ولا كلام،والأمر خطير والساعة رهيبة والليل حالك السواد،ثم قاده إلى مكان في قصر الخلافة انفصلت فيه رأسه عن جسده،وكان ذلك مطلع القصيدة ، أو ابتداء الملحمة،أما أبوه وأخوه الفضل وبقية الأسرة البرمكية فقد زح بها إلى السجن،وصودرت أملاكها وجردت من أموالها. ولبعض المؤرخين رأي آخر في ينسب إليه تلك النكبة خلاصته أن الرشيد خرج إلى الحج ومعه ولداه الأمين والمأمون،وكان بصحبته وزيره يحيى والفضل وجعفر،وكان يحيى ملازما للرشيد كما كان الفضل وجعفر ملازمين للأمين والمأمون،فلما اهتز كل واحد للندى، وسحت يده بالجود،وأخذت العطايا تنساب على المعوزين والفقراء من أهل الحرم الشريف تبين للناس سخاء البرامكة غطى على سخاء الرشيد وأولاده فأثار ذلك حفيظة الرشيد وولديه الأمين والمأمون..إلا أن هذه الأسباب وأمثالها مما يذكره المؤرخون لا تعدو أن تكون حدسا وتخمينا مما يحاوله المؤرخ من الاجتهاد للوصول إلى ما عساه أن يكون سببا صحيحا ،أو باعثا حقيقيا، لأن سياسة القصور،وأسرار الخلفاء،ليست من السهولة إلى هذا الحد الذي يجعلها في متناول عامة الناس ليجعلوا منها مقدمات طبيعية تنتهي –هكذا- إلى نتيجة تصير فيما بعد قضية مطروحة للنظر أو التعليق، ولهذا فإني أعتقد أن الأمر كان أشد خطورة من ذلك كله ،ورجل كالرشيد بالذات لا يمكن أن تكون هي شهوة الملك، وحب الشهرة،ورغبة السيطرة، والمنافسة في التعالي والكبرياء،التي حملته على هذا الصنيع،وإلا نزلنا به إلى صفوف الدهماء،وانحدرنا به إلى مستوى العامة، ولطخنا تاريخه الذي كان ناصعا بما يلطخ به تاريخ الجبارين في الأرض، ولا بد أن يكون هنالك سبب آخر وراء ذلك كله، وربما كان هذا متعلقا بما نسميه نحن الآن " بقلب نظام الحكم" وقد كان الفرس منذ مقتل أبي مسلم الخرساني يتحينون الفرصة المتاحة لآخذ الخلافة لاعتقادهم أنهم هم أصحاب الفضل في انتزاعها من أيدي الأمويين ، وفي أخذ بني بويه لها فيما بعد تأييد لهذا الرأي، على أن العنصر الأجنبي مطلقا أشبه بالسرطان الذي يصحب جسم الأمة، والفرس ثم الأتراك الذين استقدمهم المعتصم كانوا مثل المسمار الذي دقه القدر في نعش دولة بني العباس ، ومن غريب أمر التاريخ الذي يعيد نفسه كما يقولون أن زوال ملك المسلمين بالأندلس كان بعض أسبابه القوية اختلاط الدم الإسباني بالدم العربي إذ تزوج الخلفاء والأمراء هنالك من نساء هذه البلاد،وبهذا برد الدم العربي، والآباء العربي، وهان على المسلمين أن يفرطوا في مجد عزيز، وسلطان كريم ،ودولة كانت غرة في جبين التاريخ " وتلك الأيام نداولها بين الناس".              

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here