islamaumaroc

كتاب عن التأثير العربي في الثقافة الاسبانية (لكارلوس م. كرويزا)

  دعوة الحق

140 العدد

تكرم الصديق الأستاذ الدكتور كارلوس أريان فبعث إلي، لأسابيع مضت، نسخة من كتاب "التأثير العربي في الثقافة الإسبانية" Ifluencia arabe en la cultura espnola الذي صدر مؤخرا، ضمن سلسلة "مواضيع إسبانية" التي يشرف الدكتور أريان عليها.
وموضوع الكتاب، كما يبدو من عنوانه، يدور حول هذه العطاءات المتنوعة في اللغة والأدب، وفي الفكر والفن، تلك التي أسهمت بها ثقافة الإسلام في تكوين الثقافة الإسبانية بصفة خاصة والثقافة الأوربية بصفة عامة، وهو موضوع كما لا يخفى على المشتغلين بتاريخ الأندلس في مجالاته المختلفة سبق أن عولج بأقلام مستشرقين إسبانيين وغير إسبانيين ما يميزه عن الدراسات الكثيرة التي ألفت عن حضارة العرب في الأندلس وما كان لها من تأثير جلي في إسبانيا وأوروبا بعامة، ذلك أنني حين مضيت أقرأ هذا الكتاب استرعت نظري في فصوله خصيصتان هما : التركيز والاستيفاء مع الإلحاح على الأولى، ولست أقصد بهذا إلى الزعم بأن كتاب "التأثير العربي في الثقافة الإسبانية " يفني عن الرجوع إلى الدراسات المطولة التي كتبت حول هذا الموضوع، ولكني أحب أن أشير إلى أنه إذا لم يكن هذا الكتاب ليغني القارئ الدراسات عن الرجوع إلى تلك الدراسات – المصادر – فإنه، لا شك، يقدم للقارئ العادي، والقارئ العادي أصناف، صورة إذا اخذ عليها ضيق رقعتها فليس يمكن الطعن في إنجاح ألوانها وتآلف خطوطها.
هذا الكتاب ألفه الأستاذ كارلوس م كرويزا Carlos M. Groupesa، وهو اسم أتعرف عليه لأول مرة بين الأسماء العديدة التي أعرفها في مجال الاشتغال بثقافة الأندلس وقدرها. وقد صدر المؤلف كتابه بمقدمة قصيرة، فيقول فيه :
"تحتل إسبانيا مركزا فريدا في التاريخ باعتبارها أربه حضارات متفوقة، وهي : الحضارة اليونانية، والحضارة الرومانية، والحضارة القوطية، والحضارة العربية.
لقد اخترنا الحضور العربي في الثقافة الإسبانية موضوعها لهذا العمل، وذلك لما نجده دائما عن انجذاب إلى كل ما هو شرقي، ولما قامت به الحضارة العربية، وهذا هو الأهم : بجانب الحضارة الرومانية من دور عظيم في الحياة الثقافية الإسبانية.
هذه الدراسة مقسمة إلى أقسام ثلاثة. سنرسم في القسم الأول صورة لانتقال مقاليد الحكم من يد القوط Los Visigogdos إلى يد العرب في شبه الجزيرة الإيبيرية، وسنرصد في هذا القسم ما كان لإسبانيا من فضل على أوربا العصور الوسطى حين قدمت لها الثقافة الإسلامية. أما القسم الثاني فللم فيه بمبتكرات الأدب الإسباني في مراحله الأولية، وهي تدل على وجود تأثير عربي سواء في الشعر الغنالي أو الملحمي. وأخيرا، في القسم الثالث سندرس الإسهام القيم للغة العربية في المعجم الإسباني"
وقد عنون المؤلف القسم الأول عن كتابه : "الحضارة العربية"، وجعله في فصلين، أولهما سماه : "إسبانيا القوطية في فترات الفتح العربي"، وفي هذا الفصل يذكر المؤلف الشعوب المتباينة في اللغة والثقافة تلك التي توالت على حكم إسبانيا حتى إذا انتهى إلى ذكر القوط بين كيف أنهم بالرغم من تبنيهم لعادات الرومان وقوانينهم واعتناقهم الدين المسيحي، يمكن، من جهة أخرى، العثور على ملامح لثقافتهم في المعمار الإسباني مثل كنائس سان خوان في بانياس Banos وكنيسة مسيح النور في طليطلة وباب إشبيلية في قرطبة، ثم يستطرد المؤلف إلى ذكر عملية الفتح العربي التي امتدت شرقا وغربا وكيف إن الفاتحين العرب حين انتهوا إلى شمال إفريقيا بدأوا يتطلعون إلى فتح جنوب غرب أوربا، وحينما يشير إلى خيانة خوليان حاكم سبتة لوطنه انتقاما لشرفه الذي أهين في شخصية ابنته من طرف الحاكم القوطي، يعقب "إن الرواية العربية تذكر أحيانا بأن الملك لودريق Rodrigo هو الذي اعتدى على شرف بنت خوليان، وأحيانا أخرى تذكر بأن المعتدي كان هو الملك غيطتة Witiza ودون أن نشك في صحة الحادث نرى إن ذلك كان فط حادثا عرضيا في كارثة القوط التي لم يكن لهم مفر من تجنيها بعد فترة انحلال وتدهور".
ويذكر المؤلف بعد هذا أن "المسيحيين الذين سقطوا في يد المسلمين أثناء عملية الفتح ألفوا فيما بينهم مجموعتين مختلفتين : إحداهما مجموعة المولدين Muladies أو المرتدين عن المسيحية، الذين اعتقوا الإسلام. والثانية هي مجموعة المسيحيين المتعربين Mozarabes  الذين حفظ لهم المسلمون حرية العقيدة واللغة وطريقة العيش".
أما المسيحيون الذين فروا إلى الشمال فقد بدأوا في فترة متأخرة، يشنون الحروب على المسلمون لاستعارة أراضيهم، وهو يقول بأن كثيرا من العرب الذين سقطوا في يد النصارى حينذاك والذين عرفوا في التاريخ باسم "المدجنين Los mudéjares " كان يسمح لهم بمزاولة دينهم وممارسة تقاليدهم والتحدث بلغتهم، وقد ظل هذا التسامح المتبادل بين مسلمي إسبانيا ومسيحييها معمولا به طيلة ثلاثة قرون حتى ظهر على مسرح التاريخ المسلمون "المتعصبون" – بتعبير المؤلف – وهو يعني بهؤلاء المرابطين والموحدين الذين بدأوا – في زعمه – عهدا من الشغب والمتابعة وعدم التسامح. والحقيقة أن نعت الدولتين المغربيتين بالتعصب والبداوة نغمة أفناها في كتابات بعض المستشرقين "المتعصبين" ومن لف لفهم من بعض كتاب العرب المحدثين، وحججهم في ذلك جميعا واهية، ليست تنهض للبحث وحقائق التاريخ. وفي عقب ذلك يذكر المؤلف إن "مسيحيي إسبانيا أجبروا، أخيرا، مسلميها على ترك دينهم أو مغادرة البلاد، وقد عرف هؤلاء المسلمون باسم المورسكيين أو المسيحيين الجدد « Los neocristia,nos  Los moriscos  ولا أحسب أن هذا الكلام بحاجة إلى تعليق بشرح دلالاته على التعصب وعدم التسامح الديني.
أما الفصل الثاني من القسم الأول فهو يحمل هذا العنوان : "أهمية الثقافة الإسلامية – إسبانيا جسر ثقافي بين الشرق والغرب" وهو يرسم فيه الملامح العامة لثقافة الإسلام في مختلف إبعادها وآفاقها، مبينا رعاية بني أمية لهذه الثقافة في الأندلس وتشجيعهم لأهلها، ومبينا، كذلك، فضل العرب في إسبانيا على شعوب أوربا، لأنهم كانوا هو الذين علموها وفتحوا أعينها على كنوز الفلسفة والعلم والفن.
وسمى المؤلف القسم الثاني من كتابه : "الإسهام العربي في الأدب الإسباني" وجعله أيضا، في فصلين، عنون أولهما بـ : "الغنائية الأندلسية : الموشحات والخرجات والأزجال" وعنون ثانيهما بـ "الشعر الملحمي عند جملة ما يقرر المؤلف في هذا الفصل إن أسطورة "أزراق" أمير وادي الحجارة التي أوردها بن لقوطية فيما أورده من أخيار قصصية وسطورية في كتابه "تاريخ افتتاح الأندلس" كان لها تأثيرها ليس، فقط، في الملحمة الإسبانية وإنما كذلك في الملحمة الفرنسية كما يبدو واضحا من ملحمة أنشودة رولان Chanson de Roland ولعله من نافلة القول الإشارة إلى ما تضمنته "ملحمة السين" من تأثيرات عربية انطلاقا من اسمها المأخوذ من اللفظ العربي "سيدي" والمعروف إن المستشرق الإسباني خوليان درس هذا الموضوع في مطالع القرن الحالي. وانتهى من هذه الدراسة، وكان ألقاها بمناسبة تعيينه عضوا في الأكاديمية الإسبانية للتاريخ سنة 1915، إلى تفنيد آراء الدراسيين الذي سبقوه إلى البحث في نشأة وتطور الشعر الإسباني القصصي القائلة بأن هذا الشعر تأثر بأنشودة الفعال  Chanson de geste، وهو رأي العالم الفرنسي Gaston Paris أو تأثره بالأغاني الجرمانية التي حملها القوط إلى إسبانيا، وهو رأي جماعة من الباحثين الإسبان، وفي مقدمتهم منتدث يلايو ومنتدت بيدال الذي كان يؤكد بأنه "لمن العبث أن نلتمس في أشعار الملاحم الإسبانية الأولى مؤثرات عربية"، نقول : انتهى ريبيرا في دراسته إلى إثبات شعر قصصي أندلسي في القرن التاسع الميلادي، ثم مضى يقارن أسطورة أزراق بالشعر القصصي الإسباني والفرنسي، فوجد أن الشعر القصصي الأندلسي البدائي لا يبدو لنا مجرد محاكاة جامدة لأدب أجنبي، فهو يروي أخبارا كانت ذكرياتها غضة، مائلة في الإخلاد، إذا ذكرنا المدة بين وقوع الحادث الذي تدور الأسطورة حوله وبين اندراجها في مدونة تاريخية لا تكاد تعدو قرنا من الزمان، تنشأ خلاله الأسطورة التي تندرج في ثنايا المدونة، وتلك الأساطير الأندلسية تتفق في هذا مع الأساطير الإسبانية، ومن بعض النواحي مع الأساطير الفرنسية اللتين ظهرتا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر).
أما القسم الثالث فقد تناول فيه المؤلف "إسهام العربية في اللغة الإسبانية" وبعد مدخل موجز في التعريف بالعربية، ينص المؤلف على أن الفتح الإسلامي إسبانيا حمل بعض مسيحييها على الهجرة إلى شمال البلاد، أما الذين ظلوا منهم في المناطق التي فتحها المسلمون فقد انقسموا فريقين : فريق المسيحيين المستعربين Los mozarabes الذين عاشوا في ظل الحكم الإسلامي محتفظين بلغتهم وتقاليدهم ودينهم، وفري ثان آمن وأسلم واستعرب، ثم يقول المؤلف : "إن عامية إسبانيا القوطية، يومئذ، كانت متأصلة الجذور بحيث لم يكن في وسع العربية تنحيتها والحلول مكانها، وهذا هو ما يفسر السر فيما انتهى إليه مسيحيو إسبانيا من ازدواجية في اللغة Bilinguismo فكانوا يتحدثون العربية في حياتهم العامة وعاميتهم في حياتهم الخاصة، وهذه الازدواجية، كذلك، هي التي أتاحت للكلمات العربية ذلك التسرب الدائم إلى معجم العامية الإسبانية من نحو، وكانت سببا، من نحو آخر، في استيعاب العربية كثيرا من الألفاظ العامة الرومنسية". وتحت عنوان "الكلمات الإسبانية ذات الأصل العربي" يول المؤلف : "قدر إن أكثر من اثنين في المائة من المعجم الإسباني من أصل عربي، بمعنى إن حوالي أربعة آلاف من الألفاظ في المعجم المذكور ذات أصل عربي. وأغلب هذه الألفاظ أسماء، وبعضها صفات وقليل جدا منها أفعال" ويشير المؤلف إلى أن بعض الكلمات العربية في المعجم الإسباني ليست عربية خالصة، إن العربية بدورها أفادتها من لغات أخرى كالفارسية والإغريقية وغيرهما ويضرب أمثلة للبرهنة على ذلك، ويمضي المؤلف، بعد ذلك، متتبعا إسهام العربية في مجالات العلم والعمارة والأدب، يرصد هذا الإسهام تحت عناوين مختلفة من مثل : "العربية في العلوم" و "كلمات عربية في حديثنا اليومي" و "كلمات عربية في ملحمة السيد" و "العربية في الألقاب وأسماء الأماكن"، ثم يعقب على كل ذلك برسم صورة لحياة العرب في إسبانيا على مختلف مجالاتها وواجهاتها.
وفي خاتمة الكتاب يوضح المؤلف كيف أنه قد حاول في فصول الكتاب، على إيجازها، أن يبرز تأثير الحضارة العربية في الثقافة الإسبانية بخاصة والأوربية بعامة، وهو إذ يعترف بوجود كثير من الثغرات والهفوات التي قد تلفت نظر القارئ في كتابه – ومن الإنصاف أن نقول بأنها قليلة وغير ملفتة – يأمل أن يكون قد وفق إلى رسم صورة للتأثير العربي في الثقافة الإسبانية وخاصة ما تمثل منها في اللغة والأدب.
         
    

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here