islamaumaroc

المعاني الإنسية والروحية في الشعر العربي -2-

  دعوة الحق

140 العدد

جاء في مقال العدد الماضي عن المعاني الروحية في الشعر الجاهلي، بأن البحث في هذا الموضوع شائك، والقول فيه ما يزال ضيقا يحيط به كثير من الغموض. وقلنا : إن من أسباب غموضه إن هذا الشعر ما انتهى منه إلينا إلا أقله. وقد زعمنا بأن المتواتر منه، والخبيء، سوف يظلان قاصرين في منهج البحث العلمي، لا يكتملان إلا بالاستفادة مما ورد في القرآن الكريم من آيات بينات تخص هذا الجانب من رؤى العرب قبل الإسلام.
ونحن نميل إلى هذا، دون أن نفعل نصوصا شعرية تؤمنها دواوين الشعر الجاهلي، ومجاميعه لدى الضبي والأصمعي والقرشي وأبي تمام وابن الشجري، والمعلقات بأصنافها، وكتب المحاضرات والأمالي، وكتب النقد والبلاغة، ومعاجم اللغة، وغيرها ولكن نظرية الانتحال في الشعر الجاهلي، التي أثارها النقاد القدامى – ثم أنهجها من المحدثين أستاذنا الدكتور طه حسين – تكاد تمسح من أذهاننا القدرة على كفيه الاستفادة من هذا الشعر الموفور بله الاستشهاد به. ولذلك فإن بعض المتذوقين والنقاد للأدب لا يتوقعون من مخلفات الشعر الجاهلي أن تنقل إلينا بصدق الوجهة الروحية عند العرب قبل الإسلام، وذلك إما بسبب الشك الوارد عند بعضهم في نسبة هذا الشعر إلى بيئته، وإما لكون الموفور منه نزرا ومبعثرا، فهو في هذه الحال لا يكاد يصدق إلا على عدد محدود من الناس هم ناظموه، وربما كان لا يمثلهم – هم أنفسهم – إلا في بعض أحوالهم الوجدانية العابرة، ولذلك كان الحكم بما ينطق به عل قائليه – أولهم – غير سليم، فضلا عن جواز، قياس الجماعة الجاهلية بأسرها عليه.
إذن – وهذه خطتنا – فإن الشعر الجاهلي متعين بأن يرجأ الاعتماد عليه في الاستشهاد للحياة الروحية – أو عليها – بالأدب الجاهلي، وإنما يتقدم في ذلك كتاب الله. فالقرآن لم يشك ناقد مسلم في صحة تدوينه على النحو الذي تلقاه به رسول الله من جبريل عن الله. فهو الكتاب الذي "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه". ثم نردف بمعالجة الموضوع ما سجله التاريخ القديم بخصوص الجانب الروحي الذي قد يعكسه الشعر الجاهلي سواء أكان سلبيا أم إيجابيا.
وأظننا بهذا المنهج سوف نتمكن من التحقيق في صحة نظريتين اثنتين. إما أولاهما فقد كانت الهدف من نشأة هذا المبحث، وتلك هي التحقيق في مدى ما يعكسه الشعر الجاهلي من مثل روحية. أما الأخرى فقد اعترضتنا مصادفة، ولكنها الفصل في مدى صحة نسبة الشعر الجاهلي إلى بيئته. فالهدف الأساسي إذن سيمكننا من أن نرتبط بتحليل مضمون الشعر الجاهلي من حيث هو معان. إما الهدف المصادف وهو هام – في آن واحد – فسوف يتيح لنا – على ضوء ما سوف يتجلى – فرصة التأكد من تركيب الشعر الجاهلي ومدى نسبة شكله إل عصره. وهي نسبة  كان قد تصدى لها كتاب طه حسين منذ ثمانية وأربعين عاما. ونهض من أجلها عشرات الأقلام. وما أظن أنها قد انتهت إلى حال.
وكلا الهدفين، إنما يقضي إلى النتيجة الحق منهما معا وسليتنا المقر بضمانتها بالإجماع وهي القرآن، ثم يلي ذلك كله بهذا المنهج عرض الشعر، وطبيعة الشعراء الذين يصدرون عن تلك الروحية في الأدب الجاهلي.
والإنصاف في مثل هذا المبحث المشاع بعين الجهر بأن النتيجة المعترف بها حتى اليوم من كلتا النظريتين لا تقنع. ويبدو إن عدم القناعة هذه يتشارك فيه طائفة لا بأس بها من الباحثين ذلك لأن الذين يبالغون في تضحيتهم وثنية الشعر الجاهلي كالذي يبالغون في تهويل انتحاله، يصرفهم جميعا هدف، ربما انتهى – فيما يوحى إلى طائفة من أولئك بما يشجع على استمرار العبودية للأوثان مستحدثة ولعله يوحي إلى طائفة أخرى من أولئك بما يشكك في التراث، وما دون من القيم. ثم لا بأس في ذلك جملة إن هو خلع عن اللغة أصالة ربطها للحاضر بالماضي، وإن شمل الجميع الشك.
*
وبعد، فلقد جاء في القرآن الكريم عن معتقدات العرب قبل الإسلام قوله تعالى في سورة الأنعام :
وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء  ، وقال تعالى : وجعلوا لله شركاء (1): الجن وخلقهم. وخرقوا له بنين وبنات بغير عام. سبحانه، وتعالى عما يصفون (2)  ومن نفس السورة قال تعالى سيقول الذين أشركوا : لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا، ولا حرمنا من شيء(3)   وقال تعالى في سورة الأعراف : ولله الأسماء الحسنى، فادعوه بها، وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعلمون  (4) وقال تعالى في سورة يونس : ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، ويقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله (5)  ومن نفس السورة قال تعالى : قل من يرزقكم من السماء والأرض، أمن يملك السمع والأبصار ؟ ومن يخرج الحي من الميت وخرج الميت من الحي ؟ ومن يدبر الأمر ؟ فسيقولون : الله ! فقل أفلا تتقون ؟ !(6) وقال تعالى في سورة النحل : وقال الذين أشركوا : لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء، نحن، ولا آباؤنا، ولا حرمنا من دونه من شيء. كذلك فعل الذين من قبلهم. فهل على الرسل إلا البلاغ المبين !؟  (7)
وقال تعالى في سورة العنكبوت : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض، وسخر الشمس والقمر، ليقولن الله ! فأنى يوفكون ؟ !(8)   وقال تعالى في سورة الزمر : ألا لله الدين الخالص. والذين اتخذوا من دونه أولياء : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى(9) وقال تعالى في سورة فصلت ومن آياته : الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، واسجدوا لله الذي خلقهن، إن كنتم إياه تعبدون (10)  وقال تعالى في سورة الزخرف : ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ؟ ليقولن : خلقهن العزيز العليم (11)  وقال تعالى : وقالوا : لو شاء الرحمن ما عبدناهم، ما لهم بذلك من علم، إن هم لا يخرصون (12)  وفي نفس السورة قال تعالى : لئن سألتهم من خلقهم؛ ليقولن : الله ! فأنى يوفكون ؟ !(13) 
إنها آيات بينات من القرآن الكريم "فمن أظلم ممن كذب بآيات الله، وصدف عنها" تحدد واقع العقيدة التي كان العرب يدينون بها قبل الإسلام، وفي سياق تحذير الله لهم مما هم  عليه من ضلال، وفي سياق استنكارهم ما هم فيه من وهم.
ولعله بعد الانتفاع من كتب السير يتأتى عرض أصول تلك العقيدة على /// التالي :
أولا : إنهم كانوا يعتقدون أن الخالق لكل شيء هو الله وحده لا شريك له في الخلق، خلق السموات والأرض، وخلق البشر والحيوان وخلق الجن والملائكة وخلق الكواكب وكل شيء فهو خالق الكون وحده بلا شريك.
ثانيا : أنهم كانوا يعتقدون بأن يملك السمع والأبصار ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، فهو مدبر الأمور جميعا، ولا شريك له في ذلك، هو الله، العزيز العليم، الرحمن، الذي يرزقهم.
ثالثا : أنهم كانوا يبالغون في الشعور بآيتي الشمس والقمر على وجود الله لدرجة عبادتهم لتلك الآيات مع الله.
رابعا : أنهم كانوا يصوغون التماثل فيتخذونها على صور الملائكة المقربين من الله – في زعمهم – ثم يعبدون تلك الأصنام لتشفع لهم الملائكة بذلك عند الله في أمور الدنيا. ثم يعتقدون بأنها بنات الله سبحانه وتعالى عما يصفون.
خامسا : أنهم يدعون تلك الأصنام بأسماء يشتقونها من أسماء الله الحسنى، فسموا اللات من الله، والعزى من العزيز (14) .
سادسا : أنهم كانوا يعتقدون بأن الله جل جلاله لو شاء بقدرته ورحمته لألهمهم إليه، ولما عبدوا من دونه من شيء فهم بحسب زعمهم إنما يقصدون الله جل جلاله بما يعبدون.
إذن، فإنهم كانوا يفردون الله بجميع أنواع القوى، ولكنهم كانوا – لشعورهم بتناهتهم في القدرة على التقرب من الله بلا واسطة – يتوسلون إليه جل جلاله بالواسطة التي وضعوها، شفيعا وكانت هذه الواسطة لديهم فيما شخصوا به الله جل جلاله - : في مظاهر الطبيعة التي هي من معجزات الله : في الكواكب والأحجار، أو الملائكة والجن، مما يرمزون به إلى الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
*
وإن هذا العرض لمعتقدات العرب من آيات القرآن الكريم لا يعني أن الله جل جلاله قد رضي منهم طريقة عبادتهم له، وإنما أبان الله عنها في كتابه الكريم لحكمة بالغة أرادها لئلا يمحى الحق، ولئلا تنسب إلى سواه جل جلاله العبودية والربوبية مهما كانت مشوبة بالتحريف.
فإن الإسلام يرفض من الإنسان العاقل في كل زمان ومكان، أن يشرك بالله شيئا، سواء في الغاية من العبادة الحق أم في مظاهرها. وأن القرآن الكريم قد توجه من وراء عرض معتقداتهم إلى استنكار ذلك فيهم، وإلى توجيههم إلى السبيل السوي في السلوك إلى عبادة الله بالإسلام.
بيد أن هذه المعتقدات التي يثبتها كتاب الله للعرب قبل الإسلام تفيد من جهة أخرى في تقييم الشعر الجاهلي بتقدير مدى صحة نسبته إلى الشعراء الجاهلية إذ في تسلسل هذا المنهج ما يعني أنه إذا كان في الشعر الجاهلي ما يصور معتقدات العرب بما تثبته عنها آيات القرآن الكريم فإنه يكون شعرا حريا بنسبته إلى ذويه. وذلك حسبنا الآن في استذكار ما قاله الله عز وجل عن معتقداتهم فيصحح بالقرآن الكريم ما يشك في وجوده مضمونا وشكلا بالشعر الجاهلي.
وإن ما يرفضه القرآن من تلك المعتقدات ليوجب علينا – رفعا للتضليل – أن نذكر بالمعنى الحق لمفهوم الوحدانية في القرآن الكريم كما أن الغاية من المنهج في هذا المبحث تتطلب استعراض ما التزمنا به في البداية وهو ذكر ما قاله التاريخ عن تلك المعتقدات قبل الإسلام، وذلك لقصد دعم الحجة القرآنية بالشهادة التاريخية، ثم يلي ذلك وبعده تقديم نصوص الشعر الجاهلي لاستيضاح معانيه بهذا المجال، فالشعراء الذين أبدعوه.


1  6 – 94 مكية
2  6 – 100 مكية
3  6 – 148 مكية
4  7 – 180 مكية
5  10 – 18 مكية
6  10 – 31 مكثية
7  16 – 35 مكية
8  29 – 61 مكية
9  29 – 30 مكية
10  41 – 37 مكية
11  43 – 9 مكية
12  43 – 20 مكية
13  43 – 87 مكية
14  أنظر في ذلك بالذات تفسير الطبري       

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here