islamaumaroc

التوحيد وتحرير الضمير الإسلامي تحت ضوء الإسلام -4-

  دعوة الحق

140 العدد

                                                      - 4 -
3) التوحيد في حقول المعارف الصوفية (تابع)
- مراتب التوحيد في نطاق الاختبار الصوفي
يعرض علينا إمام التصوف في عصره، شيخ بغداد، أبو القاسم الجنيد، في نص هام معزو إليه، نظريته الكاملة في التوحيد وأطواره، والفناء وأحواله، والبقاء وصوره، ونحن، في هذا الموطن، نثبته بحذافيره اعترافا منا بقيمته التاريخية والفكرية.
"أعلم أن أول عبادة الله – عز وجل ! – معرفته وأصل معرفته، توحيده. ونظام توحيده، نفي الصفات عنه بالكيف والحيث والأين. فيه (تعالى ! - ) استدل عليه. وكان سبب استدلاله، به عليه، توفيقه : فبتوفيقه وقع التوحيد له، ومن توحيده وقع التصديق به. ومن التصديق به وقع التحقيق عليه ومن التحقيق جرت المعرفة به. ومن المعرفة به وقعت الاستجابة له فيما دعا إليه. ومن الاستجابة له وقع الترقي إليه. ومن الترقي إليه وقع الاتصال به. ومن الاتصال به وقع البيان له. ومن البيان له وقع الحيرة عليه. ومن الحيرة ذهب عن البيان. ومن ذهابه عن البيان له انقطع عن الوصف له. وبذهابه عن الوصف وقع في حقيقة الوجود له وقعـ (ت) حقيقة الشهود : بذهابه عن وجوده وبتفقد وجوده صفا وجوده. وبصفائه غيب عن صفاته. ومن غيبته حضر كليته. وعن حضور كليته فقد كليته : فكان موجودا مفقودا، ومفقودا موجودا ! فكان حيث لم يكن، ولم يكن حيث كان ... " (مخطوط شهيد علي باشا، خزانة السليمانية، اسطنبول، رقم 1374 – ورقة 62 – 63).
                                                 *
إن الباحث في تاريخ التصوف الإسلامي يستطيع أن يلاحظ أن مبدأ التوحيد كان قد مر بأدوار ثلاث، ومراحل ثلاثة، وكان في كل دور وفي كل مرحلة على صلة وثيقة بروح العصر وثقافته. بل كانت فكرة التوحيد، بصورة خاصة، على انسجام تام مع شخصية التصوف وحقيقته، الذي بدأ رجاله، ابتداء من القرن الثاني للهجرة، يشعرون بوجودهم ورسالتهم في ضمير العالم الإسلامي، وفي توعية الجماعات الشعبية وتعبئتها.
ولكن، قبل استعراض أطوار الاختبار الصوفي لمبدأ التوحيد، على مجرى العصور التاريخية، لابد لنا من وقفة عجلى أمام اعتراض أو أشكال قد يثور في النفس – وهو تأثر فعلا – إزاء فكرة التوحيد عند الصوفية. بل إن هذه المشكلة، كما سيتضح لنا جليا فيما يلي، تمس طبيعة الإيمان بالله وصميم الحياة الدينية، من حيث هي تجربة ذاتية واختبار واقعي للوجود الإلهي. هذا الاعتراض يمكن صياغته على النحو التالي : موضوع التوحيد الصوفي وجوهره – بل كل مظاهر التوحيد في الوجود والفكر – إما أن يكون الذات الإلهية (وهذا هو التوحيد الذاتي)، أو الأفعال الإلهية (وهذا هو التوحيد الفعلي)، واللون الأول للتوحيد لا مجال للعقل فيه : "إذ هو، على حد ما يقوله الشيخ الأنصاري الهروي، صاحب منازل السائرين، توحيد قائم بالأزل، اختصه الحق لنفسه، ولا يستحقه لغيره" (منازل السائرين، باب التوحيد، آخر أبواب الكتاب).
أما اللون الثاني من التوحيد الصوفي (= التوحيد الفعلي) فهو الذي عناه الشبلي بوصفه الحزين : "كل ما ميزتموه بأوهامكم وأدركتموه بعقولكم، في أتم معانيكم، هو مصروف، مردود إليكم، محدث، مصنوع مثلكم". وهو الذي أشار إليه، أيضا ذو النون المصري بأسلوبه المتشائم : "مهما تصور في وهمك شيء فالله تعالى بخلاف ذلك". – وكل ذلك يدل، بصورة واضحة حاسمة، - وهذا هو وجه المشكلة، في هذا الموطن، وأساسها – أن التوحيد الصوفي (بل جميع مظاهر التوحيد الديني واللاهوتي) إن في مستوى الفعل الإلهي (=توحيد الفعلي) أو على صعيد الذات الإلهية (= التوحيد الذاتي) لا جدوى منه في نهاية المطاف، ولا قاعدة له في نفس الأمر. وقد حاولنا، في آخر المقالة الثالثة من هذه البحوث، شرح هذه الظاهرة الخطيرة في الحياة الروحية والعقلية.
وإذن، إن مشكلة التوحيد الصوفي (وكذلك الشأن، في الحقيقة، بالنسبة إلى الإيمان بالله ذاته، من حيث هو اختبار شخصي واقعي، لا مجرد معرفة نظرية جدلية) هي حقا معضلة قائمة وثابتة، وعجز العقل الإنساني (أو إفلاسه) في هذا المقام، هو عجز مطلق وإفلاس مطلق. ومع ذلك، فهذه المشكلة المعضلة لم تحل أبدا دون تطلع الروح البشرية، على مدى العصور، إلى آفاق التوحيد وسماء الوحدانية. بالعكس : لقد زادها الحرمان ظمأ على ظمأ، وحرصا على حرص، ولهفة ما لها انقطاع. وأتاح لها عجزها أن تلمس، خلال مسيرتها في صحراء الحياة، مأساة الوجود الإنساني. ويسر لها إفلاسها أن تعي تماما إن الإيمان بالله، الذي هو ضمان سلامها وأساس كمالها ووجودها، لا يتحقق إلا بمدد السماء، أي عن طريق وحي الأنبياء، وفي ظلال رعاية الأولياء وهداية الأصدقاء الأوصياء.
فالتوحيد، على ضوء التجربة الصوفية والاختبار الذاتي، ليس هو توحيد العبد للرب فحسب، أي ليس هو أمرا إنسانيا محضا، يستقل به المرء بمفرده. بل التوحيد، في الحقيقة هو توحيد الرب للعبد، يتلوه توحيد العبد للرب ! ويتم ذلك ويحصل عند كشف الألوهية عن أسرار وحدتها وأنوار كمالاتها (وهذا هو الجانب الإلهي في التوحيد)، وعند قبول الإنسان لهذه الأسرار والكمالات وسريانها في أقطار كيانه، فكرا وإرادة ونشاطا (وهذا هو الجانب البشري في التوحيد).
                                                      *
أ – التوحيد الإرادي
حينما تملأ العقيدة – أية عقيدة كانت – جوانب القلب الإنساني، وحينما تستحوذ الفكرة – أية فكرة – على المشاعر البشرية، ينفعل المرء بأسره لها، ويستجيب بكليته لندائها. عند ذلك تتجمع رغباته المتعددة، فتصير رغبة واحدة، وتنحصر آماله المبعثرة فتصير واحدة، وتتركز أهدافه المتفرقة نحو هدف وحيد. وإذ ذاك تبدو معالم شخصية الفرد وتتضح سماته، في وحدتها وتكاملها وصفائها. وإذ ذاك يتوفر للإنسان أن يؤدي رسالته ووظيفته، كعضو عامل في ترقية الوجود، وكأثر فعال في تجميل الحياة.
هذا النشاط المعنوي الخلاق، وهذا العمل التحريري المبدع هو ما يسمى في اصطلاح الصوفية بالتوحيد الإداري.بيد أن هذه الفكرة السامية، في حقل الأذواق والمعارف التصوفية، لها معنى خاص ودلالة محددة. إن التوحيد الإداري هو، بكل دقة، اختبار للوحدة الإلهية وتعبير شامل لها، على صعيد الحياة العملية الإيجابية، بعد أن كشفت له هذه الوحدة المتسامية عن أسرارها اللامتناهية وعن كنوزها الأزلية. إن ما ينشد الصوفي في "التوحيد" ليس هو العثور على برهنة جدلية أو عقلية لمبدأ الوحدة الإلهية، بل الشهادة الصادقة الحية لهذه الوحدة ذاتها. إن "التوحيد" عنده قضية كلية، تطلب حلا كليا، وتقتضي اتخاذ موقف كلي. فالتوحيد، في نظر الصوفي، هو وحدة الإرادة والفكرة، هو وحدة الحس والوجدان هو وحدة الروح والكيان.
في مجال "التوحيد الإرادي" تذوب إرادة العبد في إرادة الرب، وثمة لا يريد المرء إلا ما يريده الله، ولا يحب المرء إلا ما يحبه الله، ولا يكره المرء إلا ما يكرهه الله. وفي هذا الفناء الإرادي، بل في هذا التسامي الإرادي يتحقق الإسلام في أجمل أشكاله الواقعية، ويتجلى الإيمان في أسمى معانيه الإيجابية. والأسوة الحسنة لصاحب "التوحيد الإرادي" هو ذاك الرسول المكرم إذ يعلن عن موقفه تجاه مطالب الحق المطلق : "يا قوم ! إني برئ مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، حنيفا وما أنا من المشركين" – (سورة الأنعام، آية رقم 79). والأسوة الحسنة لصاحب "التوحيد الإرادي" أيضا، هو ذلك الرسول العظيم، عند قوله في لحظات حياته الأخيرة : "أبتاه ! أبعد عني هذه الكأس إن شئت، ولكن إرادتك أنت، لا إرادتي أنا" (إنجيل مرقس، الإصحاح الخامس، النص رقم 36). والأسوة الحسنة لصاحب "التوحيد الإرادي، أولا وأخيرا، هو خاتم النبيين، الذي جاءه الأمر من السماء : "قل : إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له، وبذلك أمرت. وأنا أول المسلمين" ! (سورة الأنعام، آية رقم 161 – 162).
مما لا ريب فيه أن أساس الحياة الروحية والمعنوية، في مختلف المذاهب الوضعية والأديان السماوية، قائم على مبدأ "تجريد الإرادة" أو "الإرادة المجردة" أعني على مبدأ "تصحيح الإرادة وتسديدها وتركيزها". وذلك يكون بجمع أشتات الهمة وحصرها في موضوع واحد، وتوجيهها نحو هدف وغرض واحد. وهذا "التجريد الإرادي" هو السمة المميزة والطابع الأصيل لكل اختيار روحي صحيح، وكل تجربة تحريرية سليمة. لأنه، عن طريق "تجريد الإرادة" وبوساطتها، تتحقق الوحدة الشخصية في الفرد، في تكاملها وتطورها وازدهارها. غير أن عبقرية التصوف الإسلامي في هذا الميدان، هو ربطه وحدة الشخصية عن طريق الإرادة، بوحدة العقيدة عن طريق الإيمان. أن الوحدة الإلهية، في صعيد العقائد، هي عماد الوحدة الشخصية في صعيد الإرادة والسلوك : وهذا هو "التوحيد الإرادي" في أدق معانيه وأسماها، على ضوء التجربة الصوفية في الإسلام.
                                                      *
ب – التوحيد الشهودي
بدت براعم هذا الضرب الجديد من التوحيد في حدائق المعرف الصوفية، وتفتحت أزهاره ابتداء من أواخر القرن الثاني للهجرة، على السنة أمثال رابعة العدوية وأبي يزيد البسطامي، حتى تعهده، في القرنين الثالث والرابع، شهيد التصوف الأكبر الحسين ابن منصور الحلاج، فغذا بطله الملهم وفارسه المعلم وبلبه الغريد ! ويستطيع مؤرخ التصوف الإسلامي أن يحدد هذا اللون من التوحيد، من الوجهة النفسية الصرفة، بأنه شعور تام ويقظة واعية وإحساس عميق بالوحدة الإلهية المطلقة، في ذرى التأمل والمشاهدة. وهذا الوجدان الصوفي الغريب انتهى الأمر بصاحبه إلى إحساسه العميق باتحاده مع الله، بل بوحدته التامة معه . . إلا أن هذه الوحدة، في الحقيقة، هي وحدة في العيان لا وحدة في الأعيان، ولا تتحقق إلا بعد فناء المتأمل المشاهدة عن الأغيار والأكوان.
إن الحدود الفاصلة، أو الفروق الذاتية بين التوحيد الشهودي والتوحيد الإرادي، هي أن الحقيقة الإلهية لا تتبدى لصاحب التوحيد الشهودي بصورة أمر ونهي، أي في مظهر قانوني إلزامي يخضع له المرء طوعا، وتتلاشى إرادته فيه (كما هو شأن صاحب التوحيد الإرادي) بل تتجلى الحقيقة الإلهية، للمتأمل المشاهد، في صورة ذات مشخصة، هي مظهر النور الإلهي الفائق، فيهيم في جمالها الأبدي، ويتعشق جلالها الأزلي ويفنى في وجودها اللامتناهي. إن موقف صاحب التوحيد الشهودي إزاء الحضرة الإلهية، حين تتفتح له عن الألائها وعظمة أمجادها، هو كموقف قيس بن الملوح إزاء ليلى العامرية ولله المثل الأعلى في السماوات والأرض) : إذا نطق لا ينطق إلا باسمها، وإذا أبصر لا يبصر إلا جمالها، وإذا سمع لا يسمع إلا صوتها، وإذا تأمل لا يتأمل إلا سبحات أنوارها، وإذا هام لا يهيم إلا بحبها ! إنه، أبدا : فيها ومنها وبها ولها ومعها وإليها . . .
وفي الحقيقة، إن فناء إرادة العبد في سعة إرادة الرب، في "التوحيد الإرادي"، هو تسامي الإرادة البشرية، المقيدة المحدودة، إلى ذرى الإرادة الإلهية، المطلقة اللامحدودة. وإن فناء وجود العبد (في العيان لا في الأعيان) في بحر الوجود الإلهي، هو ارتفاع الوجود العارض المحدث إلى سماء الوجود الثابت السرمد. وهذه الظاهرة الخارقة للعادة – أعنى هذا التسامي في صعيد الإرادة البشرية وهذا الارتفاع في مستوى الوجود الإنساني – لا تحدث أي تغيير في طبيعة الذات الإلهية، من حيث كمالها وقدسيتها ووحدتها. ولكن التغيير كل التغيير هو ما يحصل أو يتم للمرة في هذا المقام : أنه، الآن، إنسان رباني (أي حق في مظهر خلق، وخلق في صورة حق)، وقد كان من قبل إنسانا فقط ! 
                                                   *
إذا سئلت : ما هو الموضوع الأسمى والأخص للتوحيد الإرادي، الذي تفنى فيه إرادة العبد، بل تتسامى إلى إرادة الرب؟ - أجبت : هو وحي السماء وهدى الأنبياء، وسيرة الأولياء، الآمنان، الأوصياء
وإذا سئلت : ما هو المظهر الأكمل والمجلي الأبهر للتوحيد الشهودي، الذي يفنى فيه وجود العبد، بل يتسامى إلى وجود الرب؟ - أجبت : هو الحقيقة الإلهية، في تجليها الخالد، على مسرح الزمان والمكان من خلال أشخاص الأنبياء العظام والأولياء الكرام.
وإذا سئلت : ما هو وسائل التوحيد الإرادي ؟ أجبت : الإسلام التام، أي الإيمان والإيقان والإحسان.
وإذا سئلت : ما هي أدوات التوحيد الشهودي ؟ أجبت : الحب والهيمان، النابعان من أعماق الجنان.الصادران عن فرط العيان.
وإذا سئلت : ما هي حقيقة كلا التوحيد ؟ أجبت : قيام الحق للعبد فيما أراده منه، تضحية وفداء، نسكا وجهادا. فحقيقة "التوحيد الإرادي" هيب شهادة الله، بنفسه لنفسه، على لسان عبده وجنانه وسائر كيانه، تحت ضوء شرعه، في أمره ونهيه، وحيقية "التوحيد الشهودي" هي شهادة الله، بنفسه لنفسه، عبر المظاهر النورانية في أشخاص الأنبياء والأوصياء والأولياء.
                                                     *
من خلال الآثار العديدة، التي احتفظ بها الزمان، قطعتان فريدتان للشيخ الأكبر (= سيدي محي الدين ابن العربي الحاتمي)، خالدتان لا في الآداب الروحية للإسلام فحسب، بل في الآداب الروحية للبشرية قاطبة صور شيخنا في هاتين القطعتين الخالدتين فكرته عن الله وللكون ومصير الإنسان، وذلك أثناء عرضه للتوحيد الصوفي، في مظهريه الإرادي والشهودي. عنوان القطعة الأولى "تجلى الكمال" وهي ثابتة في كتابه "التجليات الإلهية" تحت رقم 81. أما القطعة الثانية فعنوانها : "تجلى خلوص المحبة" وهي تلي مباشرة "تجلي الكمال" في الكتاب المذكور. فلنستمع إلى شاعرنا الملهم وهو يعرض علينا، بريشته العبقرية الحقيقية الإلهية في تجليها المطرد من خلال الأشياء والكائنات :
"اسمع، ياحبيبي !
أنا العين المقصودة في الكون. أنا نقطة الدائرة ومحيطها. أنا مركبها وبسيطها. أنا الأمر المنزل بين الأرض والسماء. – ما خلقت لك الإدراكات إلا لتدركني بها. فإذا أدركتني بها أدركت نفسك. لا تطمع أن تدركني بإدراكك نفسك. بعيني تراني و (ترى) نفسك لا بعين نفسك تراني.
"حبيبي !
كم أناديك فلا تسمع ؟ كم أتراءى لك فلا تبصر ؟ كم أندرج لك في الروائح فلا نشم ؟ وفي الطعوم، فلا تطعم لي ذوقا ؟ - مالك لا تلمسني في الملموسات ؟ مالك لا تدركني في المشمومات؟ مالك لا   تبصرني ؟ ما لاك لا تسمعني ؟ - مالك ؟ مالك ؟
"حبيبي !
أنا ألذ لك من كل ملذوذ ( = لذيذ). أنا أشهى لك من كل مشتهى ( = شهي ). أنا أحسن لك من كل حسن. أنا الجميل ! أنا المليح !
" حبيبي !
حبني. لا تحب غيري، أعشقني. هم في، لا تهم في سواي. ضمني. قبلي. ما تجد وصولا مثلي : كل يريدك له، وأنا أريدك، وأنت تفر مني ...
"يا حبيبي !
(أنت) ما تنصفني. إن تقربت إلي تقربت إليك أضعاف ما تقريب به إلي. أنا أقرب إليك من نفسك ونفسك. من يفعل معك ذلك غيري من المخلوقين ؟
"حبيبي !
أغار عليك منك. لا أحب أن أراك عند الغير ولا عندك. كن عندي بي، أكن عندك.
"حبيبي !
الوصال الوصال.
لو وجدنا إلى الفراق سبيلا لأذقنا الفراق طعم الفراق.     

"حبيبي !
 تعال، (هذي) يدي ويدك، ندخل على الحق، ليحكم بيننا حكم الأبد.
 "حبيبي !
 من الخصام ما يكون ألذ الملذوذات. وهو خصام الأحباب. فتقع اللذة بالمحاورة.
 ولقد هممت بقتلها من حبها
    كيفما تكون خصيمتي في المحشر
 "قل : هل عندكم من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون" ؟ لو لم يكن من فضل المخاصمة إلا الوقوف بين يدي الحاكم، فما ألذها من وقفة مشاهدة محبوب.
 "يا جان ( = روح، بالفارسية) ! يا جان (= يا روح) ! ".
                                                   *
 أما في القطعة الثانية "تجلى خلوص المحبة" فيصف لنا الشيخ الأكبر، بلغته الشعرية الأخاذة وبأسلوبه الرمزي الساحر، أحوال الفناء وصور البقاء، في ظلال الحب وحضرة الحبيب.
 "حبيبي !
 قرة عيني ! أنت مني بحيث أنا. لزيمي. قسيمي. تعالى الله ! بل أنت ذاتي. هذي يدي ويدك. أدخل بنا إلى حضرة الحبيب الحق. حتى لا نمتاز. فتكون في العين واحدا. ما ألطفه من معنى وما أرقه من مزج !
 "رق الزجاج وراقت الخمر
    فتشاكلا فتشابه الأمر
 فكأنما خمر ولا قدح
    وكأنما قدح ولا حمر"
 "عسى تعطل العشار. وتحمي الآثار. وتخسف الأقمار. وتكون شمس الليل والنهار.
 "فنفنى ثم نفنى ثم نفنى
    كما يفنى الفناء بلا فناء
 ونبقى ثم نبقى ثم نبقى
    كما يبقى البقاء بلا بقاء"
 
لا تقل ...
مدح أبو مقاتل الضرير الحسن بن زيد بقصيدة مطلعها :
لا تقل بشرى ولكن بشريان غرة الداعي ويوم المهرجان
فكرة الحسن ابتداءه بلا تقل بشرى فقال لو قلت :
غرة الداعي ويوم المهرجان لا تقل بشرى ولكن بشريان
لكان أحسن لأن الابتداء بلا قبيح، فقال له أبو مقاتل : لا كلمة أشرف من التوحيد، وابتداؤه بلا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here