islamaumaroc

الاستشراق وقضايا الإسلام وثقافته-9-

  دعوة الحق

140 العدد

- 8 -
الرق في الإسلام:
إن من المفتريات التي نسجتها أخيلة أعداء الإسلام وأقزام الاستشراق، وحاولوا بها إثارة الشكوك وزعزعة العقيدة قضية الرق والعبودية، فزعموا أن الدين الإسلامي من طبيعته ومقوماته الاسترقاق والاستخفاف بكرامة الإنسان الذي هو مخلوق مقدس يجدر احترامه وتبجيله، وقبل أن نفند هذه الفرية المختلقة بالبراهين التي تستجلي الحقيقة بأرقامها ينبغي أن نلقي نظرة عجلى عن تاريخ الرق كتوطئة لما نحن بصدد الحديث عنه.
لا يعرف بالتحديد لحد الآن البيئة الأولى التي نبتت فيها عروق الرق، بيد أن المراجع تؤكد أن الرق عرفته الإنسانية منذ قديم الدهور تبعا في ذلك للصيرورة الزمنية.
فالشعوب شهدت ألوانا من الرق نجملها فيما يأتي:
أ-الرق الفردي
ب-الرق الجماعي
ج-الرق الإقطاعي
د-الرق الطبقي
هـ-الرق الكهنوني      
 أما إذا أردنا أن نبحث عن الأسباب المؤدية إلى انتشاره فإننا نجد ذلك يعزى إلى تخلخل النظام الاقتصادي، وانحراف العواطف نحو الترف، واختلاف الموازين العقدية، والمفاهيم الأخلاقية، وتضارب المثل العليا، ونشوب الحروب بين المجتمعات، واستفحال القرصنة والسرقة.
والأمة الإغريقية وهي ما هي في المضمار الحضاري وقتئذ أنجبت فلاسفة يعتبرون عمالقة في المجالات العرقية أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو وصولون يقرون   الرق ولا يرون بأسا في إبقائه، بل هم يضعون نظاما خاصا للطبقات، فأرسطو يرى أن هناك بشرا خلقوا للسيادة والرفعة، وآخرين للطاعة والخضوع، وأفلاطون في جمهوريته يحبذ الاسترقاق ويدعو له معللا ذلك بأسطورة اختلقها فقال: "كلكم إخوان في الوطنية ولكن الإله الذي جبلكم وضع في طينة بعضكم ذهبا ليمكنهم من أن يكونوا حكاما، فهؤلاء هم الأكثر احتراما، ووضع في جبلة المساعدين فضة، وفي العبيد لأن يكونوا زراعا وعمالا وضع نحاسا وحديدا  
وصولون وهو من حكام اسبرطة وواضعي قوانينها لم يكن يتورع عن أن يبيح القرصنة والسطو
والسرقة من أجل اختطاف الناس لاسترقاقهم سواء في ذلك النساء والأطفال.
وقد وصلت الحركة الاستعبادية عند الاسبرطيين درجة بشعة حتى أنهم كانوا يقدمون الرقيق من الفتيات إلى المعابد ليقترف روادها جريمة الزنا، وفائدة الدخل يكون لمصلحة صندوق المعبد.
وعلاوة على ذلك فقد كان عندهم من الأمور الجاري بها العمل أن الدائن له الحق كل الحق في استرقاق المدين إن هو عجز عن تسديد ما عليه من دين، كما أن القانون كان يمنع على السيد أن يحرر عبده إلا بشروط معقدة جدا، وإذا ما نفذ السيد هذه الشروط فعليه عند ذاك أن يدفع غرامة مالية للدولة، لأن عملية التحرير هذه تؤدي إلى إضاعة حق من حقوق الدولة.
وأما فيما يتصل بقضية الرقيق عند الأمة الرومانية التي عرفت بوضع القوانين فاشتقت منها الأمم الحديثة تشريعها، فإنه لم يكن له الحق كمواطن له حقوقه وسيادته في الامتلاك والاستدانة والوراثة أو التمثل أمام القضاء، لأن كل ذلك من حق الحر، غير أن هذه القساوة والعنف في المعاملة بدأت حدتها تخف نوعا ما بانتشار المسيحية في الدولة الرومانية إذ سمح للرقيق حينذاك أن يشارك في المراسيم الدينية، وأن يقوم مقام أسياده فيما يتعلق ببعض العقود التجارية، ونص القانون على تحريم قتل المملوك بعد أن كان قتله حلالا طيبا !!!
وهكذا ظلت مشكلة الرقيق قائمة في كل بقعة من بقاع الدنيا يعامل معاملة الحيوانات أو أكثر كما رأينا عند الإغريق والرومان - وهما الأمتان المتحضرتان، الأولى تفوقت في الميدان الفلسفي والثانية في الميدان القانوني - وكما كان عند الاسبان والإيطاليين والإنجليز والجرمان والغاليين والهنود والفرس، كل أولئك الأمم لم يدخروا وسعا في استعباد الإنسان وجعله آلة مسخرة، مجردا عن جميع الحقوق الإنسانية البسيطة جدا، حتى أهل الكتاب من اليهود والنصارى ساروا على نفس الدرب في الاستهانة بالقيم البشرية. وها هو العهد القديم يقول في سفر التثنية في الإصحاح العشرين: "أمر الرب أن كل محاربة إذا انتصر عليها اليهود يكون جميع أهلها من رجال ونساء وأطفال عبيدا لهم يسخرونهم إلى الأبد بدون شرط ولا قيد" ويقول كذلك في الإصحاح التاسع: "إن الله حتم العبودية على أولاد كنعان بن حام".
وجاء في رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس قوله 1: "أيها العبيد أطيعوا سادتكم حب الجسد بخوف ورعدة في بساطة قلوبكم كما للمسيح، ولا بخدمة العين كمن يرضي الناس، بل كعبيد للمسيح عاملين على مشيئة الله من القلب خادمين بنية صالحة كما للرب ليس للناس، عالمين أن مهما عمل كل واحد من الخير فذلك يناله من الرب عبدا كان أو حرا".
وقد اعترف علماء النصارى بالرق، ولم يستنكروه، من بينهم باتريس لاروك في كتابه "الاسترقاق عند الأمم النصرانية" حيث يقول: "إن الديانة المسيحية لم تحرم الاسترقاق نصا ولم تلغه عملا".
وكذلك الكنائس لم تر غضاضة في إبقائه، بل نصحت بأن يرضى الرقيق بما هو فيه من عبودية قاسية.
وأنا بصفتي مسلما أعتقد أن الدين الموسوي بريء من هذا الافتراء، لأن الله لا يأمر بالعبودية والظلم والاستعباد، وإنما اليهود حرفوا النصوص، كما أثبت ذلك المحققون 2  بالبراهين القاطعة، من أجل مصلحتهم وشهواتهم، وكذلك بالنسبة للنصارى.
والأمة العربية قبل البعثة المحمدية كان شأنها في الرقيق كشأن باقي الأمم والشعوب: إقرار له، وإهدار للحرية وتنكير للقيم، واستهتار بأسمى ما تمتد إليه همة الإنسان من انطلاق.
وكانت الروافد التي تساعدهم على الاسترقاق اللصوصية والإغارة على القوافل التجارية، ولم يكن الرقيق لديهم من جنس واحد فقط، بل كان يتألف من عدة أجناس وتتلخص معاملتهم له في الأعمال المضنية كالحرث والزراعة والحصاد والاستغلال الفاحش الذي يتندى له جبين الإنسانية عرقا.
إذا لا فرق بين هذه الأمة وبقية الأمم الأخرى في هذه القضية بالذات ما دامت هذه الطبقة من بني آدم تفتقد كرامتها وتتطلع شوقا إلى التحرر والانعتاق من سلاسل العبودية التي طوقت بها عنقها طبقة أخرى لا تختلف عنها - لا في القليل ولا في الكثير - في الجوهر الإنساني.
وهكذا بات العالم يئن ويشكو من الظلم والطغيان، ويشعر بحاجة ماسة إلى نور يضيء جوانبه ويبعث في أوصاله الشفقة والرحمة، ويبذر في زواياه العطف والخير والتسامح، وقتئذ حنت السماء وانبعث في شبه الجزيرة الرحمة المهداة ليهدي إلى الصراط المستقيم، ويحل المشاكل الإنسانية، وقد اتخذ لذلك طريقتين حسب المشكلة التي سيعالجها: إما القضاء المبرم وإما التدريج.
أما فيما يتصل بالعقيدة فقد استأصل من أول لحظة جذور الشرك بكل عاداته، لأن الإيمان والشرك لا يجتمعان البتة، ثم حارب وأد البنات من غير مهادنة أو رفق، ذلك لأن هذه العادة لا تتلاءم والنفس المؤمنة التي تطمئن لجانب الله وترضى بحكمه فلا تخاف الفقر وغيره، وكذلك واجه عادات نفسية كالكذب والنميمة والحقد وغيره.
بيد أن الرسول عليه السلام وقف من عادات أخرى لا تتعلق بالفرد وحده بل ترتبط بأسباب اجتماعية واقتصادية معقدة تشكل شرايين الإنتاج المادي موقفا آخر، إذ سلك في محاربتها مسلك التدرج مع الوعظ والإرشاد وقد تجلى هذا الأسلوب الحكيم المشرق في مواجهته للخمر والزنا والربا والرق.
ومن أجل ذلك لم يدع الإسلام إلى تحرير الرقيق إلا بعد أن مهد له بطريقة تدريجية تنتهي أخيرا إلى فك أسر العبيد من داخل عالمهم النفسي قبل أن يعتقوا بالقوانين، وتعويدهم على تذوق طعم الحرية، وترويضهم على الإحساس بإنسانيتهم من خلال المعاملة الحسنة.
وبالإضافة إلى هذا وضع الإسلام المقاييس التي تقاس بها أقدار الناس ومنازلهم، حتى يكون تحرير الرقيق 1 صادرا عن نفس المؤمن بمحض الإرادة وبرغبة خالصة، وبالتالي عمل على إصلاح الوضع الاقتصادي، والقضاء على السطو والخطف وعلى كل ما من شأنه أن يكون سببا من أسباب انتشار الاسترقاق، وتفاقم العبودية، وبذلك غاضت روافد الاسترقاق، وسدت منافذه، لكي تتاح للمملوك الفرص المواتية للانعتاق  من أغلال القهر والجبروت.
        

حروف القرءان
قال أبو عبيدة: القرءان على عشرة أحرف حلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وعظة، وأمثال، وبشير، ونذير، وأخبار الأولين، وأخبار الآخرين.

 


1  أنظر كتاب لا رق في القرآن لإبراهيم هاشم فلالي ص 16 – دار القلم.
2  جمهورية أفلاطون نقلها إلى العربية حنا خباز ص 110 – 111 دار التراث بيروت 1969.
1  الإصحاح السادس: 5 -9.
2  للوقوف على البراهين التي تؤكد تحريف اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل اأنظر "إظهار الحق" تأليف رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي، إخراج وتحقيق عمر الدسوقي – وزارة الشؤون الإسلامية المغربية.
1  الرق عند الفقهاء ضعف معنوي وعجز حكمي شرع في الأصل جزاء عن الكفر. والعجز معناه أنه لا يملك ما يملكه الحر، والحكمي معناه أن العبد قد يكون أقوى في الأعمال من الحر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here