islamaumaroc

نظريات الإمام مالك حول العقيدة والعبادات وحول المصالح التي لم يرد في نظيرها نص خاص

  دعوة الحق

140 العدد

لا يخفى أن الإسلام دين اجتماعي وهو بمبادئه وأصوله صالح لكل زمان ومكان وقد تكونت في ظله وقت تطبيق أحكامه وتنفيذ شريعته دول وحضارات ذات كيان قوي وشخصية قائمة، وصولة بهرت العالم، ومهر في فهم مراميه وترتيب أحكامه وتبيين مقاصده وأغراضه علماء مختصون كانوا في الحقيقة ورثة الأنبياء بمعرفتهم للشريعة وصلاحهم وسلوكهم فكانوا نعم القدوة لإتباع هذا الإسلام بما جلوه وبينوه من مقاصد، وما أسسوا وأحكموا من قواعد، فسار على نهجهم وطريقهم إتباعهم في مختلف الشعوب والأمصار ومن أهم الأئمة وأفضلهم الإمام مالك إمام دار الهجرة رحمه الله الذي كان عمدة في حفظ سنة الرسول عليه السلام وإمام من أيمتها الكبار.
ومن المعلوم عند كل من له إلمام بشريعة الإسلام إن السنة النبوية الشاملة لأقوال الرسول عليه السلام وأفعاله وتقريراته هي في الدرجة الثانية من كتاب الله العزيز وهي في الحقيقة بيان للوحي الإلاهي ألمتلو المتعبد بتلاوته فهي وحي غير متلو بشاهد قول الله تعالى : "ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى" حسب استدلال بعض العلماء، إلا أن الذكر الحكيم تكفل الله سبحانه بحفظه من التغيير والتبديل والسنة النبوية هيأ الله عزت قدرته علماء نقادا مخلصين، نفوا عن السنة تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وتحريف الغالين حتى تأذت إلى الخلف الصالح السنة الصحيحة الثابتة عن الرسول الهادي الأعظم عليه السلام مع كتاب الله تعالى طاهرة نقية كما ورد في الحديث الشريف : "يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين".              
 وعدول الخلف في العلم الديني من كتاب وسنة يعرفون تمام المعرفة أن السنة هي بيان للكتاب على اعتبارات خاصة مثل بيان المجمل أو النظر إلى المعاني الكلية التي يرجع إليها التشريع القرآني إلى غير ذلك.
 فكان لا بد من التثبت في نقل سنة الرسول حتى تجعل في المرتبة بها بجانب القرآن.
 ومن المعروف المشهور أن الدولة الإسلامية أو الخلافة الإسلامية بمعنى أدق لما امتد سلطانها وشملت أمما وشعوبا وكانت لتلك الأمم والشعوب ثقافتهم وعلومهم وتقاليدهم الخاصة احتاج العصر إلى بيان تفصيلي يستوعب توجيه المجتمع الإسلامي في خصوص المعاملات إلى المسك بالتشريع الإسلامي الذي تفرع عن أصول مبادئه ولياته في ميدان الاجتهاديات والنظريات والأحكام التي تضمن العدالة الاجتماعية فكان الاجتهاد من علماء الأمصار فيما لم يرد فيه نص جلي واضح خاليا عن المعارض يعتمد عليه المفتون المجتهدون وقد حصل توسع مهم في هذا الميدان شمل المسائل النازلة الواقعة ببيان حكم الشريعة فيها كما تطرق إلى مسائل مفروضة فقط حتى يشمل القانون الفقهي ما يحتاج إليه الولاة من حكام وقضاة وغيرهم عندما تنزل بهم تلك المسائل والنوازل.
 وهكذا كما قلنا في خصوص المعاملات إما جانب العقيدة والعبادات فإن الإمام مالك رحمه الله كان لا يرى فيها غير إتباع ما ورد في كتاب الله أو أحاديث الرسول الثابتة التي كان فيها عمدة ونقادا إلى أقصى الحدود.
 وتوجد شهادة كريمة للحفاظ ابن عبد البر في صحة مراسل الإمام مالك في كتاب التمهيد لما في موطا الإمام مالك من المعاني والأسانيد، قال أبو عمر : لعلم الإسناد طرق يصعب سلوكا على من لم يصل بعنايته إليها ويقطع كثيرا من أيامه فيها، ومن اقتصر على حديث مالك رحمه الله فقد كفي تعب التفتيش والبحث ووضع يده من ذلك على عروة وثقى لا تنقصم، لأن مالكا قد انتقد وانتقى، وخلص ولم يرو إلا عن ثقة حجة، وسترى موقع مرسلاته وموضعها من الصحة والاشتهار في النقل في كتابنا هذا إن شاء الله، ثم ذكر ابن عبد البر الاعتذار عن مالك لروايته عن ابن أبي المخارق، لأنه لم يكن من أهل بلده وكان حسن الصمت والصلاة فغره ذلك منه ولم يدخل في كتابه حكما أفرده به انتهى ول الحافظ ابن عبد البر.
 فالإمام مالك رحمه الله سبق كثرا من أيمة الأمصار المتبوعين في الوجود فدرس الشريعة دراسة وافية وكانت له مواقف خاصة من رواة الحديث في باب الجرح والتعديل ومن المعلوم أنه شهد وجود أناس يحدثون بما يسمعون فقص من غلوهم في الرواية عمن هب ودب، بمكانته الاجتماعية والعلمية المرموقة حتى كان له الأمر بالسجن لمن استحق ذلك بروايته الأحاديث غير الصحيحة قال ابن أبي أويس : سمعت مالك يقول : إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه لقد أدركت سبعين ممن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذه الأساطين فما أخذت عنهم شيئا وإن أحدهم لو ائتمن على بيت المال لكان أمينا، إلا أنهم لو يكونوا من أهل هذا الشأن، قال ابن عيينة ما رأيت أحد أجود أخذا للعلم من مالك، وما كان أشد انتقاءه للرجال والعلماء، قال ابن أبي أويس ما كان يتهيأ لأحد بالمدينة بقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حبسه مالك (يعني إذا حدث بغير الأحاديث الصحيحة) قال فإذا سئل فيه قال يصحح ما قال ثم يخرج وبهذا التحري في أخذ الحديث مع المعرفة بطرقه قال الإمام البخاري كلمته المشهورة أن أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، بعد أن اختلف غيره فيما هو أصح الأسانيد، وهذا السند هو المعروف بسلسلة الذهب، وكان الإمام مالك آية في حفظ الحديث تعجب منه شيخه الزهري، روى الحافظ ابن عبد البر في كتاب التمهيد عن حسين بن عروة عن مالك قال قدم علينا الزهري فأتيناه ومعنا ربيعة – يعني مالك شيخه ربيعة الرأي – فحدثنا (أي الزهري) بنيف وأربعين حديثا قال (أي مالك) ثم أتيناه من الغد فقال انظروا كتابا حتى أحدثكم منه، أرأيتم ما حدثتكم أمس أي شيء في أيديكم منه ؟ فقال له ربيعة ها هنا من يرد عليك ما حدثت به أمس قال من هو ؟ قال ابن عامر قال هات قال مالك فحدثته بأربعين حديثا منها الزهري ما كنت اظن أنه بقي أحد يحفظ هذا غيري انتهى.
 وكان الإمام مالك رحمه الله من جهة أخرى لا يرى الجدال في عقيدة الإسلام لما يخشى على صاحبه من تخلخل العقيدة أو الانتقال من عقيدة لأخرى حسب إلزام الخصوص في الجدال نقل القاضي عياض في كتابه الاعتصام عن معن بن عيسى، قال : انصرف مالك يوما إل المسجد وهو متكئ عل يدي فلحقه رجل قال له أبو الجديرة يتهم بالأرجاء فقال يا أبا عبد الله اسمع مني شيئا أكلمك به وأحاجوك وأخبرك برأيي فقال له احذر أن أشهد عليك قال والله ما أريد إلا  الحق اسمع مني فإن كان صوابا فقل أو فتكلم قال (أي مالك) فإن غلبتني قال تتبعني قال فغن غلبتك قال أتبعك قال : فإن جاء رجل فكلمناه فغلبنا قال اتبعناه فقال له مالك يا عبد الله بعث الله محمدا بدين واحد وأراك تنتقل ثم نقل الشاطبي عن عمر بن عبد العزيز قوله : من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل، وقال : مالك ليس الجدال في الدين بشيء انتهى
وكان أشياخ الإمام مالك يرون فيه الأهلية التامة للفتوى في أمور الدين قال القرافي في الفرق الثامن والتعين وما أفتى مالك أجازه أربعون محكا وكان التحنك وهو اللثام بالعمائم تحت الحنك شعار العلماء وقد أدركنا بعض العلماء يفعلون ذلك ويسمونه النكاب بالكاف المعقوفة (هي النقاب) وهو اللثام انتهى.
وقد برز الإمام مالك في ميدان الاجتهاد بانيا اجتهاده على أصول الشريعة الكلية ومبادئها العليا التي تكفل مصالح المتمسكين بها حتى اعترف العلماء السلفيون المخلصون بوجاهة نظرياته الاجتهادية في باب الاجتهاد فهذا الإمام الشاطبي في كتابه الاعتصام يتعرض لبحث المصالح المرسلة حتى يفرق بينها وبين البدع المحدثة في الدين ويبين أن العلوم الخادمة للشريعة كسائر المصالح ليست من البدع المحدثة التي يقصد منه التعبد بزيادة في الدين فإنه رحمه الله عند ما يذكر تعريف البدعة في الدين يقول إذ البدعة إنما خاصتها أنها خارجة عما رسمه الشارع، وبهذا القيد انفصلت عن كل ما ظهر لبادي الرأي أنه مخترع، مما هو متعلق بالدين كعلم النحو والتصريف ومفردات اللغة وأصول الفقه وأصول الدين وسائر العلوم الخادمة للشريعة فإنها وإن لم توجد في الزمن الأول فأصولها موجود في الشرع إذ الأمر بإعراب القرآن منقول وعلوم اللسان هادية للصواب في الكتاب والسنة فحقيقتها إذن أنها فقه التعبد بالألفاظ الشرعية الدالة على معانيها كيف تؤخذ وتؤدي.
وأصول الفقه أنها معناها استقراء كليات الأدلة حتى تكون عند المجتهد نصب عين وعند الطالب سهلة الملتمس.
وكذلك أصول الدين وهو علم الكلام إنما حاصلة تقرير لأدلة القرآن والسنة أو ما ينشأ عنهما في التوحيد وما يتعلق به كما كان الفقه تقريرا لأدلتها في الفروع العبادية.
ثم أورد الإمام الشاطبي تساؤلا حول هذه الخدمة للشريعة الإسلامية من المخترعات المبتدعة وأجاب عنه بما يوضح خروجه عن الابتداع في الدين فقال : فإن قيل فإن تصنيفها على ذلك الوجه مخترع فالجواب أن له أصلا في الشرع ففي الحديث ما يدل عليه ولو سلم أنه ليس في ذلك دليل على الخصوص فالشرع بجملته يدل على اعتباره وهو مستمد من قاعدة المصالح المرسلة وستأتي بسطها بحول الله. فعلى القول بائياتها فلا أشكال أن كل علم خادم للشريعة داخل تحت أدلته التي ليت بمأخوذة من جزئ واحد فليست ببدعة البتة.
وعلى القول بنفيها لابد أن تكون تلك مبتدعات وإذا دخلت في علم البدع كانت قبيحة لأن كل بدعة ضلالة.
كما يأتي بيانه إن شاء الله.
ويلزم من ذلك أن يكون كتاب المصحف وجمع القرآن بدعة وهو باطل بالإجماع فليس إذا ببدعة ويلزم أن يكون له دليل شرعي وليس إلا هذا النوع من الاستدلال وهو المأخوذ من جملة الشريعة.
وإذا ثبت جزئ في المصالح المرسلة ثبت مطلق المصالح المرسلة، فعلى هذا لا ينبغي أن يسمي علم النحو أو غيره من علوم اللسان أو علم الأصول أو ما أشبه ذلك من العلوم الخادمة للشريعة بدعة أصلا ومن سماه بدعة فإنما على سبيل المجاز كما سمى عمر بن الخطاب قيام الناس في ليالي رمضان بدعة وإما جهلا بمواقع السنة والبدعة فلا يكون قول من قال ذلك معتمدا انتهى كلامه.
ويعتبر المرحوم السلفي الرائد الشيخ رشيد رضا الإمام الشاطبي فارس الحلبة في تبيين صلاحية الشريعة الإسلامية لبناء مجتمع راق في عدالة اجتماعية شاملة فيقول رحمه الله في تقديمه لكتاب الاعتصام : ومالي لا أذكر لعلماء الشرع الإعلام، ولأهل السياسة من علماء الحقوق والأمراء والحكام، أهم ما شرحه لهم هذا الكتاب من أصول الإسلام، وهو بحث المصالح المرسلة والاستحسان من أصول مذهب مالك وأبي حنيفة النعمان وبهما يظهر اتساع الشرع لمصالح الناس في كل زمان ومكان ثم كشف كل شبهة، وأزال كل غمة فبين أن البدع ليست من هذين الأصلين في ورد ولا صدر، ولا تتفق معهما في علة ولا غرض فإن البدعة كيفما كانت صفتها استدراك على الشرع وافتيات عليه.
أما المصالح المرسلة والاستحسان فهي موافقة لحكمته، وجارية على غير المعين من عموم بياناته وأدلته، وقد أورد المصنف ما قيل في تعريف دينك الأصلين ووضح ذلك بالشواهد والأمثلة والأمثلة فلو أنك قرأت جميع ما تتداوله المدارس الإسلامية من كتب أصول الفقه وفروعه لأثنيت وأنت لا تعرف حقيقة المصالح المرسلة والاستحسان كما تعرف من هذا البحث الذي أوردها المصنف فيه تابعة لبيتن حقيقة البدعة لا مقصودة بالذات انتهى كلامه.
والمصالح المرسلة في الحقيقة وسد الذرائع تمس روح التشريع وتقوم على أساس القواعد التي رعاها الشارع الحكيم في الأمور الاجتماعية وحفظ النظام العام في المجتمع وقد تشتبه المصالح المرسلة بالبدع أحيانا عند من لم يكن عنده إطلاع عميق على مرامي التشريع الإسلامي ولذلك نجد الإمام الشاطبي بني نظرياته في بيان الفوارق بين البدع والمصالح المرسلة على ما اعتبره مالك من أن الشريعة الإسلامية فيها قسم العبادات الخاصة التي يتلقى من الشارع لاعتقاده والعمل من غير بحث عن علله وأسبابه مثل هيآت الصلاة وعدد ركعات فرائضها وأحكام الوضوء والغسل من الجنابة دون الغسل العام من الفضلات الأخرى التي تخرج من الإنسان المكلف إلى آخر هذه الأمور وهناك قسم آخر في الشريعة الإسلامية وهو قسم المعاملات.
يقول الشاطبي في وقوف الإمام مالك مع نص الشارع في العبادات : التزم مالك في العبادات عدم الالتفات إلى المعاني، وإن ظهرت لبادئ الرأي وقوفا مع ما فهم من مقصود الشارع فيها من التسليم على ما هي عليه ثم يقول ودورانه في ذلك على الوقوف على ما حده الشارع دون ما يقتضيه معنى مناسب أن تصور لقلة ذلك في التعبدات وندوره بخلاف قسم العادات الذي هو جار على المعنى المناسب الظاهر للعقول، فإنه استرسل فيه استرسال المدل العارف في فهم المعاني المصلحية نعم مراعاة مقصود الشارع أن لا يخرج عنه ولا يناقض أصلا من صوله، حتى لقد استشنع العلماء كثيرا من وجوده استرساله زاعمين أنه خلع الربقة وفتح باب التشريع وهيهات ما أبعده عن ذلك رحمه الله بل هو الذي رضي لنفسه في فقه بالإتباع بحيث يخيل لبعض أنه مقلد لمن قبله بل هو صاحب البصيرة في دين الله حسيما بين أصحابه في كتابة سيره.
بل حكى عن أحمد بن حنبل أنه قال : إذا رأيت الرجل يبغض مالك : فاعلم أنه مبتدع، وهذه غاية في الإتباع قال أبو داود أخشى عليه البدعة "يعني المبغض لمالك" وقال ابن مهدي إذا رأيت الحجازي يحب مالك بن أنس فاعلم أنه صاحب سنة وإذا رأيت أحدا يتناوله فاعلم أنه على خلاف السنة.
ولا بد هنا من بيان التفرقة بين البدعة في الدين المنصوص على ردها وعدم اعتبارها في قول الرسول عليه السلام كل عمل ليس عليها أمرنا فهو رد، وبين المصالح المرسلة التي اعتبرها أولا الإمام مالك ثم أنتج البحث أن كثيرا من الأئمة يقولون بها كما يقول الإمام القرافي وإن أنكروا على الإمام مالك القول بها.
يفرق الشاطبي بين البدعة والمصالح المرسلة بثلاثة أمور أولها الملائمة لمقاصد الشرع بحيث لا تنافي أصلا من أوصوله ولا دليلا من دلائله.
والثاني أن عامة النظر فيها إنما هو فيما عقل منها وجرى على دون المناسبات المعقولة التي إذا عرضت على العقول تلقنه بالقبول فلا مدخل لها في التعبدات ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية لأن عامة التعبدات لا يعقل لها معنى على التفصيل وقد بين الشاطبي بالأمثلة هذه الأشياء التي ذكرها مثل عدد ركعات الصلاة والغسل من الجنابة كما أسلفنا.
ثم قال والثالث إن حاصل المصالح المرسلة يرجع إلى حفظ أمر ضروري ورفع حرج لازم في الدين ؟ يقول : إذا تقررت هذه الشروط فاعلم أن البدع كالمضادة للمصالح المرسلة لأن موضوع المصالح المرسلة ما عقل معناه على التفصيل والتعبدات من شأنها أن لا يعقل معناها على التفصيل.
وإذ تبينا مفارقة المصالح المرسلة للابتداع في الدين ننقل إلى وجهة النظر في اعتماد المصالح المرسلة في التشريع الإسلام انتهى.
 والإمام مالك رحمه الله في باب المصالح وباب سد الذرائع ينظر إلى روح الشريعة وكلياتها ويجري على مقتضاها ويستند في ذلك إلى بعض القضايا من هذا النوع وقعت في عهد الخلفاء الراشدين من غير أن تكون منصوصا عليها من الرسول عليه السلام.
وكذلك الشأن في باب سد الذرائع، مقصود الشرع من الخلق كما يقول الغزالي خمسة وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذا الأصول الخمسة فهو مصلحة، وقد تكلم حجة الإسلام الغزالي عن المصالح المرسلة وقال بجواز أداء الاجتهاد إلى بعض صورها إذا كانت المصلحة في مقام الكلية القطعية الضرورية وأوضح  الإمام القرافي ضمن تعريفه للمصالح المرسلة حجة الإمام مالك في القول بها، ووجهة نظر الغزالي فقال في كتابه التنقيح عند كلامه على أدلة المجتهدين ما نصه "المصلحة المرسلة"، والمصالح بالإضافة إلى شهادة الشرع لها بالاعتبار على ثلاثة أقسام ما شهد الشرع باعتباره وهو القياس الذي تقدم، وما شهد الشرع بعدم اعتباره نحو المنع من زراعة العنب ليلا يعصر خمرا.
وما لم يشهد له باعتبار ولا بإلغاء وهو المصلحة المرسلة وهي عند مالك باعتبار ولا بإلغاء وهو المصلحة المرسلة وهي عند  مالك رحمه الله حجة، وقال الغزالي إن وقعت في محل الحاجة أو التتمة فلا تعتبر وأن وقعت في محل الضرورة، فيجوز أن يؤدي إليها اجتهاد مجتهد، ومثاله تفرس الكفار بجماعة المسلمين فلو كففنا عنهم لصدمونا واستولوا على دار الإسلام وقتلوا كافة المسلمين ولو رميناهم لقتلنا الترس معهم فيشترط في هذه المصلحة أن تكون كلية قطعية ضرورية، فالكلية احتراز عما إذا تترسوا في قلعة بمسلمين فلا يحل رمي المسلمين إذ لا يلزم من ترك تلك القلعة فساد عام والقطعية احتراز عما إذا لم نقطع باستيلاء الكفار علينا إذا لم نقصد الترس وعن المضطر بأكل قطعة من فخذه، والضرورة احتراز عن المناسب الكائن في محل الحاجة والتتمة هكذا نقل القرافي نظرية الغزالي في تخصيص جواز القول بالمصالح المرسلة في الصورة الكلية القطعية الضرورية، ثم بين القرافي وجهة نظر الإمام مالك وإتباعه بقوله : لنا أن الله تعالى إنما بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام لتحصيل مصالح العباد عملا بالاستقرار فمهما وجدنا مصلحة غلب على الظن أنها مطلوبة للشرع انتهى من التنقيح ثم الشرع القرافي في تبين اعتبار سائر المذاهب للمصالح المرسلة فقال قد تقدم أن المصلحة المرسلة في جميع المذاهب عند التحقيق لأنهم يقيسون ويفرقون بالمناسبات ولا يطلبون شاهدا بالاعتبار ولا نعتي بالمصلحة المرسلة إلا ذلك قال القرافي ومما يؤكد العمل بالمصلحة المرسلة إن الصحابة رضوان الله عليهم عملوا أمورا لمطلق المصلحة لا لتقدم شاهد بالاعتبار نحو كتابة المصحف ولم يتقدم فيه أمر ولا نظير، وولاية العهد من أبي بكر لعمر رضي الله عنهما ولم يتقدم فيه أمر ولا نظير، وكذلك ترك الخلافة شورى، وتدوين الدواوين وعمل السكة للمسلمين واتخاذ السجن فعل ذلك عمر رضي الله عنه وهذه الأوقاف التي بإزاء مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والتوسعة بها في المسجد عند ضيقه فعله عثمان رضي الله عنه وتجديد الأذان في الجمعة بالسوق وهو الأذان الأول فعله عثمان رضي الله عنه ثم نقله هشام إلى المسجد وذلك كثير جدا لمطلق المصلحة ثم قال القرافي مبينا مخالفة الشافعية لما أنكروه على المالكية في شأن المصلحة المرسلة فقال : وإمام الحرمين قد عمل في كتابه المسلمي بالغياثي أمورا وجوزها وأفتى بها والمالكية بعيدون عنهما وقالها للمصلحة المطلقة وكذلك الغزالي في شفاء الغليل مع أن الاثنين شديدا الإنكار علينا في المصلحة المرسلة انتهى.
والحقيقة أننا نجد الغزالي قال بجواز كثر من المسائل والقضايا التي يسميها المالكية وعلى رأسهم الإمام مالك بالمصالح المرسلة إلا أنه يسميها بأسماء أخرى وهذا المستصفي من أواخر مؤلفاته ألفه بعد الإحياء والوجيز وجواهر القرآن وكمياء السعادة وجعله دون كتابه "تهذيب الأصول" وفوق (كتاب المنخول) وكلاهما في الأصول له، فقد أرود في كتابه المستصفى عددا من المصالح المرسلة ثم أورد التساؤل الآتي على نفسه قال قيل قد ملتم في أكثر هذه المسائل إلى القول بالمصالح ثم أورد تم هذا الأصل في جملة الأصول الموهومة فليلحق هذا الأصل بالأصول الصحيحة ليصير خامسا بعد الكتاب والسنة والإجماع والعقل قلنا هذا من الأصول الموهومة إذ من ظن أنه أصل خامس فقد أخطأ لأننا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنة والإجماع فكل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب والسنة والإجماع وكانت من المصالح الغربية التي تلاءم الشرع فهي باطلة مطروحة، ومن صار إليها فقد شرع كما أن من استحسن فقد شرع، وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصودا بالكتاب والسنة الإجماع فليس خارجا من هذه الأصول لكنه لا يسمى قياسا بل مصلحة مرسلة إذ القياس أصل معين، وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا بديل واحد بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الإمارات تسمى لذلك مرسلة، ثم قال الغزالي وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف في إتباعها بل يجب القطع بكونها حجة، وحيث ذكرنا خلافا بذلك عند تعارض مصلحتين ومقصودين وعند ذلك يجب ترجيح الأقوى ولذلك قطعنا بكون لإكراه مبيحا لكلمة الردة وشرب الخمر وأكل مال الغير وترك الصوم والصلاة لأن الحذر من سفك الدماء أشد من هذه الأمور ولا يباح به الزنى  لأنه محذور الإكراه وقد استرسل الغزالي في قضية الترجيح بين المصالح فلينظره من أراد التوسع في هذا الموضوع الهام.
ومن المناسب أن نذكر بعض الأمثلة لقضايا المصالح المرسلة لتوضيح مرامي هذا التشريع وأولها جمع القرآن وكتابه المصحف الذي فيه حفظ أصل الشريعة كما تقدم من غير أن يتقدم فيه أمر ولا نظير
ومنها قضية تضمين الصناع كالخياطين والخرازين والنساجين على ما ائتمنوا عليه من الثياب وأنواع غزل النسيج والجلود لاحتياج الناس إليهم مع أن الإجارة على الأمانة ولكنهم إذا ائتمنوا ربما ادعوا الضياع من غير حجة فألزموا بضمان ما في حوزتهم حتى قال الإمام علي كرم الله وجهه لا يصلح الناس إلا ذاك.
ومما يراه مالك من باب المصالح المرسلة جواز السجن في التهم وأن كان السجن نوعا من العذاب ونص أصحابه على جواز الضرب وهو عند الشيوخ من قبيل تضمين الصناع فإنه لو لم يكن الضرب والسجن بالتهم لتعذر استخلاصه الأموال من أيدي السراق والغصاب إذ قد يتعذر إقامة البينة.
وقد اعترض الغزالي على مذهب مالك في هذه القضية فقال فإن قبل فالضرب بالتهمة بالسرقة فهل تقولون بها قلنا قد قال بها مالك رحمه الله ولا تقول به لا لأبطال النظر إلى جنس المصلحة لكن لأن هذه المصلحة تعارضها مصلحة أخرى وهي مصلحة المضروب فإنه ربما يكون بريئا من الذنب وترك الذنب في مذنب أهون من ضرب بريء فإن كان فيه فتح باب يعسر معه انتزاع الأموال ففي الضرب فتح باب إلى تعذيب البريء.
ويظهر من نص الشاطبي أن الضرب بالتهمة ليس منصوصا لمالك لأنه قال ونص أصحابه (أي مالك على جواز الضرب وأجاب الشاطبي عن نظرية الغزالي بقوله إذ لا يعذب أحد لمجرد الدعوى بل مع اقتران قرينة تحيك في النفس وتؤثر في القلب نوعا من الظن فالتعذيب في الغالب لا يصادف البريء وإن أمكن مصادفته فتغتفر كما اغتفرت في تضمين الصناع.
وأقول مما يقوى هذا بالخصوص قضية أصحاب السوابق فلينو الوالي المتهم على ما سبق منه من السرقات والمخالفات كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية وقد ذكروا من فوائد هذا الضرب أفادته في تعيين المتاع من جهة وانزجار غير هذا المتهم عن ارتكاب المخالفات وإن كان إقرار المتهم تحت الضرب والإكراه لا يلزمه على أن السماح للمحامين بالاتصال بالمجرمين عند قوة التهمة يخلق مشاكل لا تساعد القضاء على التوصل إلى استخراج الحقوق حيث يلقنون المجرم أن إقراره تحت الضغط وأنه بريء ويتفق الغزالي مع المالكية أيضا في توظيف أموال على الأغنياء إذا احتاج الإمام المطاع إلى مؤونة الجند بمقدار ما يكفيهم بشرط أخذه وإعطائه على الطريقة الشرعية لا في الكماليات والحاجيات، مهمات الجند حفظ أرض الإسلام أو حفظ الأمن داخل البلاد الإسلامية.
يقول الغزالي في هذه القضية فإن قبل فتوظيف الخراج من المصالح فهل إليه سبيل أم لا قلنا لا سبيل إليه مع كثرة الأموال في أيدي الجنود أما إذا خلت الأيدي من الأموال ولم يكن من مال المصالح ما يكفي لخراجات العسكر ولو تفرق العسكر واشتغلوا بالكسب لخيف دخول الكفار بلاد الإسلام أو ثوران الفتنة من أهل العرامة في بلاد الإسلام فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجنود ثم إن رأى في طريق التوزيع التخصيص بالأراضي فلا حرج لأن أنه إذا تعارض شران أو ضرران قصد الشرع دفع أحد الضررين وأعظم الشرين وما يؤديه كل واحد منهم قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله لو خلت خطة الإسلام عن ذي شوكة يحفظ نظام الأمور ويقطع مادة الشرور انتهى ونفس هذا التشريع أقره الشاطبي مع مزيد إيضاح في كتابه الاعتصام.
ومن باب المصالح العامة قتل الجماعة كلها إذا تعاونت على قتل واحد عند الإمام مالك والشافعي معا قال الشاطبي وعليه يجري عند مالك قطع الأيدي باليد الواحدة.
وكذلك تعرض الإمام الشاطبي هنا لقضية الغرامة بالمال وفرق بين الغرامة عن الجناية الممنوعة شرعا وبين الغرامة في المال إذا وقع التعدي فيه فوافق الشاطبي الإمام الغزالي في منع العقوبة بالمال ولكن الغزالي أورد سؤالا عن عمل عمر في شان عماله الذين أثروا بسبب الولاية فساق صنيعه في قضية خالد ابن الوليد على الشكل الآتي فإن قيل فقد روى أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه شاطر خالد بن الوليد في ماله حتى أخذ رسوله نعله وشطر عمامته، قلنا : المظنون من عمر أنه لم يبتدع العقاب يأخذ المال على خلاف المألوف من الشرع وإنما ذلك لعلم عمر باختلاط ماله بالمال المستفاد من الولاية وإحاطته بتوسعته، فلعله ضمن المال فرأى شطر ماله من فوائد الولاية فيكون استرجاعا للحق لا عقوبة في المال، انتهى وليس هذا العمل من عمر بن الخطاب خاصا بخالد بن الوليد وإنما هو عام في العمال الذين أثروا في الولاية وهذا هو المبدأ الذي عنونه الكتاب المعاصرون بعنوان من أين لك هذا.
وتوجد نظرية نجم الدين الطوفي الذي تكلم عن تقديم المصلحة على النص فقد جمع الأدلة الشرعية وتكلم عن المصلحة في التشريع قال الشيخ رشيد رضى رحمه الله في المجلد التاسع من المنار أن الأحكام السياسية والقضائية والإدارية (وهي ما يعبر عنهما علماؤنا بالمعاملات) مدارها في الشريعة الإسلامية على قاعدة در المفاسد وحفظ المصالح أو جلبها قال واستشهدنا على ذلك ترك سيدنا عمر وغيره من الصحابة إقامة الحدود أحيانا لأجل المصلحة فدل ذلك على أنها تقدم على النص وقد طبعت في هذه الأيام مجموعة رسائل في الأصول لبعض أئمة الشافعية والحنابلة والظاهرية منها رسالة للإمام نجم الدين الطوفي الحنبلي المتوفى سنة 716 تكلم فيها عن المصلحة بما لم نر مثله لغيره من الفقهاء انتهى.

وقد تكلم الطوفي عن الأدلة الشرعية واستنبط تعميم النظر المصلحي من حديث "لا ضرر ولا ضرر" وهذا الحديث رواه مالك في الموطأ والإمام أحمد وقال الحاكم هو صحيح على شرط مسلم قال الطوفي ثم إن قول النبي صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا ضرار يقتضي رعاية المصالح إثباتا ونفيا والمفاسد نفيا إذ الضرر هو المفسد فإذا نفاها الشرع لزم إثبات النفع الذي هو الطوفي عندما أراد التوسع في هذه القضية حتى تقدم على النص "وأعلم أن هذه الطريقة وهي التي قررناها مستفيدين لها من الحديث المذكور ليست هي القول بالمصالح المرسلة على ما ذهب إليه مالك بل هي أبلغ من ذلك وهي التعويل على النصوص  والإجماع في العبادات والمقدرات وعلى اعتبار المصالح في المعاملان وباقي الأحكام، انتهى.
وإذا كانت سماحة الشريعة تعتمد روح الشريعة التي تحفظ مصالح إلى هذا الحد فلا شك مع هذا في عدم اعتبار المصالح المجردة بل لا بد من اعتبار روح العدالة ومكارم الأخلاق التي بعث الرسول الأكرم عليه السلام لتتميمها حتى يعاود المجتمع على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان والله ولي المثقين.   


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here