islamaumaroc

الإحصاءات الحيوية

  دعوة الحق

140 العدد

من أهم النواحي الاجتماعية والعلمية التي يبحثها الإحصاء هي الناحية التي تمس حياة الإنسان من حيث أنه كائن حي يولد ويعيش ويتزوج ويتكاثر ثم ينتهي بالوفاة. والإحصاءات التي تناول هذه الأدوار المهمة من الحياة الإنسانية نجمعها تحت اسم "الإحصاءات الحيوية" وهي تشمل تعدادات السكان، وإحصاءات المواليد والوفيات، وإحصاءات الزواج والطلاق، وإحصاءات الأمراض وإصاباتها والوفيات المتسببة عنها.

تعداد السكان :
إن العرض الأساسي من عمل التعداد هو معرفة عدد سكان الدولة في تاريخ معين، ولقد كان هذا هو الغرض الوحيد في كثير من التعدادات التي أنجزت، ولكن التعدادات في الأزمنة الأخيرة تستخدم لأغراض متعددة، ففي الوقت الحاضر نجد التعداد يصف سكان الدولة من عدة جوانب اجتماعية وسياسة واقتصادية، فهو يصف أولا توزيع سكان الدولة في أجزائها المختلفة، وتوزيعهم من فئات العمر لكل نوع (ذكور وإناث)، ويصف الحالة المدنية والعلمية والدينية للسكان، ويبين توزيع السكان في الحرف والأعمال والصناعات المختلفة، ويفصح عن الأحوال الصحية ونحو ذلك من النواحي المهمة، وهكذا يمكننا الوقوف على مقدار رقي الأمة ورفاهية أهلها وتقدمها في النواحي الاجتماعية والصحية والثقافية والاقتصادية والمقصود بعدد السكان لأي بلد معين في تاريخ ما من الوجهة الإحصائية هو عدد الأشخاص الموجودين على قيد الحياة داخل حدود هذا البلد في ذلك التاريخ المعين، وذلك بصرف النظر عن كونهم تابعين لهذا البلد أو أن وجودهم فيه ذلك التاريخ كان عرضيا وليس دائما.
وهناك أساسان لعمل التعداد : التعداد الفعلي، والتعداد النظري. والمقصود بالتعداد الفعلي هو حصر السكان كما هم في الواقع وقت التعداد أي حسب الحالة الراهنة، ففي كل مكان يحصى كل الأشخاص الكائنين ساعة التعداد (12 مساء) بصرف النظر عن كونهم سكان هذا المكان أصلا أم مجرد زوار، وهذه الطريقة متبعة غي انجلترا. أما الطريقة النظرية فيقصد بها حصر السكان بحسب محل إقامتهم العادية، وهذه الطريقة يجري بها العمل في العديد من الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة وألمانيا.

كثافة السكان :
ويتوخى الإحصاء الوقوف على كثافة السكان، وأهمها الكثافة الحسابية، وهي قسمة عدد السكان على مساحة البلد مقدرة بالكيلومتر المربع أو الميل المربع، وهذا المقياس يدل على درجة ازدحام هذا البلد بالسكان، ولكنه مقياس مضلل في بعض الأحيان، وذلك حين نقابل بين كثافة السكان في بلدين، أحدهما به جزء عظيم من الأرض الصحراوية والجليدية، والآخر بلد ذو أرض خصبة مزروعة، ولذلك يجب الاحتراس عند عمل مقارنات في كل هذه الأحوال حيث يستحسن أن يستبعد الجزء الصحراوي أو الجليدي غير المأهول بالسكان. أما الكثافة الجغرافية فيقصد بها قسمة عدد السكان على المناطق المنتجة سواء كانت زراعية أو صناعية أو تجارية . . . وهي أقرب إلى الحقيقة من الكثافة الحسابية.  وهناك الكثافة الإحصائية وتعني عدد الأشخاص عدد الأشخاص من الدول يشتركون في إنتاج مبلغ ما، فكلما زاد عدد الأشخاص الذين يشتروكن في إنتاج هذا المبلغ سواء بإنتاج سلع أو بتأدية خدمات دل ذلك على انخفاض مستوى المعيشة، فمثلا في الدار البيضاء فيشترك عدد قليل من الأفراد في إنتاج سلع قيمتها ألف درهم على أن عددا من الأفراد أكثر يشترك في إنتاج هذا السلع في تطوان، فمعنى ذلك أن مستوى معيشة سكان الدار البيضاء أعلى من مستوى معيشة سكان تطوان.

كثافة المسكن :
المقصود بذلك قياس درجة الازدحام داخل المسكن، وهذا يقاس بمتوسط عدد الأشخاص في كل حجرة داخل المسكن، وهذا المقياس له أهمية من الأبحاث الصحية، وكذلك في المناقشات الخاصة ببعض المشاكل الاجتماعية كمستوى المعيشة، والانحرافات الخلقية. ولقياس كثافة المسكن يقسم عدد السكان على مجموع ما في مساكنهم من حجرات، فيبدو متوسط عدد الأشخاص في كل حجرة، وذلك هو مقياس الازدحام أو كثافة المسكن.

الزيادة الطبيعية للسكان :
والمقصود بها الفرق بين عدد المواليد وعدد الوفيات في السنة لأي بلد، فلو عرفنا عدد المواليد والوفيات في بلد معين سنة بعد أخرى أمكننا تقدير عدد سكانها في أي وقت وهو تقدير لا بأس به، إلا أنه لا يأخذ في الحسبان عامل الهجرة، وهذا الأتر قد يكون كبيرا خصوصا بالنسبة للمدن كما حصل لكثير من المدن الكبرى أثناء الحرب العالمية الثانية حيث هاجر إليها عدد كثير من سكان البوادي، ونفس الأمر يحدث للدول حين يهاجر السكان إلى الخارج أو إلى الداخل، فالسكان في انجلترا أو إيطاليا يهاجرون إلى الخارج على أن الولايات المتحدة يفد إليها مهاجرون من دول أخرى.
ونظرا للقروض والنفقات التي يستلزمها عمل التعداد العام فإن الحكومات لا تقوم بهذه التعدادات إلا مرة كل عشر سنوات، ومع ذلك فالحاجة ماسة إلى معرفة السكان أولا بأول، ولذلك نلجأ إلى عمل تقديرات سنوية في السنين بين سنوات التعداد، ولعمل هذه التعدادات نفرض أن مقدار الزيادة ثابت على أساس المتوالية العددية.

تقسيم السكان حسب النوع :
من المهم أن نعرف تقسيم السكان على حسب النوع (ذكورا وإناثا) لأن هذا ضروري معرفته عند بحث الحالة الاجتماعية للسكان، كما أن البلاد المختلفة تتفاوت فيها نسبة الإناث للذكور كونها بلادا قديمة أو حديثة، هذا فضلا عن أن الذكور على العموم أقل عددا لأنهم معرضون للوفاة أكثر من الإناث، ففي البلاد القديمة يكون عدد الإناث أكبر من عدد الذكور، بينما في البلاد الجديدة تجد عدد الذكور أكثر، فنلقى عدد الإناث لكل ألف من الذكور : 1099 و 1068 و 1037 و 1034 و 1026 في بلاد الترويج وانجلترا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا على الترتيب وذلك سنة 1951، بينما نجد أن عدد الإناث لكل ألف من الذكور في الولايات المتحدة واستراليا وكندا، 943 و 926 و 886 على التوالي، والسبب في ذلك واضح وهو أن بلاد العالم القديم عادة مزدوجة بالسكان قليلة المواد نسبيا فيتركها الرجال إلى بلاد أخرى بحثا وراء الرزق، وهؤلاء الرجال يسافرون وهم في مقتبل العمر قبل أن يتزوجوا، أو يتركون زوجاتهم وأطفالهم ريثما يحققون النجاح في البلاد التي نزحوا إليها، فتلحق بهم نساؤهم وذريتهم فيما بعد، ولذلك تزيد نسبة الإناث على نسبة الذكور في البلاد التي نزحوا فيها، وبالعكس تزيد نسبة الذكور في البلاد الحديثة التي نزح إليها هؤلاء الرجال ونزلوا بها دون نسائهم، والدليل على ذلك أننا نجد في الولايات المتحدة نسبة الإناث إلى الذكور : 774 إلى الألف بين الأجانب النازحين و 974 إلى الألف بين الوطنيين.

توزيع السكان حسب الأعمار :
من النقط الجديرة بالملاحظة عند دراسة السكان نسبة توزيع الأفراد من ذكور وإناث طبقا للسن،
فطبيعي أن المجتمع الذي يكثر فيه الأطفال والأحداث يختلف عن ذلك المجتمع الذي ترتفع فيه نسبة الأفراد العاملين ما بين سن 20 و 40 سنة، كما يختلف عن ذلك الذي تكثر فيه نسبة الشيوخ فوق 65 سنة، وإن هذه النسب لتؤثر على الحاجات الاستهلاكية للأفراد أو من حيث طبيعتها، وبالتالي على الأعباء الاجتماعية للدولة وعلى الطاقة الشرائية.
والنموذج الكامل لتوزيع السكان يمكن تمثيله بمثلث متساوي الساقين أو بهرم مكون من جانبين أحدهما يمثل إعداد الإناث خلال الأعمار المختلفة، وعند قمة الهرم نجد أكبر المعمرين ضمن مجموعة السكان.
إذا فرضنا أم معدل الوفيات ظل ثابتا  بينما ازداد معدل المواليد فمعنى ذلك ازدياد الأطفال لفترة من الزمن في المجتمع ويؤدي الأمر إلى تغيير الشكل الهرمي في قاعدة فتزداد اتساعا، وفي مثل هذا المجتمعا لا بد من أن تروج حركة إنتاج السلع والخدمات اللازمة للأطفال فيزداد الطلب على ملابس ولعب الأطفال وبالتالي إنتاجها، كما يكثر الطلب على خدمات ممرضات وأطباء الأطفال، وتواجه السلطات مشكلة زيادة المستشفيات ورياض الأطفال ومراكز الصحة والأمومة إلى غير ذلك من الخدمات التي يتطلبها بالجيل الجديد، وسيواجه المجتمع عموما زيادة مطلقة في السكان ستكون لها آثارها في السنين التالية.
أما إذا حدث العكس أي تناقص معدل المواليد مع بقاء معدل الوفيات ثابتا فستؤدي هذه الحالة في المدة القصيرة إلى توزيع جديد للسكان يشخص لنا في تقلص قاعدة الهرم السكاني، ومثل هذا المجتمع سيواجه مشكلة تناقص تدريجي من السكان سيظهر أثره في المدى القصير على شكل كساد في كل ما يتعلق بإنتاج السلع والخدمات اللازمة للأطفال والصغار، كما سيبدو أثره في المدى الطويل عندما يشعر المجتمع بأنه مهدد بتناقص في العدد المطلق للسكان، إذا كان هذا التناقص ينذر فعلا بنقص الطاقة البشرية اللازمة للاستغلال الموارد الموجودة ونقص في الناتج القومي.
وتختلف الأوضاع إذا بقي معدل المواليد ثابتا بينا يتغير معدل الوفيات، فازدياد معدل الوفيات معناه تناقص في العدد المطلق للسكان نتيجة النقص في عدد المعمرين من الأفراد في المجتمع، ويطرأ تغير في قمة هرم توزيع السكان في هذه الحالة وكذا في الحالة العكسية حين يتناقص معدل الوفيات مع ثبات معدل المواليد فيزداد العدد المطلق للسكان نتيجة لزيادة نسبة الأفراد في سن الشيخوخة، وسيكون لهذا الوضع نتائجه وبخاصة فيما يتعلق بالأعباء الاجتماعية للسلطة الحاكمة حيث تزداد نسبة إعانات الشيخوخة والمعاشات وتكلفة الخدمات المختلفة التي تقدمها الدولة من ميزانيتها العامة. وسوف يكون لكثرة نسبة المعمرين أثر واضح على الحياة الاقتصادية بوجه عام، فمعظم هؤلاء يعتبرون عبئا على المجتمع وسيخصهم نصيب من الدخل القومي دون أن يساهموا في الإنتاج، كما أن ازدياد عدد المعمرين في الأسرة الواحدة من شأنه أن يستنزف جزءا كبيرا من دخل العائل، هذا بالإضافة إلى أن الكثير من النواحي الإنتاجية سوف يسخر لخدمة المعمرين وما يحتاجونه.

الهجرة :
ومن البديهي أن الهجرة من البلاد وإليها سيكون لها أثر ظاهر بالإضافة إلى التغيرات في معدل المواليد والوفيات حيث يزداد العدد المطلق للسكان في حالة الهجرة إلى البلاد والعكس في حالة الهجرة منها، هذا عدا التغير الذي يطرأ على عدد الذكور والإناث /// العاملين، ويقصد بالعاملين أو النشيطين عند دراسة السكان هؤلاء الأفراد من السن ما بين 15 و 55 سنة أو ما يقرب من ذلك طبقا للظروف والعادات، على اعتبارات الفرد في تلك السن يستطيع كسب عيشه وإعالة غيره، ويعتبر إذ ذاك جزءا من الطاقة البشرية العاملة في المجتمع، فالمعروف أن الأفراد المبالين للهجرة هم عادة القادرون على تحمل متاعب تغيير البيئة والموطن، والراغبون في البحث عن سبل العيش الذي لا يتوفر حيث موطنهم الأصلي والذين يتطلعون إلى الاستقرار في وطن جديد ويأملون مستقلا أفضل في رحابه.
وقد دلت المشاهدات على أن الغالية من الأفراد الذين يغامرون بالهجرة من بلادهم إلى بلاد أخرى يكونون عادة في سن ما بين 15 و 50 سنة، كما أن المهاجرين الذكور في العادة أكثر عددا من النساء، ومع ذلك فقد يهاجر الشاب ومعه زوجته وأطفاله وربما اصطحب معه والديه.
وعلى العموم فإننا إن رمنا توضيح توزيع السكان في بلد من البلدان وطبقا للإحصاءات الواقعة فإننا نجد أن الشكل النهائي أقل انتظاما من النموذج الكامل الذي  يحدده المثلث المتساوي الساقين، إذ أن معدل الوفيات يختلف في المراحل المختلفة من الأعمار، كما أنه يختلف بالنسبة للذكور عنه بالنسبة للإناث، فإن عدد الذكور فيما بين سن العشرين أو الأربعين أقل من عدد الإناث في نفس السن، وربما كان السبب في هذا إن الكثيرين من الشباب قد قتلوا في الحرب الكونية الأخيرة، إن مثل هذا المجتمع الذي يقل فيه عدد الذكور من سن الأربعين إلى العشرين عن عدد الإناث في مثل السن سيواجه في اقتصادياته نقصا نسبيا في الأيدي العاملة من الرجال (من سن 20 إلى سن 40)، وربما كان هناك عبء كبير على مالية الدولة بسبب تعويض عائلات ضحايا الحرب وكذا المشوهين منهم، ومعنى ذلك أن الفئة الكاسبة في المجتمع وهي قليلة نسبيا ستتحمل عبء إعالة عدد كبير من الأفراد، وإذا أراد هذا المجتمع أن يعوض النقص في الأيدي العاملة في شتى الميادين فلا بد من أن يعتمد على القادرات من النساء، وقد تحققت هذه الظاهرة على نطاق واسع بعد الحرب العالمية الأولى، إن دخول المرأة شتى ميادين العمل لم يكن فرد ظاهرة تمدين أو مرحلة اعتراف بحقوق المرأة أو مجرد تقدم اجتماعي، وإنما كان السبب الحقيقي هو الضرورة الاقتصادية المتمثلة في نقص عدد الرجال، والضرورة الاجتماعية القائمة في النقص النسبي في عدد الأزواج، وإن النقص النسبي في الأيدي العاملة من الرجال تعوضه الأيدي العاملة من النساء، وحصولهن على دخل هو في الواقع تعويض عادل عن عدم الزواج.

معدل الزواج :
الزواج ظاهرة اجتماعية شائعة بين جميع الأمم وتعتمد عليها الشعوب في الاحتفاظ بعددها من الأفراد وتعويض ما تفقده من سكانها، فلا بد من دراستها ومراقبتها عند البحث في حركة السكان من حيث الزيادة أو النقص في أي بلد، ونجد في كل البلاد المتمدينة إحصاءات وافية عن الزواج ترجع إلى زمن بعيد، ولكن الإحصاءات الخاصة بالزواج في بعض الدول تقتصر على المدن الكبرى لا غير.
ونظرا لأهمية حادث الزواج في حياة الشخص المتزوج وحياة الأسرة المتكونة من الزواج عنيت الحكومات بوضع القوانين التي تحتم تسجيل الزواج رسميا عند حصوله، وذلك إثباتا للحقائق للرجوع إليها عند اللزوم، ومن هذا التسجيل تجمع البيانات الإحصائية الخاصة بالزواج وثبوت وتنشر تباعا.
ومن المهم أن نلاحظ أن تأثير نسبة الزواج على نمو السكان يتوقف على متوسط عمر الإناث عند الزواج، فقد تزداد نسبة الزواج زيادة محسوسة دون أن يؤثر ذلك في زيادة عدد السكان لأن خصوبة النساء أكثر ما تكون ما بين سن 15 وسن 45 أي في سن 18، فإذا ما تأجل الزواج بعد هذه الفترة الخصبة بكثير فإن زيادة معدل الزواج لا تجدي كثيرا لتعويض ما فقد من خصوبة النساء اللائي أجلن زواجهن، وهذه الظاهرة من العوامل المهمة في انخفاض معدل المواليد في بعض البلدان كانجلترا، ومعنى ذلك إننا لا بد أن نأخذ الاعتبار متوسط عمر الزوجات وقت الزواج عند دراسة معدل الزواج وتأثيره في نمو السكان.

المواليد :
إن المواليد في مجتمع ما هم ثمرة التوالد في هذا المجتمع، وعدد المواليد من العناصر الأساسية في معرفة حركة السكان من حيث الزيادة أو النقص ولذلك نجد إحصاء المواليد من أهم الإحصاءات الحيوية، وهو يستند في كل البلاد على تشريع يحتم تسجيل المواليد رسميا في دفاتر الحكومة في خلال مدة محدودة من وقت الميلاد.
إن أعلى معدل للمواليد في العالم يقرب من الخمسين في الألف بينما أدنى معدل للوفيات يصل إلى العشر في الألف من السكان، فإذا اجتمعت هاتان النسبتان في بلد فإن سكان هذا البلد يزيدون بنسبة 40 في الألف أو 4% في السنة ويعني ذلك تضاعف عدد السكان كل 5 و 17 سنة، وعلى هذا الأساس نستطيع أن نتصور ما يحدث في بلد كالمغرب بعد 100 سنة إذ يقدر أن يصل تعداده إلى 500 مليون نسمة، ولكن هذا شيء غير متوقع حدوثه في المغرب ولا في غيره، إذ عندما ترتفع نسبة المواليد إلى الحد الأقصى لا يمكن أن تنخفض نسبة الوفيات إلى الحد الأدنى، فالبلاد التي استطاعت أن تنقص وفياتها إلى حد كبير باستخدام الوسائل الصحية الحديثة ورفع مستوى المعيشة بين سكانها هي نفسها التي أخذت تعاني من النقص في مواليدها حتى باتت تخشى في الوقت الحاضر أن يتناقص عدد سكانها المطلق، ويرى بعض الإحصائيين أن النسبة 45 في الألف تقرب كثيرا من قوة الانسال الطبيعية التي تعمل بدون عوائق اختيارية لضبط النسل قد تصل به نسبة المواليد العامة إلى هذا المستوى.
ومن المشاهد في كل البلاد إن المواليد الذكور يكونون دائما عددا من الإناث وهي في الحقيقة ظاهرة طبيعية ذات تفسير بيولوجي محض. ونسبة الذكور إلى الإناث تكون في العادة حوالي 106 من الذكور لكل 100 أنثى ولكن إجهاض الأجنة ذكورا أكثر حصولا من إجهاض الإناث، والوفاة بين الرضع الذكور أكثر منها بين الرضع الإناث، ونتيجة ذلك تتعادل نسبة الذكور والإناث حوالي سن الخامسة، وتختلف نسبة الدور من بلد لآخر كما تختلف في نفس البلد من وقت لآخر، وقد لاحظ بعض الباحثين إن نسبة الذكور ترتفع وتنخفض مع حركة مستوى الأسعار، وربما كان معنى هذا التوافق بين مستوى الأسعار ونسبة الذكور، كما لوحظ في انجلترا من سنة 1869 إلى سنة 1911 إن نسبة الذكورة ترتفع  كلما زادت الحياة عسرا وضيقا بارتفاع الأسعار وتهبط كلما خفت الضائقة بنزول مستوى الأسعار، ونجد ما يعزز هذا التفسير في ارتفاع نسبة الذكورة في البوادي حيث الحياة خشنة إذا قيست بحياة الحواضر.
ومعدل المواليد بين الطبقات الفقيرة أعلى منه بين الطبقات الغنية، ويتوقف معدل المواليد على وجه العموم على مستوى المعيشة والثقافة العامة للسكان، فهو بين الطبقات الفقيرة أعلى منه في الطبقات المتوسطة والطبقات الغنية من السكان، وذلك لأن أفراد الطبقات الفقيرة يتزوجون صغارا حيث الخصوبة أشد ما تكون، بخلاف أفراد الطبقات الموسرة إذ يؤجلون زواجهم إلى ما بعد هذه المرحلة، هذا فضلا عن أن أفراد الطبقات المتعلمة والغنية أكثر خبرة بوسائل تحديد للنسل وأكثر التجاء إليها ولا شك أن هذا ناتج أيضا عن زيادة التبصر ويعد النظر من جانب المثقفين والأغنياء. وما أحرى الفقراء أن يتبصروا في أمور معاشهم فلا يكلفوا أنفسهم مؤونة الإنفاق على أسر تضيق مواردهم عن القيام بأعبائها ! وكان حريا بذوي السار أن ينجبوا أولادا هم أقدر الناس على الإنفاق عليهم وتربيتهم ! ونجد في مدينة استوكهلم بالسويد أم معدل المواليد بين الطبقات الفقيرة أقل من عند الأغنياء، وربما كان البلد الوحيد في العالم بهذا الوصف، وقد اتضح من إحصاء عمل في هولندا عن العلاقة بين عدد المواليد والمراكز الاجتماعية للأسرة مقاسا بالدخل، إن عدد المواليد يقل مع زيادة دخل الأسرة، وكذلك زيادة عدد المواليد في الأسر القروية فنرى أن 2 و 37% من الأسر الفقيرة في المدن يولد لها 6 أطفال فأكثر على حين أن النسبة في الأسر الغنية هي 3 أطفال في المتوسط، وعلى ما نرى أن أسر القرى على اختلاف طبقاتها أكثر مواليد من أسر المدن على اختلاف طبقاتها. ويختلف عدد المواليد أيضا حسب ديانة الوالدين، فالمشاهد مثلا أن معدل المواليد بين الكانوليك أعلى من عند البروتستانت، والوضع السياسي والاجتماعي يؤثر أيضا في معدل المواليد إذ المعروف أن الأقليات مثلا في كل البلاد يكون معدل المواليد في وسطها أعلى من معدل المواليد العام للبلاد التي تعيش فيها هذه الأقليات.

الوفيات :
يعتبر معدل الوفيات من أهم الإحصاءات التي تنشر عن الوفيات، وهذا المعدل في حد ذاته له معناه ويمكن استخدامه للوقوف على الحالة الصحية للبلد.
والمشاهد أن معدل الوفيات بين الإناث أقل منه بين الذكور وذلك بوجه عام، وهذه الظاهرة نجدها في كل الأعمار تقريبا وفي كل البلاد، فهي ظاهرة معروفة ومسلم بها وليست خاصة بدولة معينة، ومعدل الوفيات يختلف تبعا للأعمار، فهو أكبر ما يكون في مرحلتي الطفولة والشيخوخة حيث تكون درجة المناعة عند الشخص ومقاومته للأمراض أقل ما يمكن سواء في ذلك الذكور أو الإناث، وأقل ما يكون هذا المعدل في مرحلة العمر الواقعة بين سن 10 و 15 سنة، ومن أهم المسائل التي تنال كثيرا من العناية والدرس في هذا الصدد مسألة معدل الوفيات بين الأطفال، وخصوصا الرضيع الذين لم يبلغوا من العمر سنة واحدة وذلك لأن الأطفال بطبيعتهم أقل مقاومة للأمراض من الكبار وأسرع وأشد تأثيرا من غيرهم، وبالتالي منهم أكثر تعرضا للوفاة من الأشخاص الآخرين، وارتفاع معدل الوفاة بين هؤلاء يدل على حالة صحبة غير مرضية، وقد يكون ضعفهم وعدم تحملهم نتيجة لعوامل ترجع إلى عدم العناية بالأمهات أثناء الحمل أو أثناء الوضع أو بعده أو قبله، أو ضعف صحة الأمهات عموما. ومعدل الوفيات بين الأطفال يتراوح في جهات العالم بين 170 و 25 من الألف. ففي مصر 166 من الألف، وفي إيطاليا 106 في الألف، وفي انجلترا 65في الألف، وفي أستراليا 41 في الألف، وفي السويد 28 في الألف.
وهنا نتساءل، هل من مصلحة المجتمع الفقير أن تنخفض نسبة وفيات الأطفال منه، وينجو من الموت أطفال صغار يثقلون بأعبائهم كاهل هذا المجتمع ؟ الحق أن هذه المسألة تستوجب نقاشا طويلا !
وإن هناك علاقة طردية بين معدل الوفيات ومعدل المواليد للأطفال، فينخفضان معا ويرتفعان معا بوجه عام، وهذه العلاقة نشاهدها بين طبقة وأخرى بين السكان وبين حي وآخر في نفس المدينة وبين أسر مختلفة في ذات الحي.
وزيادة عدد المواليد من الأسرة أو الحي أو البلد تجلب زيادة في نسب وفيات الأطفال، فهل هذا قانون لا مفر منه أو حالة عارضة يمكن التخلص منها ؟ هل يمكن الحصول على المواليد دون دفع الثمن بفقد نسبة كبيرة من هؤلاء المواليد ؟ إن وفيات الأطفال ينشأ معظمها من ضعفهم وعدم قدرتهم على المقاومة، وإن هذا الضعف ربما يكون نتيجة عوامل ترجع إلى عدم العناية بالأم أثناء الوضع أو الحمل، وبعض هذه العوامل يمكن إزالتها بتحسين الأحوال الصحية العامة وزيادة العناية بالأمهات، وزيادة على ذلك يمكننا أن نتصور أن ارتفاع مستوى معيشة بين الأسر وما يتبعه من تحسين التغذية وكفايتها يساعد على تزويد الأطفال بالقوة والحيوية اللازمة لمقاومة المرض إذا حل بهم. وهكذا يمكننا أن نزيد عدد المواليد دون زيادة في عدد الوفيات وذلك بأن نتعهدهم وأمهاتهم بالعناية والتغذية الكافية. وبذلك نستطيع الفصل بين هاتين الرابطتين، غير أن هناك عاملا آخر وهو أنه كلما تعددت مرات الحمل لدى الأم ضعف وليدها.
فمن الممكن إذن أن نحتفظ بعدد كبير من المواليد وهذا العدد هو الفرق بين عدد المواليد وعدد وفيات الأطفال، والزيادة الفعلية في السكان تتوقف على هذا الفرق أكثر مما تعتمد على المواليد، وهذا الفرق إذن هو الذي يقيس مقدار نمو السكان أي أنه يعبر عن ما في الخصوبة للسكان. والذي يلاحظ أن العامل الأساسي لارتفاع نسبة الزيادة الطبيعية للسكان في البلاد الشرقية هو ارتفاع نسبة المواليد، بينما العامل الأساسي في انخفاضها في البلاد الغربية هو انخفاض نسبة المواليد.
 
قال علي رضي الله عنه : قال النبي صلى الله عليه وسلم :
من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وطهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here