islamaumaroc

مشاهد إسلامية: وقفة على ضريح الإمام البخاري

  دعوة الحق

141 العدد

حين أتيحت الفرصة لوفد علماء القرويين، لزيارة الاتحاد السوفياتي والاطلاع على أحوال المسلمين القاطنين في شتى جمهورياته، وعلى الأخص في آسيا الوسطى أثناء شهر غشت الماضي.. كان يجدونا شوق عارم ورغبة ملحة، في أن تتوج زيارتنا بالوقوف على ضريح الإمام الأعظم، محمد بن اسماعيل البخاري، والتملي بأنواره، والاستمتاع بالجلال الذي يحيط بمقامه.. وليس غريبا أن تهيج أشواقنا وتزداد رغبتنا ونحن قاب قوسين او أدنى من هذه البقعة الباركة التي أنجبت الرجل الملهم، ذلك أن شخصية البخاري لها في نفوس المسلمين عامة، وفي نفوس المغاربة خصوصا مكانة وأي مكانة، فإن الدور الذي قام به في سبيل الحفاظ على السنة وحمايته امن أيدي العابثين لا يمكن أن ينساه مسلم، أو يتغافل عنه إلا جاحد مكابر.
وق تحققت لنا هذه الأمنية بعد رجوعنا بالطائرة من بخارى ذات الماضي الإسلامي اللامع عشية الأربعاء 28 غشت 71، فبعد استراحة قصيرة في سمر قند، قصدنا القرية التي يرقد فيها رفات إمام المحدثين في سكون، والتي كانت تعرف بخرتنك وتبعد عن سمرقند نفسها بنحو عشرين كيلومترا في رتل من السيارات، يتقدم الموكب سماحة المضيف المفتي الأكبر السيد ضياء الدين باباخنونف.
منذ خروجنا من سمرقند ونحن نسير في حقول متلاحقة، وجنات متتابعة لا نرى إلا الخضرة والسنابل، وأشجار الفواكه تتوه بحملها الثقيل والثمين.. حتى أطللنا على واحة ظليلة، جميلة المظهر والمخبر، بسيطة الشكل والحلة! إنها البقعة التي قدر لها أن تضم بين أحضانها أعظم شخصية مرموقة في عالم الفكر والعقيدة، وتحوي بين جنباتها أقدس إنسان يحمل له الفكر الإسلامي أنبل العواطف، وأوفر التقدير والاحترام، لا قبب ولا مآذن، ولا زخرفة ولا نقوش، ولا حيطان وأبنية شاهقة، وإنما فضاء رحب عار تعلوه سماء زرقاء صافية، ويغشاه سكون رتيب حبيب إلى النفوس، ويضفي عليه الجلال وقارا وأي وقار، وسموا ما بعده سمو..وحتى الرفات لا يعلو عن الأرض إلا قليلا وقد غشي برخام أبيض ناصع، كصفاء صاحب القبر ونقاوة سريرته!
لكن قبل أن تدخل القبر تلقاك في المقدمة أشجار الدوح والتفاح والإجاص والدلب الطويلة العمر، ودوالي العنب والفواكه، وجداول الماء تشاب في الأخاديد باعثة الحياة في هذه الأدواح التي تحيي الزائر بلفحة من نسيم عذب، ودفقة من أريج عطر ممتاز... حتى إذا تابعت الخطو وجدت على يسارك المسجد العظيم البسيط في آن واحد، حلي بثريا ضخمة نحاسية من هدايا صاحب الجلالة الحسن الثاني المعظم نصره الله، وفرشت أرضه بزرابي مغربية فاخرة من مكارم أمير المومنين. وقد أدينا فيه صلاة العصر صحبة جماعة من المسلمين، الذين لا يخلو الضريح منهم في كل وقت، من زائر أو متبارك أو متعبد. ومن هناك انتقلنا إلى الضريح من بوابة صغيرة إلى بطن صحن واسع تنبت فيه شجيرات متفرقة، ويستقر في وسطه القبر الذي وقفنا أمامه في خشوع مترحمين داعين. وعشنا ساعة من ألذ ساعات العمر، حيث غمرن جو روحاني خالص، وتجاوبت أرواحنا في سبحات قدسية ومناجاة إلهية وفيوضات ربانية. ونسينا أنفسنا فلم نعد نشعر إلا بأطياف من نور تحيط بنا، وتنعش أفئدتنا، وتروي طاقات الشعور فينا بفيض من حكمة وقبس من هدى!
وتوالى أمامنا شريط الحياة.. حيث تمثلنا صاحب المزار وهو في فجر الحياة صبيا يحبو إلى الحياة في رفق، وقد فقد الوالد واكتفى بحنو الأم التي عرفت كيف تفجر فيه طاقات الإبداع وتخلق منه الشخصية العصامية الفذة، مستعينة بالتركة الضخمة الت خلفها الراحل المأسوف عليه، وهكذا اسمتد من الحرمان قوة على العمل، ومن الحزن عونا على المعالي، وأضحى قوي الذاكرة سريع الحفظ والبديهة، وتوالت الأيام وهو يسرع الخطى نحو المعرفة بلا هوادة، وعشق الحديث النبوي تنسم عطره واستحلى ورده فأصبح الخديم الذي لا يمل الخدمة، والجليس الذي لا يود الفراق، والعشيق الذي يديم الوصل واللقاء!
اتكون الأقدار هيأت الرجل الأعجمي ليقوم بالمعجزة الفريدة؟ أيصح في الأذهان أن ينهض بعبء جمع التراث النبوي والدفاع عنه، وتنقيته بعيدا عن موطن هذا التراث، وغريبا عن موقف هذا الفيش المحمدي؟؟
انه القدر حكم حكمه لا مرد له أن تكون هذه المفخرة من نصيب هذا الرجل، الذي قدر له أن يلعب في تاريخ السنة النبوية المحمدية أروع الأدوار وأكبر المشاهد. والذي لم يثنه عن عزمه الشدائد والصعوبات ولم تعقه العراقيل والأزمات، بل خطط لنفسه الطريق، ومهد بعزيمته السبل لمن أتي بعده، وسار في هذا العمل على منهجية فريدة في بابها، فلا ثقة في راوية إلا بعد التيقن من سلامته وصدق طويته، ولا إيمان بحديث نبع من إمام الهدى محمد (ص) إلا إذا عززته الدلائل وقامت الحجج القطعية على صحته وثبوت نسبته إلى صاحب الرسالة عليه السلام. وهي خطة كانت جريئة وحاسمة في وقت كثرت فيه الأشواك واستعصت فيه القلوب، ونبغ الشر ففرخ وبيض، وطلعت الفرق والنحل تلقي بترهاتها وتزوق الأكاذيب ببهتانها، وكان لابد من سيف صارم يحد هذا السيل من الأكاذيب ويلقم أصحابها الحجر، ولم يكن هذا السيف سوى الإمام البخاري الذي رأيناه ينتقل عبر المدن الإسلامية والحواضر الكبرى، دارسا منقبا، باحثا مستقرا، ناقدا مصححا، مهذبا مكملا. لا تؤثر فيه صعوبات الطريق ولا وعثاء السفر، بل كان شعلة من إيمان وعزيمة من يقين وقوة في الحق لا تلين.. أخذ على عاتقه ان يصفي السنة مما علق بها، وأن يطهرها من المرجفين الذي حاولوا أن يلصقوا بها ما حاولوا. وتصدى لعمله بعزيمة فولاذية فما أخطأ السبيل ولا ضل عن القصد، بل وسعته الآمال فاحتواها، ورضي بالصبر فنال المبتغى، وتلك هي العبقريات التي ندر وجودها وقل نظيرها!!
وقد يتساءل وما هو السر في هذا المجهود؟ بل ما هي النتائج التي توصل إليها وأين نقلها في الميزان جين تحسب الأعمال؟ والواقع ان هذا  التساؤل لا يصدر إلا عن جهول، فإن المجهود الذي بذله الإمام البخاري ليس بالشيء السهل الذي يستطيع كل من هب ودب ان يقوم به، فان التحري في معرفة الرجال لا ينبغي أن يكون بدون تخطيط أو تنظيم، بل لا بد فيه من حاسة فنية وعبقرية علمية خبيرة تستطيع زيادة على المعلومات أن تضع بها يدك على الجانب الخبيث او الطيب في الإنسان.. ولا يستطيع أن يملك هذه الحاسة إلا من وهب قوة الإيمان، ورهافة الحس ونبل المقصد وسلامة الطوية، وإلا انقلب الوضع وزين ما هو قبيح، وحمل على ما هو طيب! وهنا تتفاوت العقول ويتباين الرجال!! فالذي يستطيع أن يميز بين المعتزلي والقدري والشيعي والمرجئي والخارجي والحلولي.. والذي يمر من هذا الطريق دون أن تصيبه الشظايا وتعرقل سيره الأهواء هو الشخص الذي يطمئن إلى حكمه، وترضى الحلول التي وصل إليها... ومر بنا الشريط ونحن في هذه الرقدة الروحية تتعالى أنفاسنا ثم تنحدر، وتسمو بنا الروح ثم تتواطأ لا نشعر بمرور الوقت ولا بهدوء الطبيعة، ولا بأسراب الطيور وهي في طريق العودة، ولا بالصدة وهو يتجاوب عبر الجنبات. فقد غشينا وما غشينا، وتوالت المنع فغاب إحساسنا لمدة ما. حتى أفاقنا أحد الرفاق من الحلم اللذيذ طالبا أن نتوج الزيارة بختمة كريمة للقرآن، وفعلا انعطفنا لهذه الرغبة، وتحولنا إلى دوحة جميلة وضع أمامها ما لذ وطاب، وهناك قسمنا بيننا المصحف وشرعنا في التلاوة المباركة، والنشوة تغمرنا، وحرارة الإيمان تدفئ نفوسنا الظامئة دوما إلى العلا. وما إن أكملنا التلاوة حتى كانت الشمس مالت إلى الغروب، وجنحت إلى الأفول مخلفة في الأفق حمرة مشعة تضفي على الكون جمالا وأي جمال، لكأن الدنيا أصبحت قيثارة فنان أبدعت وأنعشت!
وعدنا إلى القبر المبارك لنختم القرآن هناك جماعيا، وقرأنا الفاتحة ورفعنا أكف الضراعة إلى العلي القدير أن يحفظ للمسلمين إيمانهم، ويعزز مكانتهم، ويقوي صفوفهم، ويعيد لهم أمجادهم ويرزقهم العزة من عنده، ويجمع كلمتهم على الحق سواء. كما توجهنا إلى المولى ذي العزة والجبروت أن يحفظ مولانا أمير المومنين الحسن الثاني ويدعه لشعبه وينصره ويوفقه لخدمة أمته وإعلاء كلمة الدين في ربوع وطنه، ولسائر أمراء ورؤساء المسلمين في العالم الإسلامي بالتوفيق في مهامهم وخدمة شعوبهم، وتحقيق الأماني التي تعلقها عليهم شعوبهم إنه سميع مجيب.
وآن وقت الرجوع إلى سمرقند حيث المبيت، وودعنا المثوى الخالد في خشوع وكان على رؤوسنا الطير، وودعنا المكلف بالضريح بباقة جميلة قال أنها ورود البخاري!!
كما ودعنا الجماعة المؤمنة التي صادفنا وجودها هناك.. وكانت  ساعة من أمتع الساعات وأخلدها، اعتبرناها فرصة العمر، حيث أدينا واجب الاحترام والتقدير – من ضفاف الأطلس إلى أعماق آسيا الوسطى – لرجل وأي رجل: فرد من خير ما أنجبت الأمة الإسلامية شرقا وغربا، رجل آمن بنفسه وعرف كيف يوجهها التوجيه الصحيح، واستطاع بذكائه وقوة جنانه وصدق يقينه ومحبته لرسوله، أن يكسب محبة الملايين من المسلمين الذين عرفوا ما قدم لدينه، وآمنوا بنبل الرسالة التي أخذ على عاتقه القيام بها، فأحسن الأداء ووفى بالأمانة.
وهكذا يقدر الخلود للعاملين، وتكتب العظمة للعباقرة الذين يكافحون في صمت، ويجالدون دون ان يفكروا في الجزاء!
إنه الإلهام الذي يكشف الحجب أمام المتعلقين بالمثل العليا، وينير الطريق أمام العظماء، ليقدموا العطاء الجزل بدون حساب، ويضعوا اللبنات الواحدة تلو الأخرى دون ضجيج أو صخب!
إنه الخلود الذي آمنا به حقا حين كنا نلوذ بأفناء الضريح، فلا نسمع ضجة أرعن ولا نامة مزمار، ولا ترتيل منشد، وإنما هدوء حبيب إلى النفوس، وسكون قريب إلى الطليعة، وبساطة أكثر من اللازم.. ولكن رغم ذلك كانت العظمة تلف المكان من كل جوانبه، وكانت الرهبة والصمت  المطبق يضفي على البقعة إجلالا ما بعده من إجلال، وقدسية ما بعدها من قدسية.
إنه ضريح الإمام العظيم، ناصر السنة والحق المبين وزعيم المحدثين  بدون منازع، محمد بن اسماعيل البخاري الجعفي.. وكفى!

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here