islamaumaroc

نظريات وافدة رفضها العقل العربي الإسلامي -1-

  دعوة الحق

140 العدد

في حوالي القرن الأخير (1870 تقريبا) إلى اليوم ألقي إلى الفكر الإسلامي والثقافة العربية نظريات ومذاهب وافدة كثيرة، في مختلف مجالات اللغة والدين والاجتماع والحضارة والتربية والتراث.
وهي نظريات فرضت في الأغلب فرضا تحت ضغط ظروف الغزو الاستعماري والاحتلال البريطاني والفرنسي للعالم الإسلامي، وقد ألقيت هذه النظريات من خلال الإرساليات ومعاهدها وفرعيها، وكان مجال الصحافة والتعليم والثقافة أبرز ميادينها.
وقد غلف الدعاة إلى هذه النظريات دعوتهم بحماسة الرغبة في النهضة والتجديد والاستجابة لروح العصر، والخروج من الجمود، وكسر قيود التقليد ومقاومة الرجعية والتماس الغرب في خطوه، لمساواته ومحاذاته.
وقد حملت هذه الدعوات أساسا فكرة واضحة هي أن أمتنا وأوطاننا ليست من العرب ولا متصلة بإفريقيا وآسيا ولا تربطها بالصحراء العربية رابطة، ولكنها متصلة باليونان قديما، وبالغرب حديثا.
وقد امتدت هذه النظريات إلى العقل فقالت إن العقل المصري والسوري والمغربي هو عقل أوربي، وإن الفكر الإسلامي هو فكر يوناني، وما إلى ذلك من مجازفات خارجة عن أدنى حدود العلم والمنطق والتدقيق. وكلها تهدف إلى عزل كل وطن عربي عن العرب كلمة وعرق من ناحية وعن الإسلام كفكر وثقافة من ناحية أخرى.
وقد صدرت مؤلفات تحمل مثل هذه الآراء أريد بها إحداث ضجة كبرى، كعامل هام في سبيل ترديد هذه النظريات الوافدة وإعادة غرسها في العقول والنفوس. وقد جرت المساجلات ساخنة ومثيرة، حول هذه الأفكار ثم انتقلت هذه القضايا من أعمدة الصحف إلى منابر الجماعات إلى مجال البرلمان، وكانت نفوذ الاستعمار وقواه تعمل في مجال البرامج التعليمي والمناهج الجامعية والصحف الكبرى والأسماء اللامعة من أجل إقرار هذه الآراء.
غير أن هذه النظريات لن تلبث طويلا حتى تحطمت، وما عتمت هذه التيارات إن قضي عليها، وفشلت في تحقيق الهدف منها، ذلك إن ذاتية الفكر العربي إلا سلامي المستمدة من قيمة ومقوماته الأصلية عميقة الجذور قد رفضت هذه المحاولات التغريبية لإخراج هذه الأمة من جلدها وإذابتها في الفكر الأممي الشعوبي غير أن الأمر لم يتوقف بالتغريب عند حد الهزيمة فإنه سرعان ما جدد هذه الدعوات وألبستها صورة جديدة وقدمها مرة أخرى وما تزال رحى المعركة دائرة بين الزيف والصحيح، وبين الأصالة والتبعية.
في مقدمة هذه النظريات تكريم أدب الإغريق وإعلاء شأن أدب اليونان على الأدب العربي، ودعم  شأن الإقليميات الضيقة : كالمصرية والفينيقية والبربرية وغيرها من الدعوات، والنهي عل العرب ومحاولة انتقاص وجودهم وكيانهم، وإثارة الخلاف ومحاولة تمزيق الرابطة العضوية بين العروبة والإسلام، ومعارضة الشريعة الإسلامية وإثارة الشبهات حول أصالتها، ومقاومة اللغة العربية الفصحى والدعوة إلى العامية، هذا إلى المحاولات الجبارة الضخمة المبذولة من أجل دحر الحقيقة الواضحة الكبرى وهي أن الإسلام دين نظام اجتماعي معا، هذا فضلا عن محاولة توجيه النقد إلى القرآن ووصفه بأنه كتاب أوربي أو كتاب وضعه النبي محمد وكذلك الدعوة إلى إسقاط الحضارة الإسلامية وإنكار عطائها للحضارة العربية، والدعوة إلى ما يسمى عالمية الثقافة، وهو تذويب قيم الثقافة العربية في أتون الفكر الغربي مع الفروق الواضحة بينهما. ومحاولة توسيد قيم وافدة في مجال التربية والتعليم تتعارض مع ذاتية الأمة ومزاجها النفسي، وذلك إلى مهاجمة التراث العربي الإسلامي وإثارة الشكوك حوله وانتقاضه.
كما عهدت حركة التغريب إلى إذاعة نظريات فرويد في النفس وسارتر في الأخلاق ودوركايم في الاجتماع وكلها تتعارض مع قيم الفكر الإسلامي، ومن أبرز هذه المخططات العمل على انتقاص إعلام الإسلام وإبطاله، فضلا عن طرح مفاهيم غربية في البطولة نفسها تستمد طابعها من مفهوم المسيحية الغربية القائم على ما يسمونه الخلاص، وكذلك إذاعة الأدب المكشوف والإباحية الفكرية مع الدعوة إلى الإلحاد من خلال مفاهيم الفلسفة المادية، هذا بالإضافة إلى محاولة إعلاء اتجاه التعبير المادي في مجالات التاريخ والاقتصاد والاجتماع.
وقد راجعت هذه الأفكار رواجا شديدا، ووجد النفوذ الاستعماري عن طريق أدواته العديدة وفي مقدمتها المدرسية والصحيفة مجالا كبيرا لإذاعة هذه الأفكار ودعمها.
وصدرت في ذلك كتب عديدة وأثيرت مساجلات ومعارك أدبية متعددة.
غير أن هذه النظريات لم تلبث في ضوء الحقيقة إن سقطت وتحطمت.
حاولت هذه الكتابات أن تنقل وجهات النظر التغريبية إلى مجال الفكر العربي الإسلامي في مختلف مفاهيمه واعتمدت على وجهات نظر المبشرين والمستشرقين وهي وجهات نظر خطيرة مغرضة مصاغة بعناية وحذر يراد بها إغراء القارئ العربي – وخاصة ذلك الذي لم يعرف كثيرا عن الفكر الإسلامي – حتى يتقبلها بسرعة وقد استخدم لها باحثون ألقيت إليهم أضواء واسعة من الشهرة والمكانة.
وقد اتصلت هذه الكتابات بالتاريخ والأدب الإجمالي واللغة العربية وحاولت أن يتجرد من كل صلة بهذه العلوم بالإسلام في محاولة للتعمية والتضليل.
ولما كان الفكر الإسلامي يمثل وحدة كاملة، وكانت هذه العلوم أجزاء منه يتكامل بعضها مع البعض الآخر، دون أن ينفصل أحدها أو يشكل وحدة مستقلة، فقد رأى دعاة التغريب في مكر بالغ، إن يبتعدوا عن (الإسلام) كدين بصورة واضحة، وإن يجعلوا ضرباتهم موجهة إلى هذه الجوانب حتى يكونوا في مأمن من حملات العلماء، وحتى يتحقق لهم بهدم هذه النواحي إصابة الإسلام في قلبه وأعماقه.
فهذا كتاب يريد أن يصل صاحبه في بحث له طابع علمي براق إلى أن الخلافة ليست أصلا من أصول الإسلام وأن نظام الحكم كان حرا طليقا، إلى هنا والمسألة في نظر الباحث غير المتعق – يسيرة وربما مقبولة، ولكن هناك هدف المحق وراء ذلك، ذلك هو الادعاء بأن الإسلام كان دينا روحيا خالصا وإن شؤون السياسة والمجتمع والحكم لم تكن منه جزءا لا يتجزأ، وبذلك أحدث الكتاب ثلمة خطيرة في أدق مقومات الإسلام الأساسية التي تفرق بينه وبين الأديان القائمة على العقائد وحدها دون الشريعة، وعلى اللاهوت وحده دون نظام المجتمع، ولكي نعرف مدى خطر هذا الرأي أن تلقفه المستشرقون ومضوا يصرخون بأن في الإسلام مذهبين وليس مذهب واحد أحدهما يقول بأن الإسلام دين وليس له دولة، وحيث أم مستشرقا لم يجرؤ على هذا الادعاء قبل أن يصدر مثل هذا الكتاب، وهذا الكتاب ما يزال في الأيدي، وهناك أكثر من بحث للرد عليه ودحض مزاعمه، ولقد كان علينا أن نعلم ما هي خفايا هذا البحث والغرض منه، هنالك نجد أنه عمل سياسي أصلا، أريد به معارضة اتجاه لإحياء الخلافة ومن  ثم فقد انتصرت الدعوة في مجال الخصومة الحزبية والسياسية ولكنها تركت آثار مريرة في مجال الفكر الإسلامي، فقد أدخل مفهومها ليس إسلامي الأصل، من مفاهيم الفكر الأوربي المسيحي القائل بالفصل بين الدين والدولة وهو ما لم يعرفه تاريخ الإسلام ومن عجب أن كتابا في الفقه الإسلامي لا نجد فيه مرجعا واحدا من كتب  الفقه وإنما يعتمد على مثل الأغاني والعقد الفريد !! 
                                                - * -
وهناك كتاب شهير أراد صاحبه أن يدعو الباحثين والأدباء إلى أن يحجبوا دينهم وقوميتهم وهم بسبيل البحث في الأدب، وكان ذلك جريا وراء تغريب الأدب العربي بإخراجه من وضعه الصحيح في الفكر الإسلامي كجزء منه لا ينفصل، ولا يمكن دراسته إلا في موضعه الصحيح، فلقد كان للإسلام في الأدب العربي أثر ضخم بعيد المدى ومن هنا فإنه من العسير أشد العسر أن ينفصل الأدب عن الفكر الإسلامي ولا أن يدرس حرا من هذا الارتباط الاجتماعي والأخلاقي، وهو ارتباط عضوي أصيل.
ولقد جنى الأدب آثارا مريرة عظيمة، فقد فتح الباب أمام أفكار نصوص الكتب المنزلة وفي مقدمتها القرآن، كما فتح الباب أمام محاولة نقد آيات القرآن وأنه جزا الأدباء على التركيز على أبي نواس وبشار والضحاك على أنهم نماذج الأدب العربي بينما أبعدت آثار الغزالي وابن تيمة وابن حزم، فضلا أنه فتح الباب أمام الإباحيات والأدب المكشوف وإعلائه، والجرأة على قيم الإسلام، فضلا عن خطا إعطاء الأدب هذه الحرية في الحكم على أمور لا تدخل تحت نفوذه، وفي التوسع لفرض سلطانه على قضايا المجتمع والدين والتربية والأخلاق، وهذا ما لم يكن من مفهوم الفكر العربي الإسلامي المتكامل الشامل.
ولقد كان ذلك اتجاها خطيرا في خطة التغريب يهدف إلى تحقيق نتائج مضللة تنكشف، فنحن نرى كيف أصبح مثل كتاب (الأغاني) مرجعا من مراجع البحث العلمي والتاريخي، تؤخذ منه النصوص ليستدل بها في قضايا الدين والاجتماع والتاريخ، بينما لم يكن هذا الكتاب في الواقع إلا مجموعة من الأصوات الغنائية وقد وضعه مؤلفه للملوك والخلفاء لإزجاء فراغهم بقصص ذوي الأهواء وأهل الفن وإنه في ذلك لا يدخل في باب المراجع الموثوق بها ولا المصارد العلمية، وهو إلى ذلك لا يستطيع أن يمثل صورة حقيقة للحياة السياسية والاجتماعية في مجتمع زاخر بالقوى الفكرية من الفقهاء والعلماء والفلاسفة والصوفية والمؤرخون، وقد تأكد من اكثر من مصدر أن أبا الفرج الاصفهائي ليس مؤرخا ولا يصلح كتابه أن يكون مادة تاريخ، وإنما هو جماع لقصص فيه الصحيح والزائف جمعه من الأسواق، وقد شهد عليه كثيرون بالانحراف : فقال اليوسفي المؤرخ "إن أبا الفرج أكذب الناس لأنه كان يدخل سوق الوراقين وهي مملوءة بالكتب فيشتري منها شيئا كثيرا من الصحف ويحملها إلى بيته ثم تكون رواياته كلها منها، بل إن المؤرخين قد وضعوه بأنه رجل عار عن الثقة به.
والحق أن الباحثين المسلمين قد التفتوا منذ وقت بعيد إلى خطر المصادر الأدبية كمراجع للبحوث العلمية والتاريخية. وقد أشار العلماء إلى من أسموهم "أهل الغفلة والهوى الذين اعتمدوا في تاريخهم كما يول القاضي أبو بكر ابن العربي " هم الذين غلبت عليهم صناعة الأدب فمالوا إلى كل غريب من الأخبار دون أن يتحروا الصدق ويهتموا بالرواية والإسناد، لقول القاضي ابن العربي في كتابه العواصم من القواصم : " لتحذروا من أهل الأدب فإنهم أهل الأدب فإنهم أهل جهالة بحرمات الدين أو على بدعة مصرين فلا تبالوا بما رووا ".
من خلال الاعتماد على مثل كتاب الأغاني (وكتب المحاضرات جميعها مردودة كمصادر علمية وتاريخية) وصل بعض الباحثين إلى القول بأن القرن الثاني من الهجرة كان على شك ومجون، وأن هذا الحكم قد صدر اعتمادا على دراسة بعض الشعراء المجان، فاستطاع هذا الكاتب في جرأة عجيبة أن يقول بأن هؤلاء الشعراء ثميلون عصرهم ويخولون له الحق في إصدار حكم على العصر كله، بينما يوجد في ذلك العصر عشرات من الأدباء والعلماء والمفكرين والباحثين، ولا يمكن أن تتم صورة عصر إلا بدراسة النماذج المختلفة فيه.   
                                             -  * -
  وبعد فإن على شبابنا المثقف وكتابنا وأدبائنا أن يقفوا موقفا علميا كلما صادفهم مرجع أو مصدر 
من المصادر الشهيرة، وأن يسألوا أنفسهم سؤالا واضحا :
ألم تصدر في مناقشة هذه الآراء ردود أو معارضات.
ثم علهم بعد ذلك أن يبحثوا عن هذه الكتب ويقرأوها.
فإذا كان من مصادر الكاتب أو الباحث كتب مثل :
الشعر الجاهلي أو الإسلام وأصول الحكم أو فلسفة ابن خلدون الاجتماعية أو تحرر المرأة أو نظرية التطور أو حديث الأربعاء أو هامش السيرة أو مع المتنبي، أو مستقبل الثقافة أو الأخلاق عند الغزالي أو النثر الفني، أو غيرها من مؤلفات، فإن ضرورة التحقيق العلمي تقضي على القارئ أن يراجع كل ما كتب عن هذه الأبحاث لم تكتب إلا في ضوء تحديات خطيرة هي تحديات الغزو الفكري والتغريب وإن كتابها يجب أن يعرضوا على قانون "الجرح والتعديل".   
 
من يستحقه ؟
لما رجع الرشيد عن الحج كان قد نذر أن يتصدق بألف دينار على أحق من يجده، فدفع يوما ألف دينار إلى بعض ثقاته وأمره أن يطلب فقيرا مستحقا فيعطيه، فأخذ يطوف في الأسواق فإذا رأى فقيرا مستحقا للإعطاء قال لعلي أجد أفقر منه، فانتهى في العشي إلى عريان محلوق الرأس في خربة فقال في نفسه لا أجد أفقر من هذا، فقال يا فتى خذ هذا المال واستعن به فقال : لا حاجة لي فيه قال أحب أن تأخذه، قال إن كان ولا بد فتم حجام حلق رأسي ولم يكن معي شيء فادفعه إليه، قال فقصدت الحجام فامتنع من أخذه، فقلت هو ألف دينار، فقال ما حلقت رأسه إلا للثواب فلا آخذه عليه أجرة، قال فعدت وما وجدت أكرم منهما وأهوم مني. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here