islamaumaroc

الأسطول درع المغرب عبر التاريخ -1-

  دعوة الحق

140 العدد

تلقي الدراسات التاريخية الحديثة، وخاصة ما كتبه الهلندبون والانجليز أو دونه بعض القادة السياسيين كرئيس حكومة بريطانيا المتوفى ونستون تشرشل، أضواء كاشفة عن انتقال السيطرة على البحار عبر التاريخ من دولة لأخرى، وتوزع القوة البحرية وانتشارها أو انحصارها. ومن هذه الدراسات مجتمعة نستطيع أن ندرك القيمة التي كان يتمتع بها أسطول بلادنا خلال أربعة قرون تبتدئ من القرن الحادي عشر وتنتهي في القرن الرابع عشر.
وحسب الجداول واللوائح الموضوعة للمقارنة بين الأساطيل من حيث العدد والكفاءة الحربية وقوة التسلح ونطاق بناء القطع البحرية وتعميرها وتجهيزها بالمحاربين البحريين وترميمها نجد التصنيف الآتي الذي يحتفظ للمغرب بحيز مرموق في مجال العظمة البحرية.
إن أول دولة بحرية تستحق هذه التسمية وتنطبق عليها الشروط التي حددها الباحثون هي دولة الفنيقيين التي قامت في سواحل لبنان الجنوبية. وإذا كانت تعتمد على غابات الأرز اللبنانية والصيادين الذين تحولوا إلى بحارة أشداء، فإنها كانت مضايقة أشد الضيق من الدول التي كانت آنذاك فيما بين النهرين وبلاد الشام، الأمر الذي أدى أخيرا إلى هجرة الفنيقيين إلى المغرب حيث أسسوا دولة عظمى وصلت بفتوحاتها البرية والبحرية إلى فرنسا وإيطاليا وهي دولة القرطاجيين.
والدولة البحرية الثانية هي الإمبراطورية الرومانية التي قامت كالسابقة في حوض البحر الأبيض المتوسط، وكانت تتحرك باتجاه معاكس للفنيقيين أي من الغرب إلى الشرق. ولعل من أبرز الجوانب التي ساهمت في عظمة هذه الدولة توفرها على بلاد الشمال الإفريقي الغنية بالأخشاب والمراسي الطبيعية الصالحة للرسو والصيانة وعلى المحاربين الذين فضلوا العمل تحت الراية الرومانية مقابل تجنيب بلادهم شرور الحكم المباشر القائم على السخرة والاسترقاق.
وفي هذت العهد كما في العهد السابق لم يخل المغرب من وجود قوة بحرية خاصة به، ففي عهد النوميديين حيث كان المغرب ينعم بالقوة والهدوء والمستوى الحضاري الرفيع، امتدت عناية الملك جوبا الثاني عاهل المغرب والجزائر، وسيد وليلي وبطلها ورمز عظمتها إلى الموانئ المغربية، وكنت ترى الحدادين والبنائين يختلطون مع الجنود والضباط في مد الحواجز وإزالة الرمال والصخور وتعميق مجاري الأنهار والمداخل الطبيعية، وبناء السفن الشراعية الحربية والتجارية التي كانت تحمل في مقدمتها صورة العقاب، وتزهو بالشراع الملون بلون راية المغرب النوميدية.    
 والدولة البحرية الثالثة هي الإمبراطورية البزنطية التي خلفت الرومان، وأخذت منهم ممتلكاتهم في مصر والشمال الإفريقي والساحل السوري وبلاد البلقان. ولم يكن البزنطيون سادة البحار دون منازع ففي عهدهم ظهرت الإمبراطورية الإسلامية. وهذه الأخيرة وإن كانت تعتمد الاعتماد المطلق على جيوشها البرية وتحصيناتها وفرسانها الحقيقي الحركة فإنها منذ مبكر (أي في عهد الخليفة الأموي الأول معاوية) أدركت فوائد العمليات البحرية لا في حماية الإمبراطورية العربية، بل في كسر شوكة أعدائها البزنطيين سادة البحر في ذلك الحين. وأول عملية بحرية قام بها العرب كانت ضد عاصمة البزنطيين نفسها ولم يكتب لها النجاح لموقع القسطنطينية الذي لا يضاهيه موقع أية مدينة أخرى.
 وفي هذه الأثناء، وبعد نصف قرن من هذه الحادثة ظهرت قوة بحرية منافسة جديدة، تلك هي القوة البحرية المروانية بالأندلس. ومن الطبيعي – بالنظر المدور التاريخي المعروف الذي لعبه المغرب في فتح الأندلس – أن تكون مساهمة بلادنا في هذه القوة مساهمة لا يمكن تجاهلها، ذلك أن أغلب سكان السواحل الأندلسية في العهد الأموي كانوا من البربر القادمين من المغرب، ولهذا فإنهم لم يكونوا في عداد ابحارة إلى جانب المتطوعين الأجانب بل كانوا في طليعة بناة السفن الحربية، وكانوا المدافعين بدون منازع عن تغور هذه الدولة العربية التي قامت جنوب الممالك المسيحية مهددة إياها في كل وقت وحين.
 وإذا كان مجال كهذا لا يسمح لنا بإعطاء الخطوط العريضة والمعلومات العامة والمركزة، فإن الحرص على إبراز مكانة المغرب والمغاربة في ميدان العمليات البحرية يجعلنا لا نغفل دور المجاهدين البربر في فتح جزر ميورقة، والأغارة على جنوب فرنسا. وقد ساهم ظهور العبديين بتونس في قلب التوازن البحري بحوض البحر الأبيض المتوسط. وفيما بين تلاشي القوة البحرية البزنطية وظهور الدول الأوروبية شمال إسبانيا، كانت الأساطيل المغربية والأندلسية تحتل المقام الأول في عالم ذلك العصر. فمن ناحية العدد كانت تجوب البحار 200 قطعة بحرية مزودة بعدة الحرب وآلات الحصار والمحاربين والأقوات. وبلغ عدد البحار نحو 2500 رجل عدا الصناع وأصحاب الصيانة والإطار الإداري والقيادة. وأغلب قطع الأسطول كانت مراسيها في شبه جزيرة إبيريا وجزر البليار وجنوب صقلية وسبتة.
 والقوة البحرية الرابعة التي صنفت بشكل واضح في لوائح التفوق البحري خلال أحقاب التاريخ تمثلت في دولتي المرابطين والموحدين والفترة الأولى للدولة المرينية بالمغرب. وقد امتد هذا التفوق من سنة 1060 إلى 1350 للميلاد أي مدة 400 عام تقريبا. وإذا كنا سنخصص شرحا ضافيا لهذه الفترة المرموقة من تاريخنا العسكري فيجب أن نشير هنا إلى أن توفر المغرب على قوة بحرية على هذا المستوى كان حاسما في مواجهة الصليبيين، وكبح جماح الدول الأوروبية التي طمحت إلى تفويض المظهرين السياسي والديني للمسلمين في المشرق والمغرب.
 وقد قال أحد المؤرخين : "إن بلاد البربر كانت الصخرة التي تحطمت عليها آمال الصليبيين في القضاء على الإسلام".
 ومنذ القرن الخامس عشر يبرز دول أروبية بأساطيلها الحديثة ومدافعها المتحركة وقلاعها الحصينة لتحتل بها قصب السبق، وتأخذ المكان الأول في التقييمات البحرية.
 فهناك إسبانيا التي تحولت فجأة إلى سيدة مطلقة للمحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط بما ورثته من قطع بحرية عربية وحصون بحرية قوية ومدافع تركها بنو الأحمر وبنو النصر، وعلى ظهر تلك الأساطيل حمل المستكشفون طلائع المغامرين والمجرمين إلى العالم الجديد، وقصدوا إلى بيت المقدس حيث أنشأوا  الدويلات المسيحية في فلسطين وضفاف نهر اليرموك.
 وتبرز القوة البحرية لدولة البرتغال البحرية، وتتبعها فرنسا بأسطول بدأ متواضعا وما عتمت الظروف السياسية في لأوربا أن قفزت به إلى المقدمة، وتأتي بعد ذلك إنجلترا في القرن الثامن عشر لتصبح أسد البحر وسيدة المحيطات، بعد انتصارها على الأسطول الإسباني في "الطرف الأغر" ومضايقتها للبحرية الإسبانية والفرنسية على امتداد السواحل الأوروبية ولمدة قرن ونصف. وبعد الحرب العالمية الثانية تأخذ الولايات المتحدة الأمريكية زمام السيادة البحرية لتلحق بها الجمهوريات السوفياتية بقواتها الصاروخية والنووية الحديثة في الأعوام المتأخرة.      

إن هذا التقييم الهام والطريف في نفس الوقت يسمح لنا بأن نقرر أمرا على جانب من الأهمية على المستوى التاريخي، ذلك أنه يقطع النظر عن التطور التقني والاختراعات التي عرفتها القرون المتأخرة، فإن مما يبعث على الفخر والاعتزاز كون السيادة البحرية اختصت بها بلادنا لأطول فترة في تاريخ البحرية، ولا نجد منافسا في هذا المجال سوى الإمبراطورية الرومانية التي يجب ألا ننسى أنها كانت مطوقة بدول قوية تمتلك أساطيل معادية، وفي المقدمة كانت مصر الفرعونية. هذا بينما كان الأسطول المرابطي لا يجب عمليا أية منافسة تذكر. ورغم ظهور قوة الصليبيين فإن البرتغال والإسبان والفرنسيين كانوا لا يقامرون بمجابهة الموحدية التي استنجد بها المصريون في ذلك الحين.


خلتان
قال عثمان بن عفان رضي الله عنه :
خلتان ليس معهما غربة : حسن الأدب وتجنب الريب.
- * -
يقين . . . وشك . . .
قال علي كرم الله وجهه لرجل حروري :
نوم على يقين خير من صلاة على شك.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here