islamaumaroc

رسالة إلى علامة المغرب الصديق القديم عبد الله كنون

  دعوة الحق

140 العدد

إنه ليعجبني في التعبير الفرنسي قولهم : Mon vieil ami أي صديقي القديم، إذ أجد أنه لا يبقى على الصداقة في مر السنين وتقلب الأيام والشهور إلا كل خالص السريرة من الشوائب. ومن للمرء بمثل هذا الصديق في زمن ينفض فيه أقرب الناس إليه.
كنت رأيت قصة في الأشرطة الحديثة تظهر رجلا ساكنا في حي لا يسلم عليه فيه أحد لفقره وانعزاله وإذا في يوم مشرق من أيام حظه الذي كان يرتقبه، وجد إن البطاقة الأولى الفائزة بألف دينار هي التي معه، فطار عقله وجعل يصرخ كالمسعور المجنون، إذ أن هبوط الثروة عليه فجأة كاد يفقده عقله ويذهب بوقاره. فعرف بذلك جيرانه فأقبلوا عليه جماعات ووحدنا وأشاعوا في الحي مكسبه هذا المفاجئ ولم تبق امرأة معدة للخطبة والزواج إلا برزت في مقدمة الجمع تحمل إليه التهنئة وتريه كيف تصب شعاع الحب من عينها عليه ! . .
وفيما كان صاحب البطاقة في هذا البحران مر الفتى الذي بيده منشور الأرقام وهو ينادي :
- الذي معه أوراق يانصيب، فإن معي منشور الأرقام.
ووجد الجمع في حفاوة وصخب متحلقين حول جارهم الذي كان بالأمس منبوذا فاندس بينهم ولما فهم ما هم فيه من الاجتماع نشر منشوره وقال لصاحب البطاقة هات أتثبتت لك من رقمها :
فأخرجها الرجل فرحا وما كاد ينظر فيها صاحب المنشور حتى ردها إليه وهو يقول :
- يا أخي هذه ليست رابحة.
فتفرس فيها صاحبها فإذا رقم واحد يحول دون حصوله منها على الجائزة المنشودة وبطل ذلك عملها فأصبحت وريقة لترمى في الطريق.
ويلمح من البصر رفع رأسه عن بطاقته لينظر إلى الجمع الذي كان يطوقه فلم يجد أحدا، وكان رجلا يمكن أن يعود إلى صوابه فعاد وهو يخرج من حفظه أيام الدراسة هذه الأقوال :
حياك حياك من لم تكن ترجو تحيته
                  لولا الدراهم ما حياك إنسان
ويقول :
رأيت الناس قد ذهبوا
                 إلى من عنده ذهب
تلك خاطرة مرت بي وأنا أتهيأ لكتابة هذا المقال من أجل صديقي الأستاذ العظيم عبد الله كنون الذي  عرفته منذ أكثر من ثلاثين عاما لا يحيد عن مودة ولا يتراخى دون رسالة وقلت له قديما :
- يا أخي إن خط المغاربة لعسير علي فك رموزه وتصعب قراءته، فصار يكتب لي رسائله على الآلة الكاتبة فصرت استبين خواطره النيرة في رسائله الأدبية التي كانت كل واحدة منها قطعة فائقة في الفكر والشعر والفن، تصلح للنشر في كبرى المجلات. فكانت كتبه التي يؤلفها تترى علي بالبريد الجوي المسجل وكنت أحرك القلم ليلبس حلة الشرف في كتابتي عن كتبه. وظل التراسل بيننا قائما حتى تقلب بالمناصب في وزارات ورئاسات وجاء معرجا على دمشق ليراني وهو عائد من الحج رئيسا لحجاج قومه، ولقد بهت إذ رأيته مقبلا علي يسأل عن منزلي.
فأين العمامة البيضاء والبرنس الزاهي ؟؟ . .
إنه برز إلي بلباس أوروبي وبسن لم يتخط أوائل الكهولة في غير لحية على الوجه وبشاربين حليقين.
فقلت له :
- بأبي أنت وأمي، أنني لأفديك لهذه الزورة الحبيبة بعد طول ما بيننا من البعد فلقد سكنت طنجة ومنها كنت تبعث إلي بنفائسك وسكنت مدينة "القصبة".
ولم أضع سائحة في لقائه في دمشق بلدي التي يعرفه أدباؤها ويقدرون آثاره ويمجدون مثلي ذكره، فناديت عربة بحصانين ولم تكن يومئذ قد أبطلت وقلت للحوذي خذنا إلى متنزهات "دمر" إلى مقصف "إشبيلية" وقد اخترته لأن المغاربة في بلاده أكثر نبلائهم قد تحدروا من الأندلس وربما كان جدوده هو قد سكنوا إشبيليه.
وهنالك بين مطافر الماء ورفيف الهواء وراء الجلسة والصفاء أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا في لأدب والفلسفة والشعر. وما كانت دهشتي قليلة حين أخذ يقرأ لي من شعره وينشدني من بدائع مقطوعاته فقلت له :
- والله إن لك شعرا رائعا وهذه الموهبة فيك لم أكن عارفا بها قبل الآن فأنت قد جمعت عبقرية العرب من قطربها في النثر والشعر وحل الفكر فيهما محل الفلسفة والتأمل والتصوير.
وتجرأت فسألته :
- كيف حال الأسرة والأولاد ؟ . .
فأجابني بمرارة تشوبها نظرة عبر الفضاء :
- إنني لم أرزق أولادا.
فحل بي أسف لما فرط مني من سؤال وجعلت أفلسف قضية الأولاد والزواج وحدثته عن كتابي (أبو العلاء ناقد المجتمع) وأحسب أني قدمت له نسخة منه وقلت له :
- هذا أبو العلاء يفلسف الحياة في الأولاد والزوجة وقد رزق المولى زوجة تكفيك في مودتها ورحمتها حلقي وتجلجل لساني فأخرجت له من محفظة جيبي ثلاث صور لأولادي الثلاثة : ذكوان وذكاء وسماء وكانوا يومئذ صغارا ودفعتها إليه وقلت له :
- أحسب هؤلاء أولادك.
فأخذ الصور باسما مرتاحا لهذه الخاطرة الجميلة ووضعها في محفظته. وحين عدنا تحت قطع من الليل إلى دمشق كنت أحسبني حصلت في لقائه على لقاء باقعة المغرب ونابغة أدبائها.
ثم ضرب الدهر بشيء من الانقطاع حتى كنت ملحقا ثقافيا في السفارة السورية في القاهرة ودعيت لأكون عضوا في لجنة الإعداد لألفية أبي علي ابن سينا فجاء الأستاذ الحبيب عبد الله كنون إلى القاهرة مندوبا عن بلاده للاشتراك في مهرجان ابن سينا ولجنة الإعداد إليه في القاهرة فعاد إلى البرنس والعمامة البيضاء واللجنة الزهيدة التي يخوطها سواد وبياض وأبدى من البراعة في الرأي والسداد في التدبير ما أدهش اللجنة وقد أخذت بآرائه وسجلتها ليجري عليها أمر المؤتمر الذي كان معدا ليكون بالقاهرة وطهران.
وظلت في تراسل دائم إليه لا يترك، حفظه الرحمن، بادرة من بوادر ما تعزز الصلات التي نهض بها حتى طلعت علينا مجلة "دعوة الحق" فكانت موثلا للقاء أفكارنا وأقلامنا ولست أزدلف بهذا القول لأكرم به هيئة تحريرها ورئيسها الصديق الكاتب الكبير محمد بنعبد الله وإنما لأكتب كلمة الحق الذي تدعو إليه، فلقد أصبحت في أفق المجلات العربية والإسلامية المعاصرة في غزارة الفكر وطيب الموضوع وجدوى البحث آخذه بعناصر الدين الإسلامي الحنيف في تغذية وترميم ما يمكن أن يكون قد لحق بدراساته من التقصير واللتخلف وفيها كل باقعة من المغرب والمشرق يكتب فيها وإذا "المحاسني" يجول في كل عدد من إعدادها ليعيد إلى سيرة الدهر ما كان للمشارقة في حب المغاربة.
هذه رسالة جعلتها كالمقال لكني في اختتامها أقول للصديق القديم علامة المغرب الذي يتنسم السدة في آرائه وتواليفه وما ينشره في (دعوة الحق).
تحياتي إليك أيها الأخ الحبيب الذي لم تلده أمي، إن روحي من ضفاف "بردى" ترف عليك. وما كتبته لك في مجلة صديق العمر الأستاذ العظيم البير أديب بمجلة "الأديب" الأغر ببيروت لم يكن كافيا في تمجيد أدبك وتصوير سجاياك السابقة وعلمك العميم.
لا تقطع عني رسائلك ولا كتبك وتواليفك، فإن مكتبتي أصبحت عامرة بها وأرسل من فيض علمك وأدبك على العالم العربي والإسلامي ما يحمي التراث ويغني الأدب والفكر ويقدس الدين الحنيف وسلم لي على أخي الكاتب الدبلوماسي السفير الأستاذ عبد المجيد بن جلون وعلى رجل السياسة والفكر والأستاذ الفاسي وعلى ابن تاويت الطنجي، وقد عرفته بمصر إذ كنت أعد لدكتوراه الدروس منهمكا بالإعداد للماجيستير فالدكتوراه.
وابعث بالسلام والتحية والاعتزاز لمعالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الأستاذ الجليل الحاج أحمد بركاش أدام الله وجوده في رعاية الفكر وحراسة الدين وإظهار مجلة (دعوة الحق) بهذا المظهر الكريم.
عزيزي الأخ الجليل عبد الله كنون،
أذاكر أنت ونحن بدمر قصيدتي فيك التي أقول بأولها :
عن شعري على شطوط المغارب
                     إن لي في جنانها خير صاحب
وأسلم على الدوام لصديق العمر  

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فيما رواه الدرداء :
لتدخلن الجنة كلكم أجمعون إلا من شرد على الله عز وجل شراد البعير.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here