islamaumaroc

إيثار في الجاهلية والإسلام

  دعوة الحق

140 العدد

هذا هو كعب الأيادي، الرجل الذي يضرب المثل بجوده . . . كان قافلا إلى مضاربه، مع جماعة من قومه.
كانت الصحراء تلتمع تحت أقدامهم من وهج الحر، وترسل لمعات السراب، على طول امتداد من الرمال لا يتناهى.
يقولون : إن السراب يتزيا بزي العرائس التي تصب الماء الخادع، والحياة للراكبين منون الصحراء، فإذا الراكبون يخرجون عن سواء الطريق، ويتبعون هذا البريق الكاذب ليسقطوا في فراغ واسع، أبدي، وفناء رهيب ما له من أعماقه، لاهثين من العطش، يابسي الحلوق، ملتهبي الكبود، ثم ينامون نومة أبدية في أحضان كثيب من الكثبان.
ضل الركب الطريق ! في هاجرة مستعمرة . .
وراح منه يناديهم السراب، ولكنهم كانوا يحترسون منه.
شح ما عندهم من ماء، فحرصوا كل الحرص على ما تبقى لهم منه، لأنه ماء الحياة !
وأخذوا يتقاسموا الماء شفات تبل الشفاه، ولا تروي الغليل. ولما خافوا أن تكون رشفة أكثر من رشفة، أتوا بإناء وضعوا فيه حصاة، ثم صبوا فيه من الماء، بقدر ما يغمر الحصاة، فيشرب كل واحد منهم مقدار ما يشرب الآخر.
وفي مرحلة من المراحل، نزلوا للشرب، ودار الإناء بينهم، كما تدور الكأس الغالية، حتى انتهى الدور إلى كعب . . .
فما أروع كعبا إلا أن يرى رجلا منهم يجد النظر إليه . . .
إن وراء هذه النظرة نهما إلى تلك القطرات التي سيروى بها كعب ظمأه. توقف كعب عن الشرب، وقال للرجل :
- لعلك لا تحمل الظمأ ما احتمل . . . !
والتفت إلى الساقي قائلا :
- يا هذا ! اسق الرجل نصيبي من الماء . . .
فسقاه، وظل كعب يمارس حر الظمأ . . .
ثم نزلوا من الغد منزلهم الآخر، فتقاسموا بقية مائهم كعادتهم، ولما أتى دور كعب وجد الرجل نفسه ينظر إليه كنظرة أمس . . .
فقال كعب للرجل :
- لعلك لم تعد تحتمل الظمأ . . لا بأس اشرب نصيبي . . . !
وحين نهضوا هذه المرة إلى الرحيل، وجدوا كعبا عجزت همته عن النهوض فقالوا :
- يا كعب ارتحل . . .
وهم كعب بالنهوض، ولكنه سقط على الأرض، لا يستطيع نهوضا، ولا حراكا، صاحوا :
 
- يا كعب ! إن موارد الماء قريبة، فتحامل على نفسك إن هي إلا مرحلة واحدة.
ولكنه عجز هذه المرة، عن الجواب، فعلموا أنه ميئوس منه . . . وعند ذلك، خيموا عليه بثوب، يمنعه أن يبين، خشية إن تأكله السباع، وتركوه مكانه. لقد مات كعب لينجو رفيقة من الموت.
                                                - * -
لقد تحدثت الصحراء، وسكان الصحراء عن مآثر كثيرة لمن ضربوا الأمثال الخارقة في الكرم، ولكن لم يسبق لهم أن شاهدوا رجلا يجود بروحه، مدفوعا بغريزة الكرم، ويؤثر غيره على نفسه حين تتشبث النفس بالنجاة . . .
لقد شاهدوا مثلا حيا في "كعب" الذي تنازل عن نصيبه من الماء، لرجل لم يطلب منه الماء، ولكنه أدرك أن عينه تطلب . . فسقاها . . .
هذا هو معنى الإيثار ! ومعنى التضحية بالنفس في سبيل الغير.
                                              - * -
وتذوب هذه القافلة، ليتوهج منها أنبل ضروب الإيثار، حتى تظهر مرة ثانية في وقعة يوم اليرموك   . .  وما كان يوم اليرموك باليوم القليل.
ذلك هو اليوم الذي خرجت فيه الصحراء مندفعة اندفاع العاصفة، من سكوتها العميق، لتخط قدرها في التاريخ الإنساني . . . ! بعد قتال دام استخدام فيه كل فريق ما يملك من أسباب الشجاعة والمغامرة . . . هيمن سكون المساء على ساحة المعركة، التي تناثرت فيها الأشلاء، وعاد المقاتلون الأحياء إلى مضاربهم، ينتظرون طلوع الفجر، حتى يعاودوا النضال . . .
كانت الساحة صامتة صمت الموت، شاحبة شحوب الرمال، لا يخرج منها إلا أصوات أنين، تنبعث من هنا، حينا، وحينا من هناك.
إنها نزاع على حشاشة الحياة، يتشبث به القتلى المشرفون على الموت، والجرحى الذين أقعدتهم جراحاتهم عن النهوض.
وفي جانب هذا الغسق، ينهض القمر طارحا أشعته الفضية على هذه الساحة، كأنه يتسلى بهذا المشهد الدامي . . .
في هذه الساعة، يخرج البعض يتفقدون أقاربهم، وأصحابهم، ممن لم يعودوا إلى المضارب، وقد حملوا معهم وسائل الإنقاذ، والماء لم تلتهب به جراحه ظمأ . . .
هذا هو "حذيفة العدوي" ارتقب هبوط المساء، وارتقب طويلا، وهو ينتظر أن يعود ابن عمه من المعركة . . . حتى إذا يئس من عودته، انطلق إلى الساحة، وهو يحمل قربة ماء، وراح يبحث بين القتلى عن جثة ابن عمه . . الجثث مبعثرة هنا وهناك . . . ! وأصوات الأنين، وتنهدات الجرحى تنطلق من كل مكان . . . !
- أين، يا ترى، موطن ابن عمه . . ؟ ومن ذا عسى يهديه إلى جثته إلا هذا القمر القاسية عينه، وهو يرسل أضواء الفاترة على بحيرة من دماء . . ؟
وفجأة، خيل إليه أنه يسمع صوت ابن عمه، وهو يطلب الماء.
اقترب من مصدر الأنين، فإذا هو يجد ابن عمه باركا على بركة من دمه النازف . . ناداه، ففتح عينيه الباهتتين، وأراد أن يحركه، فلم يقدر. وهم بأن يحمله فأبى . . ولكنه حرك شفتيه بتمتمة ضعيفة،  وقال :
- الماء ! . . يا ابن عمي الماء ! . .
الماء هون آخر ما يريد جريح أن يتزود به من كل هذه الحياة ! دنا منه، ليسقيه :
وفجأة، سمع أنين جريح آخر، خلفه، يطلب الماء . . فمال ابن عمه عن الماء . . وأشار إليه أن يسقي من خلفه. فربما كان أحوج منه إلى الماء.
- اسقه يا ابن عمي ! ثم عد إلي . . .
لم يستطع حذيفة إلا أن يحترم إرادة ابن عمه، فتركه إلى ذلك الجريح، واقترب منه ليصيب الماء في جوفه، فإذا أنين آخر يتصاعد من جريح آخر، يطلب الماء، بعدما شم رائحة الماء . . فيأبى الثاني أن يشتفي بالماء، فبينما رفيقه الجريح يتلهب ظمأ، فأشار إليه أن يتركه، ليسقي رفيقه . .
احتار حذيفة في أمره . .
رجال يعانون سكرات الموت، وليس لهم من أمنية إلا أن يموتوا، وعلى شفاههم قطرة من ماء، ثم يراهم يعافون هذه القطرة، ويؤثرون بها غيرهم، وهم لا يجودون، في الواقع، إلا بقطرة حياتهم الأخيرة ! . .
اقترب حذيفة من مصدر الأنين، وهم بصب الماء، في حلق الجريح الذي كان يتنوى الماء، فإذا الجريح، بين يديه، جثة هامدة، وأسرع إلى الآخر، فوجدت الموت كان أسرع إليه منه . . . وركض إلى أين عمه، ليعطيه القطرة، فوجده، قد أغمض عينيه، وجاد بروحه كريما . . . .
وقف حذيفة واجما، يتأمل في هذه المشاهد التي توالت بسرعة أمام عينيه، وهو لا يصدق ما رأت عيناه . . . !
- ليصل الإيثار للغير إلى هذا الحد . . ؟
- أتتمثل التضحية بالنفي، في صور أجلى من هذه الصور . . ؟
وعند ذلك، حمل ابن عمه إلى حفرة، يواري فيها حسده، وهال عليه التراب . . . التراب الذي يسخر من كل شيء، ويضع نهاية لكل شيء . . . حتى إذا انتهى رفع قربة الماء، وصبها على التراب، لتذوب فيه كما تذوب الحياة ! وعاد إدراجه، لا يحمل إلا قربة فارغة، وإلا سيف ابن عمه الذي لا يزال يشكو الظمأ إلى الدماء . . !
وعلى خاطره، تسرح معاني هذه التضحية، وقد تمثلت له حادثة "كعب" الذي جاد بنفسه، فيقارن بين هذه الحادثة، وبين ما رأى في هذه الليلة . . !
إن ما رآه، الليلة، أبلغ من كل ما رأى من ضروب الجود . . .
لقد رأى رجالا يتفانون في معنى الإيثار والتضحية، وهم، في موقف، ينسيهم كل شيء إلا أنفسهم، فإذا هم ينسون، أول ما ينسون، أنفسهم.
وعند ذلك، لم يستغرب أن يرى هذه الفئة الصغيرة، من قومه، التي انطلقت من قيود الصحراء، لتتحدى كل قوة خارج الصحراء ! . .
إنها كانت تحمل من طاقات القوة والبقاء، والنضال، ما لم تحمله أمة من الأمم السابقة . . هذه الطاقاتات التي نبعت من الإيثار والتضحية، هي التي حركت المجاهد ليبذل دمه رخيصا، وبالمغامر ليجود بروحه، كي يمهد للإنسانية طريقها إلى الحياة الفضلى . . وماذا يبقى للحياة من معنى، إذا خلت من معاني التضحية والإيثار . . ؟
وقد انطوت هذه القوافل، وغرقت في رمالها التي لا تزال تغني ذراتها للرياح، وخفتت أصوات أجراسها التي آنست الصحراء، واستحالت إلى أصداء مكبوتة . . !
مع هذه القوافل تاريخ أمتي . . تراث من أمجاد، ومتاع من أخلاق، ومروءة، ونجدة وسخاء . .
فيا أيتها القوافل وأصلي سيرك . . . إن القدر سيضحك لك مرة ثانية . .    
         
  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here