islamaumaroc

حضارة في ضباب القدم

  دعوة الحق

140 العدد

كل العلماء والمؤرخين الذين تحدثوا عن الأدب العربي جعلوا الأدب الجاهلي منه في الذروة ولم يجدوا به أكثر من مئة وخمسين عاما قبل الإسلام. وفي هذا المقال رأي جديد يكاد يهدم النظرية السابقة ويبرهن على أن هذا الأدب ليس إلا آثار أدب أسبق منه وقد تلقطه العلماء وهو في طريق انحداره قبيل البعثة.
إن للجزيرة العربية تاريخا قديما، وشعرا قديما وحضارة أقدم من سد مآرب. وفي هذا المقال ضوء على طريق البحث الجديد، ومعالم نظرية جديدة كما يقول الدكتور حقي صاحب هذه الفكرة . . .
 
كنت دائما أتساءل : كيف أتيح لصحراء العرب القاحلة أن تنتج هذه الكثرة الوافرة من شعر فخم خالد على الزمان، في وقت كانت فيه الجهالة فاشية في العالم أجمع ؟ ! وكنت أستغرب جفاف العقل في صحراوات العالم الأخرى، ومحلها الوجداني، وقحطها الفكري، كصحراء إفريقيا الكبرى وكالاهاري، وصحراء أمريكا، وصحراء غوبي الأسيوية . . . وأقيس صحراءنا عليها، فلا أجد لها ميزة طبيعية ترفع سكانها إلى هذا المستوى السامي من القدرة اللغوية على الوصف الدقيق والتعبير عن أرق خلجات النفس، مما لا نزال نستجده ونسبغه ونتحلى به في منطقنا نحن أبناء القرن العشرين، قرن الحضارة الرفيعة والفن الرائع والعلم الواسع.
وكنت ألجأ إلى الكسل العقلي، كما لجأ قبلي كثير، فاعتقد بأن العرب جيل من الناس، ركبت العبقرية في سنخهم منذ خلقوا. ونبتت البلاغة في غريزتهم مع وجودهم، وسبح الشعر على لسانهم طبيعة، كما يأكل الإنسان السوي ويشرب وينام . . ! وإن الله فضلهم على سائر شعوب الأرض بما وهبهم من صفات مميزة منذ أقدم العصور، وحرم منها سواهم . . . !!
على أن هذا النمط من التفكير المستسلم الخامل، إن صلح للعامة تعيش به وتسعد، فلن يزيد الباحث المفكر إلا لقلقا ونزوعا إلى استكشاف الحقيقة من مطاوي الغيب مهما طال به الجمود.
وكان الشك يوقظ ضميري العلمي أحيانا على هذا القلق النزاع، فلا أجد من فرق بارز بين العرب وساهم من شعوب الله المتناثرة على وجه البسيطة أمام القوانين الطبيعية وسنن النشوء والتطور والتكامل والتردي. وما تميز به العرب من شاعرية سياقة، ليس إلا تطبيقا لقانون طبيعي خفي عني وعن سواي في مبدأ الأمر، ثم تكشف عن حقيقة علمية  رائعة نتيجة لما وصلت إليه الأبحاث في فروع المعرفة الأخرى، مع تقدم الزمن ووسائله المعاصرة، وأخصها الجغرافيا والجيولوجيا والاتنولوجيا وعلم الآثار والمستحاثات والبتروليات . . .
ولقد ثبت بما يقرب من اليقين، أن الصحراء العربية لم تكن في قديم الأزمان قاحلة ماحلة كما نراها اليوم، بل كانت عامرة بالغابات سابحة بالمياه الغزيرة، نتيجة للدور الجليدي الكبير الذي مر في عمر الأرض، فهبط بالجمد من القطب حتى حاذى جنوبي أوربا، وتدفق ينابيع وأنهار ما زالت بقاياها حتى اليوم بحورا من الماء المختزن في جوف الأرض، رأينا آثارها الخيرة بما انبثق في نجد و الإحساء منذ بضع سنين من بحيرات جوفية دافقة، حملت الخير الوفير إلى الصحراء القاحلة مع الماء الخير. وكان قد عاش على هذه الثروة الطبيعية الجيل العربي الأول المتغلغل في القدم الذي لا نعرف من تاريخه شيئا، وأرتاح إلى نعيمها، واسترخى على رفاهيتها، فأنشأ الآطام يأوي إليها ويستكن، وأنشد الشعر تلبية لسبحات وجدانه ألهاني بالعيش الرخي . . وما زال الإنسان العربي يتطور بتطور الجو والأرض، وما زال الزمن الوجداني يتحول في أعماق نفسه مع تحول الجو الطبيعي البطيء، لا يشعر به ولا يحس، ، فإذا البلاد الممرعة قد انقلبت إلى صحراوات فساح، بتداول قطائها المستبدون شعر أجدادهم وأخبارهم مليئة بالأساطير خلفا عن سلف، حتى أدركها طور التدوين بعد زمن طويل فحفظت إلى اليوم.
وما أنباء طسم وجديس وعمليق وتمود وعاد وآطامها وأخبار حضارتها إلا أثرا من آثار تطور العرب في قلب الزمان العميق، مما نتلمسه تلمسا في الكتب المقدسة وأخصها القرآن الكريم. وكأني المح في قصة آدم وخروجه من الجنة رمزا لتحول عدن من جنات ونعيم، إلى صحراء جدباء بعامل طبيعي مفاجئ أو سريع، يشبه ما أحدثه الزلزال الخارق الذي أوجد حفرة الإنهدام الكبرى، التي بدأت من شمالي سوريا وانحطت في أواسط إفريقيا، وخلقت البحر الأحمر وحولت مجرى النيل . . ربما كانت قصة عدن شبيهة به لكن على نطاق ضيق صغير.
نحن نجهل وصف الحضارة العربية القديمة جهلا تاما، لكنا نلمحها فيما خلفت من آثار، ما زال بعضها مائلا إلى اليوم كسد مأرب في اليمن وسد السحقلي رب الطائف، والآطام الكبرى في شمالي حائل مما يحاذي النفوذ، وبعض أنباء القصور الخالدة في التاريخ كالخورنق والسدير، وأسماء كبار المهندسين المعماريين كسخار . . . الخ. ومن شهد سد مأرب على الخصوص، ولاحظ بناءه المحسوب حسابا دقيقا جدا عل قدر ضغط المياه المتجمعة خلفه، أدرك مستوى العقل الرياضي الرفيع الذي حسبه فوقاه حسابه، ورأي معي أن الأمة التي أنتجت مثل هذا المهندس القدير، ليست بالأمة البدوية الهينة على الحضارة والعلم كما نراها اليوم.
وفيما بقي لنا من أنباء ذلك العهد السحيق، ما يشير إلى ذلك، فامرؤ القيس – وهو من هو شهرة ودرة وشاعرية – يعوج على الديار يبكيها، مقلدا شاعرا كبيرا قديما كان معروفا لديه ولدى معاصريه، لكنا لا نعرف أكثر من أن اسمه "ابن حزام" يقول :
 عوجا على الطلل القديم لعلنا
                          نبكي الديار كما بكى ابن حزام
وزهير على عراقته في فنه، لا يجد نفسه، إلا مقلدا السابقين، منهم يستقي وعلى منوالهم ينسج.
يقول :
ما أرانا نقول إلا معارا
                         أو معادا من لفظنا مكرورا
وعنترة العبسي، شاعر الحماسة الفحل، لا يجد ما يقول في وصف المعارك والحروب، بعد أن استنفد القدامى من الشعراء مجال القول في وصف كل خالجة. يقول :
هل غادر الشعراء من متردم 
                           أم هل عرفت الدار بعد توهم
فإذا كان ثلاثة من أكبر شعراء الجاهلية، لا يجدون ما يقولون، ويقرون بأنهم عاجزون كالأطفال أمام عمالقة الشعر القديم، أفلا يدل هذا على أنهم بقية متحدرة من حضارة أرقى لا نعرف حدودها على  التحقيق ؟!
وفي أساطير العرب ما يشير إلى بقايا خيال مجنح خلاق لا تتمثل فيه الطفولة البلهاء كما نراها في أساطير البداة الآخرين، بل تمسحه كف لبقة مبدعة، تنعم فيها بمتعة فنية حلوة، وتشير إلى رقي روحي وفني كما في أسطورة الشمس والقمر مثلا.
قالوا : إن امرأة آلهة بارعة الفتنة، لكنها غيور حسود لا تطيق رؤية أنثى تنافسها في الجمال، أمرت ففقئت عيون النساء الجميلات في مملكتها تشويها لهن وتقبيحا لجاذبيتهن، واستراحت إلى بضع وصيفات لم تمسحهن كف الجمال بنعمة. وتعرت هذه الآلهة الحسود يوما أمام الغدير لتبترد من وهج الحرور بمائه النمير، فما راعها إلا امرأة بارعة الجمال مختفية فيه، تنظر إليها بعينين فوارتين بالجاذبية والسحر، وتبتسم لها وتحدق إليها صامتة، وكأنها تريد أن تقول لها شيئا. فاغتاظت الملكة لهذا التحدي أشد الغيظ، وفار حقدها وحسدها، وتدفق دمها في عروقها، فثارت ثورة جنونية، وبصورة لا شعورية غامضة، هجمت عليها بقوة وحقد، واندفعت نحوها، فأنشبت أظفارها في وجهها، وامتدت أصابعها إلى عينيها الجميلتين فاقتلعتهما بوحشية، وقذفت بهما إلى الجو، بكل قوتها، فتعلقتا في السماء تحملقان بها، وتلاحقانها في الليل والنهار، كأنهما تريدان أن تثبتا عليها جريمتها الشنعاء، وتمنعاها من الركون إلى الراحة أبد الدهر، وإذا هاتان العينان الساحرتان، هما الشمس والقمر !! وإذا الملكة الآلهة قد اقتلعت عيني ظلها في الغدير، فأصبح الظل كفيف البصر أعمى لا يرى طرقة ولا يهتدي في سبيله. مسكينة هذه الملكة الآلهة، لقد ضل عنها ظلها بعد عماه، فأصبحت حزينة باكية، تسير وحيدة بلا ظل.
وفي أسطورة طسم وجديس، تلميح إلى نوع من حكم استبدادي لا تعرفه الصحراء، قالوا : استبدت طسم بجديس استبدادا شنيعا، وأذلتها إذلالا قبيحا، حتى فرضت على فتاة جدسية أن تبيت ليلة عرسها الأولى في قصر الحاكم الطامسي، قبل أن يمسها الزوج الخاطب، ودامت هذه الحال دهرا طويلا، حتى جاء دور جارية من أكابر بيوتات جديس، أرسلت إلى الحاكم الطمسي، فباتت ليلتها الأولى عنده . . وخرجت في الصبح إلى أهلها باكية نادبة ينزف منها الدم، ويسيل على قدميها، فيرسم وراءها خطوطا وردية رقيقة حزينة ووقفت في وسط الحي تلدم وجهها بكفيها وترتجز :
ما أحد أذل من جديس
                           أهكذا بفعل بالعروس ؟ !
يرضى بهذا – يا لعمري – حر
                           من بعد ما أهدى وسبق المهر ؟ !
لأن يلاقي المرء حتف نفسه
                           خير له من فعل ذا بعرسه !!
وما زالت ترتجز وتصيح وتعول، حتى تهيج الجدسيون، وأثارهم منظر الدم النازف، فتحمسوا، وانقلبوا إلى سيوفهم فجردوها، وتهافتوا نحو الحي الطمسي مهاجمين، ووقعت المعركة بين الحيين، وحمي وطيسها، وكثر القتلى والجرحى من الفريقين، فزادهم الثأر ثورة وجنوبا وهياجا، ما زال الحيان في قتال مستمر، حتى افنيا بعضهما بعضا، ولم يبق من آثارهم جميعا إلا هذا الخبر.
وفي ملحمة فلقميش اليابلي العربي، أن فلقميش كان ينتقي على صوت الطبل أي فتاة يشتهيها، فيكون لها زوجا قبل زوجها، وكان شعبه في أوروك يعتقدون أن ذلك من مشيئة الآلهة، فقلقميش ثلثة الواحد يشر، وثلثاه جنس الآلهة.
ومثل هذه الأساطير كثير، تلمح في معظمها بقايا وذكرى قصور ودور وشعر ودور وشعر وترف ودول . . . الخ . . أين العلم يكتشفها ويعرضها للمتعطشين، كما اكتشفت آثار حضارات غارقة في بحر القدم ؟ ! وقبل أن نكتشف افاميا واوغاريت، هل كنا نعرف عنهما أكثر مما نعرف عن حضارة العرب في جريرتهم ؟! على أن أوغاريت نفسها جزء من الحضارة العربية القديمة، للتشابه العظيم بين لغتها ولغتنا في الأسماء والأفعال والتصريف والترقيم، وكذلك حمورابي في شريعته المتكاملة، والكلدان في حدائقها المعلقة، والكنعانيون والفنيقيون والهكسوس . . . الخ. كلهم بائل عربية، إما أنها هجرت الصحراء بعد جفافها، واستوطنت الهلال الخصيب، فبشت عليه هذه الدول، أو أنها كانت قارة في مكانها هذا منذ عهد سحيق، وأنشأت دولها تلك على صعيدها، فعاشت دهرا ما ثم بادت، سنة الله في خلقه، لكل حي نهاية، ما دام أن لكل مخلوق بداية.             
   ومن أكبر البراهين على أن هذه الصحراء كانت عامرة آهلة بالشجر والحيوان، والإنسان . . . هذا البحر الزاخر من البترول تحت رمالها السافية، وهل البترول إلا بقايا حيوان ونبات ؟ ! بقايا غابات وإحياء على نطاق واسع ؟ !
فإذا ثبتت هذه النظرية، سهل علينا بعدها الإيمان بعظمة ما ترك لنا العرب في جاهليتهم من شعر وأدب وعلوم، أغار عليها الزمن، ولم يسبق لنا إلا هذا الذي نرويه عنهم. وما بقي لنا ليس بالشيء القليل مهما صفيناه مما صنعه الرواة زمن بني أمية واوائل بني العباس، وروقناه وحذقنا منه ما اشتبه علينا، ففيه الشيء الكثير الكثير، وحق لنا أن نقول : لم تكن الجاهلية جهلاء إلا في أواخر عهدها وقبيل الإسلام، وإن النهضة الإسلامية وثبة أيقظت العرب من أحلام ماضيهم الغافي، وفتحت أعينهم على مستقبل حافل بالمكرمات، أين نحن من تلك الثورة العارمة والموجة العامرة بالخلق والعلم والحضارة ؟ !
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here