islamaumaroc

كشاجم

  دعوة الحق

140 العدد

معنا اليوم الشاعر غريب في نسبه، غريب في حياته، غريب في اسمه، لقد دعي كشاجم، أو كشاجم، وهو اسم مأخوذ من تعدد ميزاته وكثرة ملكاته التي فاق بها أقرانه، الكاف للكتابة والشين للشعر والألف للإنشاء والجيم للجدل أو الجمال، والميم للمنطق أو التنجيم.
أما اسمه الحقيقي فهو الفتح محمود ابن الحسين، ولد في الرملة من فلسطين وهو فارسي الأصل، وكان أجداده في العراق وتنقل هو بين القدس ودمشق وحلب وبغداد.
قيل أنه مات عام 360 هـ وقيل سنة 330 هـ أو 350 ولم يذكر التاريخ سنة مولده. فهو كما ترى قد اختلف في اسمه وفي وفاته وولادته وفي محل إقامته، كما اختلف في شعره فنسب بعضه إلى غيره كما نسب إليه ما ليس له، واضطرب الرأي في مؤلفاته هل هي من فنه أم أنها عزيت إليه عزوا، فنحن من هذا الشاعر في شك وحيرة سنضرب عنهما صفحا لأن ما يهمنا منه هذا الشعر الجيد الذي تركه، لنا والذي رأينا منه ألوانا معجبة وألوانا تدل على الذكاء والثقافة والموهبة الفنية الكبيرة.
كان من شعراء سيف الدولة، أعني أنه كان ندا للمتثبي وأبي فراس وأمثالهما من التابغين في مجلس الأمير الأديب، وكان قبل سيف الدولة نديما لوالده عبد الله بن حمدان وقد كان كالمتنبي معجبا بآل حمدان حتى لقد نظم كثيرا من الشعر الخالص الذي يشير إلى حبه لهذا البيت حبا مجردا عن النفع والإفادة والغاية.
ولكن التاريخ يسكب عن تفصيل حياة هذا الشاعر الكبير، أنه يصمت حينا ثم يعود إلى الحديث ولمنه حديث متقطع غير متصل الحلقات وهذا ما يحير المؤرخ ويبلبل الكاتب الذي يريد أن يدرس حياة هذا الأديب.
فقد بدأ حياته في الرملة، ثم ذهب إلى مصر يطلب فيها العلم والثقافة فتشبع بالعلم العربي والإسلامي وألم بعلوم أخرى، وقد عرف له التاريخ أنه من أسرة فارسية كان منها عدد كبير من الدين تولوا الأعمال الإدارية المرموقة ولعل هذا من الأسباب التي سهلت للشاعر الاتصال بأسرة عريقة مثل آل حمدان حتى قبل أن يتصل بسيف الدولة. 
كان كشاجم شاعرا موفقا، وقد وصفه صاحب شذرات الذهب بأنه كان مقدما في الفصاحة والخطابة وشاعرا مغلقا، ولعل هذه الصفات هي التي أهلنه ليكون بين المنظورين في مجلس سيف الدولة هذا المجلس الذي لم يكن يضم نكرة ولا شخصا هزيلا ولا إنسانا فارغا، وإنما كان يتألف من نخبة الأدباء والشعراء والعلماء وأصحاب اللغة والنحو والموسيقى.       
ومن الغريب حقا أن يكون لهذا الشاعر الفنان مشاركة في أمور كثيرة لا تتعلق لها بالشعر أو الفن. فقد عرف عنه أنه كان طباخا ماهرا، حتى قبل انه عمل طباخا عند سيف الدولة، ولن هذا الخبر غير مؤكد الصحة ونستخلص منه انه كان ذواقا في الطعام يحس لذة الأكل كما كان ابن الرومي وعدد من الشعراء الآخرين، وانه تبعا لهذا الذوق المرهف قد تعلم صناعة الطبخ فكان سيف الدولة يكلفه أحيانا الطبخ في المناسبات الخاصة، وهذا ما كان يحدث ويحدث دائما، ولقد عرفنا شخصيات بارزة امتازت بميلها إلى العمل في تحضير الطعام وتهيئة الآكال الجيدة، لا عن صنعة يتخذونها بل عن هواية يتعاطونها.
وابن الرومي الذي لم يعرف عنه أنه طبخ في حياته له شعر كثير جدا في وصف حاسة الأكل، حتى عد الناقدون هذه الحاسة بين مميزاته وصفاته الخاصة ولو تصفحت ديوانه لعجبت من وصف القطائف، والزلابية والموز والعنب، بل أن ابن الرومي لم يكن يحفل الموت في شهر أيلول لولا مفارقته الفواكه الكثيرة التي تكثر في هذا الشهر من أيام الخريف الباكرة.
لولا فواكه أيلول إذا جمعت
                      من كل نوع ورق الجو والماء
إذا لما حفلت نفسي متى اشتملت 
                       علي هائلة الجالين غبراء
وهكذا كان كشاجم يتذوق الطعام فيقول في وصف القطائف :
عندي لاضيافي إذا اشتد السغب
                       قطائف مثل قراطيس الكتب
ويصف دجاجة مطبوخة فيقول :
عظيمة الزور كصدر نهد
                       أجريت منها في مجال العقد
ويصف البطيخ :
يا جاني البطيخ من غرزه
                       جنيت منه ثمر الخلد
لم يأتنا حتى أتتنا له
                       روائح أغنت عن الند
ولقد يظن بعض المتنطعين أن موضوع الأكل موضوع ينبغي أن لا يمس شاعرية الشاعر وأن الشعر وهو موهبة روحية يجب أن تترفع عن مثل هذه الأوصاف التي تتصل بالبطن ولا تتصل بالروح.
ونجيب على هذا بأن الشاعر أداة إنسانية ذات أحاسيس مرهفة في كل ما يمس هذه الدنيا، فذوق الطعام وذوق الجمال والإحساس بالذمامة والقبح والخوف من الحياة ومن الموت ودواعي التشاؤم ودوافع التفاؤل كلها منافذ لإحساس الشاعر . . إن رجلا كابن الرومي ليحس الحياة بأعصابه العارية المكشوفة لكل مؤثرات الحياة خيرها وشرها أفليس من الدليل على شدة الإحساس وقوة الرغبة عند ابن الرومي أن يصف شهوته العارمة حين يأكل الموز فيقول :
يكاد من منظرة المحبوب
                       يدفعه البلع إلى القلوب
وكذلك كان كشاجم، لقد أحب الحياة وأحب ما في هذه الحياة وفي جملتها الطعام الشهي اللذيذ.
وشارك كشاجم في أمر آخر ترك أثرا بائسا في حياته، فقد أحب الحيوان وعرف خصائصه وصفاته فألف كتابا في هذا الباب هو كتاب (المصايد والمطارد) وقد عطف على هذا الصنف من المخلوقات عطفا خاصا فبحث الصيد من الناحية الدينية وفضائل الصيد، وأقوال الشعراء فيه ووصف الجوارح الأربعة المعروفة. البازي والشاهين والصقر والعقاب، ثم درس أمراض الجوارح وعلاجها، ثم انتقل إلى المطارد نوصف الكلاب والظباء والأرانب والثعالب وحمار الوحش وغيرها من حيوانات كثيرة واعتمد في دراسته تلك على كتاب الحيوان للجاحظ ومن جاء بعد الجاحظ فكان كتابه في هذا الموضوع أعلى علما من كتاب الجاحظ الذي أخذ عليه عدم التثبت ورواية الأخبار المصنوعة المخترعة واللجوء على الاستطرادات الكثيرة التي تخرج عن موضوع الحيوان في حين أن كتاب كشاجم كان كتابا علميا جيد التبويب حسن التصنيف.
أما شعر كشاجم فكثير الألوان مختلف الأبواب ولقد برع في وصف الصيد والطرد حتى قيل أنه
شاعر الصيد الأعظم وكان جميلا كما قيل فكان له رأي في الحب يخالف رأي الشعراء عامة إذا كان يرى لنفسه الحق بأن تعرفه النساء وأن تعترف له بجماله فتتقدم إليه وتتقرب منه قال :
لم لا أصر على البطالة والهوى
                        وعلي برد شبيبة وإزارها
وإذا تراءت للقيان محاسني 
                        طمحت إلي بلحظها أبصارها
ولو أن عيدانا بغير ضوارب
                        قابلنني لتحركت أوتارها
وهو لا عتب على الدهر لفقر نزل به أو هوان تعرض له بل أنه يلومه على ما أنزله بلحيته من شيب شأن محاسنه فأبعد الحسان عنه يقول :
كايدني دهري في طرتي
                        بشيبة ألبسني عارها
وفجع البيض ألمها قبل أن
                      تقضي ألمها مني أوطارها
 قد فجعت البيض به لأنها حرمت جماله إما هو فلم يفجع بشيء، إنه موضع اهتمام الحسان وهو لا يهتم بأحد.
 هذه الدعوة العريضة إن دلت على شيء فإنها تدل على ثقة الشاعر بجماله وقوة أثر هذا الجمال ولعله يشبه ابن أبي ربيعة في بعض شعره الذي كان يدل به على الغيد الحسان، وهذا لون نادر من ألوان الغزل في الشعر العربي.
 وقد تناول شاعرنا كل الموضوعات التي تناولها الشعراء في عصره وزاد عليها صفات ابتكرها هو واختص بها فوصف أدوات وآلات يحار القارئ كيف استطاع هذا الفنان وصفها على ما فيها من بساطة في الموضوع، فقد وصف المرأة والسكين والفصوص، ووصف العود فقال موفقا أحسن التوفيق.
 ومخفف الأجزاء ليس لجرمه
                         وزن يميل كفة الميزان
 وكان مقبضه جبيرة ساعد
                         قد فصلت بالدر والمرجان
 أما أسلوب كشاجم فطريف موفق وهو يعني بالنغمة المطربة واللفظة المعجبة كقوله :
 ومسلط اللحظات يحسب ظالما
                         فإذا رنا فكأنه مظلوم
 تمت محاسنه وقام لقده
                         في ألتيه إن الحسن فيه يقيم
 يسعى بما في كفه ونظيرها
                         في طرفه ورحيقها مختوم
 جاءت بنكهته وجاء بلونها
                         في خذه فصيا إليه حليم
 ولكن هذا الشاعر كان يستسهل بعض الألفاظ أحيانا فلا يتشدد ولا يحاسب نفسه الحساب العسير كما ينبغي أن يصنع الفنان لذلك وردت عنده ألفاظ غير واردة في المعاجم كلفظة (منتزه) بدلا من (متنزه)، كما رأينا عنده عجلة ظاهرة في بعض القصائد مما أدى إلى اضطراب قوافيه أو اختيار العيد المفضل.
 لنعم اليوم يوم السبت حقا
                         لعيد أن أردت بلا امتراء
 فلفظتا (حقا) و (بلا امتراء) لا ضرورة لهما وهما تبدوان زائدتين وهذا ما أسماه القدماء بالحشو المعيب.
 ولكن هذه الهنات الهينة لا تحرم الشاعر كشاجم كمن صفة الشاعرية ولا تؤثر في تقدير العبقرية الفنية الظاهرة التي عرفت عنه، فإن الشعراء المطبوعين من أصحاب البداية المواتية كثيرا ما يقعون في الهفوات والأخطاء.
 إن كشاجم شاعر غريب حقا، كما رأيت، وهذه الغرابة قد جعلت له لونا خاصا ومكانا معينا يبرز به بين شعراء اللغة العربية كافة.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here