islamaumaroc

[كتاب] الأدب العربي، لأندري ميكيل

  دعوة الحق

140 العدد

وهذا كتاب آخر للتعريف بالأدب العربي في السلسلة الثقافية المشهورة : "ماذا أعرف". وقد لفت نظرنا إليه، بصورة خاصة، مؤلفه "أندري ميكيل" الذي يعد من الأساتذة المرموقين في الجيل الجديد من المستشرقين. وأطروحته عن الجغرافية الإنسانية عند العرب تذكر اليوم كإحدى المساهمات العلمية الجديدة في دراسة التراث العربي. كما أن كتابه الضخم عن الحضارة الإسلامية الذي ظهر مؤخرا يقدم لنا أحد ث خلاصة وأشملها عن المعلومات والآراء المتعلقة بهذا الموضوع الكبير.
ولذلك فقد بدأ لي من المفيد أن نعرف الطريقة التي ينظر بها إلى أدبنا والتي يقدمه بها إلى جمهور القراء في فرنسا، وفي أوربا، بصفة أعم. حقا، إن أهم العمل كتاب عن تاريخ الأدب العربي بالفرنسية، يبقى هو ذلك العمل الضخم الذي يقوم به الآن الأستاذ "ريجيس بلاشير"، ولكن المؤلف لا زال، لحد الساعة، لم يخرج فيه عن عصر صدر الإسلام، نظرا لما يقصد إليه من الاستقصاء والتحقيق. ثم إن كتاب "أندري ميكيل" ألف ليكون في متناول الجمهور الواسع لا ليكون مقصورا على المختصين في الميدان. وهذا ما يجعله حافلا للآراء والنظرات عن الأدب العربي ككل، أو عن بعض عصوره أو عن بعض أعلامه أو عن فنونه وأغراضه المختلفة. فالمؤلف يريد من القارئ أن يخرج بأفكار واضحة.
وهذا بالضبط، هو ما يستلفت نظرنا بصورة خاصة، نحن قراءه من العرب. فكتابه بالنسبة إلينا مرآة جديدة نريد أن نرى فيه وجهنا عسانا نطلع فيه على جديد. وهذا الجديد لا محالة من اكتشافه، لأن الإنسان لا يستطيع أن يستوعب معاني صورته في نظرة ولا حتى في نظرات. ولهذا فإنه يحب، من حين لآخر، متى سنحت الفرصة، أن ينظر إلى وجهه من جديد.
وبالفعل، فإن مطالعة هذا الكتاب لا تخلو من فائدة، لأن المؤلف لا يقتصر على تلخيص المعلومات والآراء المعروفة، بل هو يبذل مجهودا جديدا ويحاول أن يقدم نظرات شخصية.
وأول ما يظهر ذلك في الطريقة التي يوزع بها الأدب العربي وعصوره والتي تنعكس في الأبواب التي ينقسم إليها الكتاب. فالمنهاج التقليدي المتداول في عدد من كتب تاريخ الأدب يقسم الأدب العربي حسب العصور التالية : الجاهلية، صدر الإسلام، العصر العباسي الأول، العصر العباسي الثاني، العصر العباسي الثالث، العصر المغولي، عصر الانحطاط، عصر الانبعاث. ومثل هذا التقسيم الذي يعتبر قبل كل شيء الأطوار السياسية التي مر منها العرب والإسلام قد لا يتطابق مع المراحل الطبيعية التي اجتاز منها الأدب، في حد ذاته. وهذا ما يجعلنا نجد في عصر الانحطاط، مثلا، أدبا لا يدل على انحطاط.     
ولذلك، فليس من الخطأ في سيء إعادة النظر في التوزيع الزماني التقليدي للأدب العربي.
والمحاولة التي يقدمها لنا أندري ميكيل، في هذا الصدد، جديرة بكل اعتبار. وهي على كل حال، صالحة لأن تكون أساسا للبحث والمناقشة. فهو يقسم الأدب العربي إلى رابعة عصور كبرى :
- العصر الأول وهو عصر الأدب الفاتح وهو الذي يقترن مع انتشار الإسلام وخروج العرب من جزيرتهم واستقرارهم بعدد من الأقطار المفتوحة، فكانت لغتهم هي لغة المنتصر وأدبهم هو أدب المنتصر.وفي هذه الفترة التي تبتدي من الجاهلية إلى قيام العباسيين يمكن القول أن الأدب العربي، في شعره ونثره، وفي سائر فنونه ظل محافظا على سماته التقليدية وعلى طابعه العربي البحث.
- العصر الثاني وهو عصر أدب الإلتقات، وفيه تلتقي الثقافة العربية الأصلية مع الثقافات الأخرى من يونانية وفارسية وهندية ألخ . . . فتتكون من هذا المزيج، في ظل الدولة العباسية، ثقافة عربية إسلامية تمثل طور الحضارة بكل معنى الكلمة.
- العصر الثالث وهو عصر أدب الذكرى، وفيه أصبح معظم النشاط الأدبي يقتصر على حفظ التراث وجمعه في موسوعات مختلفة.
- العصر الرابع وهو عصر الانبعاث.
هذا هو التقسيم الذي ينتهي إليه المؤلف وهو لا يعتبر المراحل السياسية في حياة العرب بقدر ما يعتبر التحولات التي طرأت على جوهر الأدب وعلى الدور الذي يلعبه في حياة المجتمع وتاريخه. فهو بهذا المعنى . . يتتبع بصورة أوضح، المفاصل الحقيقية لتاريخ الأدب في حد ذاته. ومع ذلك، فهو في حاجة إلى مناقشة.
وهنالك موضوع ثان آثاره المؤلف في لمحة وجيزة وهو معنى كلمة عرب أو عربي، حينما نتحدث عن ثقافة العرب أو الأدب العربي. فهل هذه الكلمة لها مدلول سلالي ؟ هل تفيد أننا نفكر في أحفاد قحطان وعدنان، بصورة خاصة ؟ كلا، لقد أصبح لكلمة عرب مدلول جديد بعد مجيء الإسلام. ويفسر ذلك، انطلاقا من اللغة فيقول :
"إن العربية لغة ذي دعوة عالمية هو الإسلام الذي يمثل تجمعا لأمم مختلفة. وهي أمم تلقت مع العقيدة لغة اعتبرت من الأول مثالية لأنها هي أساس التنزيل : وعلى أي حال، فهي لغة ستصبح هي التعبير المختار، لعالم ممعن في التنوع، من دون شك، ولكنه، بسبب اختياره التعبير باللغة العربية، عالم يعلن انتماءه لثقافة مشتركة شعارها هو تلك اللغة ذاتها".
وإذن، فالعروبة، في نظره، تستند على التراث الثقافي واللغة ولا أثر فيها للعنصرية والقومية الضيقة. هكذا، على الأقل، تدرجت أثناء العصر الوسيط حيث كانت تعبيرا عن حضارة مشتركة بين شعوب شرقية وغربية من سلالات مختلفة. وكل هذا يلفت النظر إلى الوضع الخاص والفريد من نوعه الذي حظيت به اللغة العربية. ويفسر المؤلف انتشارها ونجاحها الكبير بالدور الذي لعبه الإسلام في حياة الأمة الإسلامية، إذ لم يكن دينا منحصرا في النطاق الروحي وحده، بل إن تأثيره كان متغلغلا في الحياة الاجتماعية، على اختلاف مستوياتها وتعدد مناحيها، بحيث كان يعايش الفرد والجماعة باستمرار.
وعند ما يتطرق المؤلف إلى الكلام عن الأدب العربي الحديث، يثير انتباهنا إلى بعض الظواهر والمشاكل الأساسية التي تهمنا من قريب لما لها من ارتباط بحياتنا الثقافية في الحاضر وكذلك في المستقبل. فما نسميه عصر الانبعاث يتلخص في سلسلة من الخطوات، لأن النهضة الناجمة عنه لم تحدث دفعة واحدة ولم تستفيد بعد كل طاقاتها، فقد وضعت اللبنة الأولى في عهد محمد علي الذي، بفضل إصلاحاته العميقة، ربط ما بين مصر والحضارة العصرية وكان رفاعة الطهطاوي خير من يمثل هذا الرعيل الأول في ميدان الفكر والأدب. أما اللبنة الثانية فقد وضعت بلبنان في أواسط القرن التاسع عشر حيث وقع تنافس في ميدان التعليم بين الإرساليات التبشيرية. كما أن السياسة التي سلكها إبراهيم باشا ابن محمد علي في تلك البلاد كانت مشجعة على النهوض.
وهكذا لمعت في الأفق أسماء بعض الكتاب البارزين مثل ناصيف اليازجي وبطرس البستاني وأحمد فارس الشدياق. وبنزوح عدد من رجال الفكر اللبناني إلى مصر تحت ضغط العثماني تدعم تيار النهضة الفكرية ببلاد الكنانة وتنوعت اتجاهاته. فظهر الاتجاه القومي في الصحافة التي أخذت نطاقها يتسع، وظهر الاتجاه الأدبي البحث بتعريب عدد من روائع الكتب الأوروبية، كما ظهر الاتجاه الديني في الحركة الإصلاحية التي انطلقت على يد جمال الدين الأفغاني واستمرت مع محمد عبده، ثم مع رشيد رضا.
وجاءت المرحلة الثالثة فيما بين الحربين حيث تحررت الأقطار العربية نهائيا من السيطرة العثمانية، لكنها ظلت، بكيفية أو بأخرى، خاضعة للنفوذ الأوربي، مما جعل رجال الفكر يعيشون أزمة هي، حسب تعبير المؤلف "أزمة الاستغلالات الشكلية"، مشيرا بذلك إلى معاهدات الاستقلال التي عقدت مع بعض الأقطار العربية قبل الحرب العظمى الأخيرة والتي لم تكن مرضية للوطنيين في الأقطار المعنية.
وتبدأ المرحلة الرابعة في عصر النهضة غداة نهاية الحرب الأخيرة غذ حصلت الأقطار العربية في غالبيتها على الاستقلال وتبين لها بعد التجربة أن الاستقلال لا ينحصر في الاستقلال السياسي، بل لا بد من تدعيمه بالمقومات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية ولا بد من بذل الجهود المتواصلة في هذا السبيل الذي هو سبيل الاختيار الصالح وانتجاع أقصر الطرق لبلوغ الأهداف المنشودة. وتلك هي المرحلة التي نعيشها الآن والتي يحاول أدب اليوم أن يعبر عنها بشتى الوسائل والأساليب.
ويرى المؤلف أن ادب عصر الانبعاث، بسبب هذه الظروف المختلفة التي أحاطت بميلاده ونموه، وهو أدب التزامي بكل معنى الكلمة. فقد تجند الكتاب والشعراء للدعوة للنهوض واليقظة والتقدم، منذ اليوم الأول، ودافعوا عن الشخصية الوطنية ومقوماتها ومهدوا بكتاباتهم وأشعارهم لكل الخطوات الإصلاحية.
وعرفت اللغة العربية ازدهارا جديدا مع توسع الصحافة والنشر وتحررت من قوالب عصر الانحطاط وأساليبه. وحاولت أن تكون أداة فنية طيعة في يد أبناء الجيل تعبر عن مشاعرهم ومفاهيمهم. وما كانت هذه العملية لتخلوا من مشاكل وصعوبات. فاللغة العربية لها وضع خاص بين سائر اللغات العالمية.
فلا هي بلغة الشارع والمحادثة العادية مثل الفرنسية أو الإنجليزية، ولا هي باللغة الميتة مثل اللاتينية واليونانية القديمة. بل هي لغة حية بإدارة شعوبها وتعلقهم بها، ولكونها، بالإضافة إلى ذلك، عامل توحيد بين سائر البلدان العربية، وهو دور لا يستطيع أي لهجة عامية أن تضطلع به.
ويرى المؤلف أن الجهود الحالية في ميدان التجديد اللغوي تتجه نحو إيجاد "عربية وسطى" لأنها تربط بين العصور القديمة والعصور الحديثة، ولأنها تربط، من جهة أخرى، بين سائر طبقات المجتمع غذ ستكون كلها استفادت من التعليم وارتقت نحو نوع من التعبير الممتاز، ولأنها، في الأخير، ستربط بين سائر الشعوب العربية، مهما تباعدت ديارها.
ثم يستعرض المؤلف الفنون والأغراض التي خاضها الأدب العربي الحديث، فيرى أنه حقق تقدما ملحوظا في ميدان التمثيلية مع توفيق الحكيم والرواية مع طه حسن ونجيب محفوظ وذو النون أيوب وغيرهم.
ونلاحظ عليه هنا أنه لو يعر كبير اهتمام لميدان التفكير، بصورة خاصة، سيما وأنه ميدان حفل بإنتاج ضخم. ولكنها ملاحظة لا تجرد الكتاب من فائدته.
ويختم "أندري ميكيل" كتابه بإثارة مشكلتين هامتين لهما مساس بالمستقبل : أولاهما تعني ضرورة تجديد اللغة، لكن مع المحافظة على بنيتها الأساسية التي بدونها سيفقد الأدب شخصيته وهيكله إليها الكتاب بعجلة فنجعل منهم أصواتا منعزلة أو غير مفهومة في المجتمع. ومهما يكن، فلا بد للأدب من أن يتفاعل مع التاريخ فيكون صدى له كما يمهد لمرحله القادمة.     

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here