islamaumaroc

أهل طنجة الحقيقيون

  دعوة الحق

140 العدد

منذ بضع سنوات، رافقت طلبتي في زيارة لمدينة طنجة، وأثناء جولتنا بإحدى قاعات المتحف الأثري بالقصبة، سمعت دليلا يقول : إن طنجة تعاقبت عليها الغزواة الفاتحون منذ القديم، ولم تصر مدينة مغربية إلا بع الاستقلال سنة 1956.
وكان هذا الكلام صدمة قوية لي ولكل من يعلم شيئا من تاريخ المغرب، بل كان انفجارا عنيفا تطايرت شظاياه لتصيب أهم حقيقة تاريخية يعتز بها المغرب.
وهي أن سكانه " أمازيغ " أي أحرارا يأبون الضيم؟، ويأنفون الخضوع والاستسلام، وقلت في   نفسي : أهكذا يعلمون هؤلاء " الأدلاء " القول ليشوهوا وجه الحقيقة، وليروجوا بعض ما كان يسعى الاستعمار لترويجه بمختلف الوسائل، حتى وسيلة البحث التاريخي المزعوم ؟ !
ويكفي أن تتصفح – مثالا على ذلك – كتابي شارل أندري جوليان، وهنري تيراس، لتتراقص أمام عينيك وبين السطور، مثل هذه الإدعاءات المغرضة : إن بلاد شمال إفريقية تبدو وكأنها قاصرة قصورا ورائيا عن التمتع باستقلالها . . . إن الفروق كبيرة والاختلافات كثيرة جدا بين عنصري سكان المغرب : العرب والبربر . . . إن تاريخ المغرب كله أزمات . . . إن المغاربة لم يكونوا يوما أمة بمعنى الكلمة . . . الخ.
وبالطبع لم أشأ أن أترك " الدليل " على " نياته "، فتدخلت مشيرا إلى أن معلوماته عن شخصية طنجة وعن تاريخها مغلوطة، وأن هذه المدينة كانت على الدوام ومازالت إلى اليوم تكون جزءا لا يتجزأ من المغرب، وأن سكانها كانوا وما يزالون هم المغاربة أصحابها الشرعيين، وإن فترات اغتصابها من يد الشعب المغربي مالكها الحقيقي، وليست إلا فترات محدودة جدا لا تسوغ – البتة – نسبتها لغير أهلها، وادعاءها للدخيل الأجنبي.
دعاني إلى تذكر هذه الحادثة ما قرأته في جريدة Espana الصادرة بطنجة ( عدد يوم الاثنين 14 يونيه 1671 ) في المقابلة التي أجراها مندوب الجريدة مع مفتش الآثار التاريخية بمدينة طنجة. ففي جواب هذا الأخير عن السؤال للصحفي يتعلق بالعناصر التي ثبت يقينا أنها سكنت طنجة، قال ما ترجمته : "الفينيقيون الذين ظهروا في طنجة حوالي سنة 1450 قبل الميلاد، تقريبا في نفس الوقت مع الليبيين، ثم بالتتابع : القرطاجنيون الرومان، الوندال، العرب، البرتغال، الانكليز، والإسبان الخ".
ولئلا ندخل في تفاصيل كثيرة قد لا يتبع لها صدر الزمان والمكان، أريد فقط أن أؤكد على هذه الحقائق التالية :
1- إن طنجة قطعة من تراب المغرب الأقصى، أو بلاد البربر القديمة، وأن سكانها قبل الإسلام هم البربر – أو جزء من البربر إن شئتم الدقة -.  
2- بعد الفتح العربي واقتناع البربر بمبادئ الإسلام، وإقبالهم على اعتناقها والعمل على نشرها، امتزج العرب الوافدون بأهل البلاد الأصليين، وكانوا معا العنصر الأساسي للسكان، وهو العنصر المغربي.
3- نظرا لموقع طنجة الجغرافي والاستراتيجي الممتاز، ولقيامها بدور مهم في فتح شبه جزيرة إيبريا سنة 92 هـ (711 م )، تعرضت في بداية العصور الحديثة لرد فعل عنيف، فاحتلها البرتغال سنة 875 هـ ( 1471 م ).
4- ولما تزوج ملك الانجليز شارل الثاني سنة 1662 م بالأميرة البرتغالية كاترين براغنثا منحت طنجة للانجليز، ضمن شوار العروس ! ولكن مضايقات الجيش المغربي للمحتلين الجدد بقيادة علي بن عبد الله الحمامي الريفي أمير جيوش مولاي إسماعيل بالشمال، أقضت مضاجع الانجليز، فانسحبوا منها 1095 هـ ( 1684 م ).
5- ظلت طنجة مغربية لحما وعظما ودما إلى أن فرضت الحماية على المغرب سنة 1331 هـ  ( 1912 )، وأثر ذلك، أي سنة 1342 هـ ( 1923 )، ورغبة في ترضية بعض الدول الأوربية الأخرة التي كادت " تخرج من المولد بلا حمص" – كما يقول المثل المصري – فرض على طنجة نظام دولي لم يلبث أن تبخر بعيد الاستقلال بقليل، وذلك بعد اتفاقية دولية تم إبرامها في ربيع الأول 1376 هـ ( أكتوبر 1956 )، حينئذ آلت المدينة إلى ملكية أصحابها الشرعيين لتكون مع مجموع التراب الوطني المغربي مملكة المغرب المستقلة الحديثة، التي خلفت مملكة المغرب التي حافظت على استقلالها قرونا متتابعة متطاولة، وظلت صامده في وجه التكالب الأوربي، حتى كانت آخر معقل من معاقل العروبة يضطر لإلقاء السلاح مؤقتا، ولكنه لم يلبسث – بعد أن أعيته كل الوسائل السليمة – إن شهره مرة أخرى ليرد استقلاله الوطني وسيادته الكاملة. وقد تم له ما أراد بحول الله وقوته، وبفضل كفاح أبنائه المخلصين.
   

عليك بذوي الأحساب . .
كتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري : أعني بأصحابك، فأجابه الحسن : من كان من أصحابي يريد الدنيا فلا حاجة لك فيه، ومن كان منهم يريد الآخرة، فلا حاجة له قبلك، ولكن عليك بذوي الاحساب، فإنهم إن لم يتقوا استحيوا وإن لم يستحيوا تكرموا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here