islamaumaroc

أول سؤال (قصة)

  دعوة الحق

141 العدد

عرفت القرية – عندما كنت صغيرا- شيخا مسنا يدعى " الشيخ جابر" ، وكان "الشيخ جابر" حديث القرية كلها ، والقرى المجاورة أيضا ..
واستطاع هذا الإنسان العجيب أن يأخذ بالباب أهل القرية كلهم، فأذهلتهم تصرفاته، وهم الذين عاشوا فترة غير قصيرة من الزمن يتحاشون حتى من ذكر اسمه فيما بينهم.
كانت القرية تقع بين سفحي جبلين، وفوق احد أعلى المنحدرين كان يبدو بناء صغير يطل على كل البقعة الممتدة ، ولم أكن اعرف بالطبع ما هذا البناء العالي، وظللت إلى أمد طويل لا اعرف ..
لكنه وقع الشك في نفسي منذ اليوم البعيد.
كنت عائدا من المدينة إلى القرية، يصحبني والدي، وقد حملنا من المدينة قماشا زاهيا لامي..وثيابا مختلفة لإخوتي، كنت طوال الطريق أدندن بأغنية صغيرة تحفظها القرية كلها، متناسيا ثقل ما كنت أحمل..مستبشرا- وأنا أحلم بارتداء السترة والبنطال..وأتخيل نفسي كيف سأبدو فيهما وأنا أتعثر في مشيتي داخلا مدرسة القرية لأول مرة.
وكنت أتساءل – بيني وبين نفسي- بمنتهى الغباء:  كيف سأستطيع أن أسير بالبنطال وأنا لم أتعود ارتداءه في حياتي...؟
لكن البسمة ما تلبث أن تزحف على شفتي ببطء وأنا أردد:
- ربما هذه ضريبة المدرسة ..أن ألبس البنطال واخلع الجلباب..وكنا قد اقتربنا من القرية، وأصبحت قبابها تصافح عيوننا ونحن نجد في المسير. ولست أدري كيف لاح  لبصري ذلك البناء العالي البعيد فوق أعلى المنحدر..وفجأة سألت والدي، كأنما أرى هذا البناء لأول مرة في حياتي:
- ما ذلك المسكن يا ولدي ..؟ وكيف يستطيع بشر أن يرقي ذلك المرتفع الخطير..؟
تنحنح والدي، وتلك كانت عادته عندما كان يحرج أو يغتاظ..لكنه في ذلك اليوم كان محرجا ومغتاظا في وقت معا.فأعدت عليه السؤال بعد أن تجاهلني ، وأضفت قائلا:
- ولماذا لا يسكن أهل ذلك المأوى العالي في القرية ..؟
فانتهز فجأة وارتعش، وقال لي بلهجة كلها شدة وحزم:
اخرس يا محمود...
فخرست...
وظللت مطبقا أنفاسي حتى وصلنا منزلنا في القرية. وما إن وصلنا حتى خرجت إلينا أمي وإخوتي ، وراح الجميع يتخاطفون ما كنا نحمله أنا ووالدي من المدينة. ونسيت بين جمع المتخاطفين أمتعتي الخاصة..السترة والبنطال. وسمعت أختي " صافية " تقول ساخرة وبصوت عال:
هذا ليس لي...
وضحكت أختي " هنادي" ، وارتفع صوتها وهي تداعبها قائلة :
- بل هو لك...
فصاحت " صافية "بغيظ قائلة :
- تريدين أن تضحك علي القرية وأنا ألبس السترة والبنطال ، وقالت:
- انصرفي أنت وهي ...جنيتان خبيثتان ..هذا لمحمود.
وتلتفت حولها لتجدني قابعا في صحن الدارن تحت شجرة الخوخ قرب المصطبة، فاستغربت انزوائي، وجاءت إلي بالسترة والبنطال في يدها ، وقالت في شبه عتاب :
- لماذا تركت السترة والبنطال بين يدي الجنيتين يا محمود..؟
قلت في حزن عميق:
لن ألبسهما يا أمي..
فشهقت مستغربة، وهي تقول:
- ماذا ...؟ وهل من الممكن أن تذهب إلى المدرسة بالجلباب.. كأنك لم تسمع ما قاله الأستاذ بالمس : لن يدخل باب المدرسة من لا يرتدي السترة والبنطال..؟
قلت في إعياء:
- وكذلك لن أذهب إلى المدرسة..
قالت في حدة :
ماذا تقول..؟
أعدت على مسمعها في إصرار :
- لن أذهب إلى المدرسة ...
 ونهضت من جلستي أبغي الانطلاق، ولاخفي وجهي بعيدا عن نظرات أمي...
لكنها تمسكت بطرف جلبابي، وشدتني إليها تصيح:
- ولماذا لن تذهب إلى المدرسة ..؟
وتعثرت الكلمات على لساني، لكنني وجدت أخيرا ما أقول :
- لن أذهب إلى المدرسة لأنني مازلت طفلا صغيرا ..
فقالت مستغربة :
- ومن قال انك كذلك..؟
قلت : أبي.
قالت : أبوك ..؟
قلت في تذمر:
- أجل. ما دمت أساله أي سؤال فيقول لي اخرس، فانا ما زلت طفلا صغيرا.
قالت ، وكأنما اطمأنت إلى سبب قلقي:
- وماذا سألته يا محمود ..؟
قلت في امتعاض:
- ونحن في طريقنا إلى القرية، عند أول الساقية الشمالية، لفت نظري ذلك المأوى العالي البعيد فوق أعلى المنحدر ، فسألت أبي من يسكن هنا.. ولماذا لا يعيش أهل هذا المنزل النائي مع أهل هذه القرية، فقال لي : اخرس...
وارتعشت أمي فجأة، وقالت لي وهي ترتجف:
- اخرس يا محمود.. اخرس... وإياك أن تعود إلى هذا السؤال مرة أخرى.
نظرت إليها، وقد طفرت الدمعة من عيني، وهمست إلى نفسي:
- حتى أنت يا أماه...؟
وانصرفت ...
ومضت الأيام، وتلاحقت الأعوام...وفي كل مرة عندما كان يصل السؤال ذاته إلى لساني أخرس.. وأمضي دون أن أتحقق من الأمر في شيء.
حتى إذا كبرت بي الأيام، ولم أجد حولي من يقول لي اخرس...
- قل لي يا عم عبد الجبار، من الذي يسكن ذلك المأوى العالي البعيد فوق أعلى المنحدر..؟
قال "العم عبد الجبار" متسائلا:
- هل تعني اليوم أم بالأمس..؟
- سألت في استغراب:
- وهل تغير الساكن ..؟
قال مبتسما:
- كلا لم يتغير..إنه هو هو..
قلت مندهشا:
- ولكن ماذا تعني بكلمة اليوم والأمس؟..
قال المختار بهدوء يشبه الصمت:
- إنها قصة طويلة يا محمود...
قلت :
- أرجو ألا تقول لي اخرس عن هذا السؤال، كما قالها لي أبي يوما..
قال " العم عبد الجبار ":
- رحم الله والدك يا بني.. لقد كان أيضا واقعا تحت تأثير لفظ القرية وهمسها الظالم تجاه
الشيخ جابر.
سألته في استغراب عميق:
- ومن هو الشيخ جابر هذا..؟
قال " العم عبد الجبار"، والابتسامة الهادئة تداعب وجهه:
- الشيخ جابر إنسان اليوم، ولكنه كان حفيد أسرة عريقة من أسر الجان بالأمس.
ضحكت وأنا أقول:
ماذا تعني بمزاحك هذا يا عم عبد الجبار..؟
قال في إصرار:
- بل الأمر كذلك يا بني.. وأنا بالطبع لا أستغرب جهلك للشيخ جابر ومكانته بيننا اليوم،
 وتصوراتنا عنه بالأمس..وغيابك البعيد عن القرية جعلك لا تقف على حقيقة هذا الإنسان.
سارعت أسأل " العم عبد الجبار" في حيرة:
- بربك قل لي الحقيقة ن فتارة هو إنسان وأخرى هو سليل أسرة الجان.. 
من هو الشيخ جابر هذا..؟
قال المختار:
- لا أعرف ولا يعرف أحد من أهل القرية من هو الشيخ جابر هذا ، ولا من أين جاء…ولا
 كيف ارتضى بمكانه القصي العالي مأوى له ومنزلا..ولكن كل الذي نعرفه أن واحدا من
 أهل القرية قال في يوم مضى: إنه رأى شبحا يتسلق الجبل وبيده عصا من نار..ولأقدامه
 –وهو يمشي- صوت كصوت الرعد وأقوى.. أما وجهه فلم يتبينه، لأنه خاف أن يتطلع عليه…
وتناقلت القرية هذا الخبر حتى عم كل دار..ونزل الرعب في كل نفس وارتعدت من مجرد
 ذكر اسم الشبح...وظل الجميع إلى سنوات يتطلعون إلى ذلك المأوى العالي البعيد وترتجف
قلوبهم وترتعد.. ويمتنع أهل القرية من المشي أو العمل ليلا، أو حتى من ذكر اسم الشبح..
لاسيما وأنه جني من الأسرة  السابعة عسرة التي تنتمي إلى ملك الجان الأخضر.
قاطعت " العم عبد الجبار"  قائلا:
- إذن .. لهذا قال لي والدي- يوما- وعندما سألته عن ساكن ذلك المأوى البعيد العالي:
اخرس.
قال " العم عبد الجبار" مكملا
- أجل..لقد قيل لكل من سأل عنه: اخرس...لأن الجميع كان يخاف من معرفته أو السؤال عنه.
قلت مستوضحا :
- ثم كيف اكتشفتم أنه إنسي وليس جني..؟
قال " العم عبد الجبار" :
- عندما مرض الحاج مسعود- مختار القرية الذي نعرفه- تحير الناس في أمر مرضهن فلا نفع فيه العشب ولا الكي ولا التعصيب..وفجأة وجدنا في منزل الحاج مسعود رجلا غريبا لم نكن قد رأيناه من قبل.. جلس قرب الحاج مسعود ووضع يده فوق جبينه،وراح يقرأ آيات من القرآن والدعاءات بصوت فيه الخشوع وفيه الجلال، ووجدنا الحاج مسعود يتنهد في فراشهن وبعد مضي وقت تفصد العرق من جبينه وتنفس براحة وتنشق عبير الصحة...
وظل هذا الشيخ الوقور يزوره حتى شفي تماما..وعند آخر زيارة له، شكره الحاج مسعود، وسأله: لم تقل يا أخي من أنت، ولا من أين جئت..؟
  فقال الرجل الغريب: إنني عبد الله الشيخ جابر..وأسكن ذلك المأوى العالي البعيد في أرض الله..
قلت للعم عبد الجبار:
- وكيف كان وقع المر في نفوس الناس..؟
قال:
- لقد صعق الجميع وفوجئوا..وتبينوا فداحة خطئهم تجاه هذا الإنسان طوال العوام التي انقضت..ولكن الحاج مسعود أراد أن يتأكد بنفسه من الأمر فذهب بنفسه إلى المأوى في أعلى المنحدر، ولاقى هناك الشيخ جابر يمضي النهار والليل في عبادة وابتهال وصلاة.. وعاد إلى القربة وهو يقول لأهلها: لقد ظلمتم عبدا من عباد الله الأتقياء.. فالشيخ جابر إنسان صالح..وإنسان كبير.
وصمت " العم عبد الجبار" قليلا..بينما زحفت إلى خيالي صورة من صور الماضي البعيد، حين كانت أمي تصرخ في ابنتيها الجنيتين، وهما تشدان بينهما سترة وبنطالا لصبي صغير، قيل له عند أول سؤال: اخرس...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here