islamaumaroc

نقد الفكر الديني [لـ.ص.ج.العظم] -3- (تعقيب علىنديم الجسر)

  دعوة الحق

140 العدد

الكلمات التالية مساهمة أخرى للكشف عن المزيد من جوانب الضعف في الردود الإسلامية على كتاب نقد الفكر الديني. ورجائي قبل كل شيء هو أن تكون مساهمتي هذه محاولة متواضعة ملتزمة بتوضيح الرؤية الإسلامية
نشرت "دعوة الحق" في عددها الخامس رسالة مفتوحة وجهها إلى سماحة الشيخ نديم الجسر بعد إطلاعه على مقالي "نقد الفكر الديني" الذي نشر في العدد الأول يناير 1971 من هذه المجلة، ومع تقديري للعلامة الكبير الشيخ نديم الجسر، وتأثري البالغ لكلماته الرقيقة، وجدت نفسي وجها لوجه أمام احتجاج صامت على قولي : "ومن المؤسف حقا أن لا نجد أي رد يمكن أن تعتبره وجهة نظر إسلامية قطعية وشمولية تعبر عن الموقف الحقيقي للاتجاه الإسلامي الخالص من هذه القضايا الأساسية، وتحدد بالتدقيق، وبتعليل قاطع : الجواب الإسلامي الحاسم على كل المزاعم والاتهامات".
وقد وجدت نفسي ملزم بالتعقيب على هذه الرسالة المفتوحة، خاصة وأنني لم أقصد أن أيا من الكتاب المسلمين لم يستطيع أن يتطرق للموضوع بالطريقة التي انتهجتها، أو أن الردود جميعها كانت ناقصة أو غير مفيدة إلا ردي ! لا أزعم ذلك لنفسي ولم يخطر ببالي، وإنما كان قصدي – ولا زال – هو توضيح الضعف الذي تعاني منه الردود الإسلامية، والذي لا يستطيع أحد أن ينكره.
يقول عالمنا الكبير في رسالته المفتوحة : إني وجدت كل الشبهات والشكوك الهامة، التي تستحق الرد، بل يجب الرد عليها، تكاد تكون محصورة في الفصل الأول من الكتاب تحت عنوان "الثقافة العلمية وبؤس الفكر الديني" وهذه الشبهات الهامة قد وردت كلها في مقاله الأول الذي نشره في عام 1967 ورددنا عليه ردا شاملا يخص كل جزئية بذاتها، ويصلح أيضا أن يكون نافعا لمعالجة كل شبهة تخطر على البال) 1.
إن هذه الفقرة تحمل في طياتها معنيين :
الأول : إن فضيلة الشيخ يرى أن رده شمولي وقاطع ويجيب على كل جزئية قد تخطر على البال.
والثاني : إني تبعا لذلك، أخطأت حين وصفت جميع الردود بأنها كانت غير شمولية وقاطعة.
وهذا يعني أن اتهامي للردود الإسلامية، بما فيها رد الشيخ نديم الجسر، بالنقص وبالضعف،
هو اتهام جزافي لا أساس له من الصحة، ومن ادعى شيئا وجب عليه إثباته !
- * -
أوجه الخلاف
أني لا أوافق سماحة الشيخ في قوله أن العظم وأمثاله لا ينفع فيهم تجديد الرد أو توسيعه، لسببين :
الأول : أن الرد في حد ذاته، وفي هذه المرحلة التاريخية الراهنة، ليس موجها إلى العظم وأمثاله لكي يعودوا إلى جادة الصواب، وإنما هو قبل كل شيء مجابهة للأفكار التي يدعون إليها، وهي أفكار كما لا يخفى على الشيخ نديم الجسر أصبحت سائدة وسارية وتحتاج إلى التنفيذ والمواجهة.
والثاني : إن الرد وتجديده وتوسيعه إن اقتضى الحال، مناسبة لإبراز وجهة النظر الإسلامية، وطريق لمواجهة التيارات المختلفة، وفي نفس الوقت وسيلة لاكتساب مؤيدين ومناصرين للفكرة الإسلامية.
وعلى هذا الأساس لم أجد حرجا من الكتابة بعد مرور أكثر من سنة على صدور كتاب نقد الفكر الديني، لإيماني بأن المجابهة مع الجاهلية المعاصرة يجب أن تستمر كليا وعلى جميع المستويات، ولاعتقادي بأن هذه المجابهة يجب أن تكون في مستوى الهجمات والتحديات 2.
يقول سماحة الشيخ في رده على الدكتور العظم :
(لا بد وأن تكون عند الحق من قول فرنسيس باكون "القليل من الفلسفة يبعد عن الله والكثير من الفلسفة يرد إلى الله" ) 3.
لا أعتقد أن الفلسفة ترد إلى الله، لأنه لو كان الأمر كذلك، لكان الدكتور العظم، وهو أستاذ جامعي في الفلسفة، قد عاد إلى الله ! ولكان الفلاسفة جميعهم مؤمنون !
إن هذا الموقف جعل سماحته يقع في خطأين : 
الأول : استبعاده لوجود خلاف بينه وبين العظم حول وجود الله : (أرجح أن الجدل بيننا الآن ليس عن وجود الله أو عدم وجوده) 4 وإقراره بأن الجدل يدور : (حول تفكير المسلمين في العالم المعاصر، وزعمك أنه مقيد ومشدود إلى الوراء يمنعهم من الانطلاق والتلاقي مع التفكير العقلي العلمي الحديث) 5.
وللمزيد من الإيضاح نلاحظ ما يأتي :
أولا : الدكتور العظم لا يومن بالله، وقد ركز جهوده الفكرية لنفي وجوده تعالى. وتكفي هذه الفقرة لإثبات ذلك : (عندما نقول مع نيته أن الله (سبحانه وتعالى) قد مات أو هو في طريقه إلى الموت فنحن لا نقصد أن العقائد الدينية قد تلاشت . .) 6.
ثانيا : إن فضيلة الشيخ يرى أن تفكير المسلمين غير مشدود إلى الوراء ولا يمنعهم من التلاقي مع التفكير العقلي العلمي الحديث . . ولكنه لا يبين لنا أي نوع من التفكير العقلي العلمي الحديث، فالعظم يقصد "بالعلمية" مجموع الثقافات الراهنة والاتجاهات المادية والثورية في الحياة والاقتصاد . . وما من شك في أن "العلمية" بهذا المفهوم مناقضة للإسلام وللتفكير الإسلامي الخالص، ولا يمكن القول بتوافقهما وتناسقهما وتلاقيهما !
والخطأ الثاني : قول سماحته أن ركائز التفكير الإسلامي تتوافق مع ركائز الفكر الغربي المعاصر : (فما لي أراك غضبت عن ذكر هذه الوسيطة الإسلامية، وعن ذكر ركائز التفكير التي أوضحت أنها تتلاقى وتتفق مع ركائز التفكير الغربي المعاصر، على تقديس العقل وتقديس العلم) 7.
ولتوضيح هذا الخطأ نورد الفقرتين التاليتين :
1- (وكذلك لم العن الماركسية يلفظ اللعن، كما قولتني، ولا ألعنها هكذا "بالجملة" وإن كنت "المفرق" أنكر منها الإلحاد. فالماركسية، في أصلها، مذهب اقتصادي اجتماعي فيه بعض الخطأ وفيه بعض الصواب) 8.
ونلاحظ في هذه الفقرة :
أولا : فضيلته ينكر عن الماركسية إلحادها، ويرى أنها مذهب اقتصادي اجتماعي فيه بعض الخطأ وبعض الصواب.
ثانيا : فضيلته في رده لا يذكر لنا أن الإسلام مذهب اجتماعي اقتصادي ونهج حياة، وإن كان يذكر عرضا وسطية الإسلام كحل وسط بين إفراط الشيوعية وتفريط الرأسمالية.
2- (أما تساؤلاتك حول موقف المسلم من الثقافية، والحضارة المعاصرة، والانقلاب العلمي، والثورة الصناعية، وكتاب دارون في أصل الأنواع، ومؤلف ماركس في "رأس المال" ونظرية انشتاين في "النسبية" فإنك تجد صوابه في ركائز الثلاث الأولى التي أوضحنا فيها أن القرآن يقدس العقل والعلم والحرية. لن يكون موقف المسلم من هذه المستجدات التي ذكرتها، إلا كموقف كل إنسان ذي عقل سليم. يدركها ويفهمها ويأخذ منها بكل ما يتلاءم مع الحق والخير على أساس مفهوم الحرية في الإسلام) 9.
إذا سايرنا التسلسل الفكري في هذه الفقرة، نجد أن كل نظرية جديدة، ينظر إليها الإنسان على أنها صائبة أو عادلة، يجوز للمسلم أن يأخذ بها . . وحسب هذا المنطق، وما دام المثل الأعلى المعاصر هو تحقيق العدالة الاجتماعية – وكما يزعم الأستاذ مكسيم رودنسون – فإنه يجوز "للمسلم أن يأخذ بالنظرية الاشتراكية باعتبارها أحدث نظرية تحقق العدالة الاجتماعية والاقتصادية !
يرى سماحة الشيخ أن موقف المسلم من النظريات المستجدة ينبني على تقديس "العلم والعقل والحرية" ولكن سماحته يغفل ناحية مهمة، هي أن العلم والعقل والحرية، يجب أن ترتبط لدى المسلم "بإسلاميته"، بمعنى أن يرفض في النهاية كل ما تمخضت عنه الحضارة المعاصرة من مفاهيم ونظريات وفلسفات، وأن يقبل على العلوم التجريبية والتقنية وعلوم التقدم المادي والصناعي، لأن هذه كلها لا تنفي عقائد الإسلام وتعاليمه ولا تمس نظمه ومؤسساته !
فموقف الإنسان المسلم من النظريات المستجدة والثقافات الراهنة والحضارة المعاصرة، ينبغي أن ينطلق من الإسلام ذاته، وليس من المثل المهيمنة على عصره، أو من مفاهيم الخير والعدل والحق السائدة، لأن هذه، إذا لم تكن من الإسلام، فهي خاطئة ولا يجوز الأخذ بها !
بعد هذه الملاحظات العامة نعود إلى مناقشة قول سماحته : إن رده يجيب على كل ما أثاره الدكتور العظم ويصلح لأن يكون جوابا على كل شبهة قد تخطر على البال.
نوافق سماحته في أن الفصل الأول "الثقافة العلمية وبؤس الفكر الديني" هو أهم فصل في كتاب نقد الفكر الديني. إما موافقته في أن رده يجيب على كل الشبهات والشكوك التي يثيرها العظم أو التي يمكن أن تخطر على البال فإنها موضع نقاش !
يشير الدكتور العظم في هذا الفصل قضيتين :
الأولى : مشكلة فكرية ثقافية هي مشكلة النزاع بين العلم والدين.
والثانية : مشكلة خاصة هي كوقف الإنسان المتأثر بالثقافة العلمية من الاعتقاد الديني.
والأفكار الأساسية التي يعرضها الدكتور العظم في المشكلة العامة هي :
1) الدين يتعارض مع العلم ومع المعرفة العلمية.
2) الإسلام والعلم على طرفي نقيض في تفسير طبيعة الكون ونشأة الإنسان وتاريخه.
3) لا وجود للخالق سبحانه ولا حياة بعد الموت والنهاية الحتمية لجميع الأشياء هي الفناء والعدم ويعرض الدكتور العظم في المشكلة الخاصة رأيه في موقف المثقف ثقافة علمية من الدين ومختلف الأجوبة والحلول المتعلقة بهذه المسألة :
1- الحل الأول : هو محاولة التوفيق بين المعتقدات الدينية والآراء والمعارف العلمية التي يتوصل إليها العلم. ويرى أن هذا التوفيق ينقسم إلى :
أ- توفيق خطابي : وهو الحل الذي يقدمه أولئك الذين يرون أن النزاع بين العلم والدين هو نزاع ظاهري، وأن الانسجام بين العلم الحديث والإسلام كامل والتوافق بينهما تام وشامل (ص 33 وما يليها)
ب- توفيق تبريري : وهو تبرير الأوضاع الاجتماعية والسياسية القائمة مهما كان نوعها على أساس انسجامها التام مع الدين الحنيف وتعاليمه وشرعه (ص 45 وما يليها)
ج- توفيق تعسفي : وهو التوفيق بين الإسلام والعلم الحديث باستخراج كافة العلوم الحديثة ونظرياتها ومناهجها من آيات القرآن (ص 51 وما يليها).
د- توفيق على الطريقة اللبنانية : وهو الحوار الإسلامي المسيحي الفارق في العبارات الخطابية التي لا مدلول محدد لها وفي التعميمات حول التوافق المسيحي الإسلامي (ص 58 وما يليها)
2- الحل الثاني : الرفض التام للنظرية العلمية وجميع الأفكار والآراء التي تنطوي عليها والانغلاق داخل النظرة الدينية (ص 68 وما يليها)
3- الحل الثالث : القول بأن المنهج العلمي والمعرفة العلمية لا يتعديان نطاق الطبيعة،ولذلك لا يتيسر لهما البحث في العقائد الدينية (ص 69 وما يليها).
4- الحل الرابع : لا يجوز أن نتقبل أو نرفض رأيا من الآراء ما لم تتوفر الأدلة والشواهد الكافية على صدق ه أو كذبه (ص 75 وما يليها).
بالمقارنة بين ما أثاره الدكتور العظم في الفصل الأول من كتابه مع رد سماحة الشيخ نديم الجسر، يتبين لنا أن رد سماحته لا يتعدى الجواب على نقطتين :
الأولى : الجواب على الشبهات والشكوك الرئيسية التي يثيرها العظم فيما يسميه بالمشكلة العامة.
والثانية : تأكيده على التلاقي بين ركائز التفكير العقلي العلمي الحديث.
وهكذا فإن رد سماحته لا يجيب ولا يحدد لنا الموقف الإسلامي الصحيح من هذه القضايا الأساسية :
أولا : الفكر التوفيقي الذي يبرر الأوضاع الاجتماعية والسياسية القائمة مهما كان نوعها ! . . (لم يرد في رد سماحته أي إشارة "للتوفيق للتبريري" الذي يخصص له العظم ست صفحات !).
ثانيا : موقف المسلم من الثقافة العلمية كما يفهمها الدكتور العظم ! (مثلا الرفض الكلي والشامل للفلسفة الماركسية وتطبيقاتها المختلفة !)
ثالثا : التوفيق على الطريقة اللبنانية أو الحوار الإسلامي المسيحي (لا شك أن كثيرا من الانتقادات التي وجهها العظم في هذا الشأن كانت صائبة !)
ليس ما أوردناه انتقاصا من قيمة شيخنا الكبير، ولا تقليل من علمه وجهوده المشكورة، فهو واحد من كبار علماء المسلمين في هذا العصر، وقدوة حسنة في الجهاد بالنفس. ويكون من الإنصاف أن نعترف بأن رده، هو أعمق الردود الإسلامية، وأقلها ضعفا وتشويها وتأثرا بالرواسب الفكرية الوافدة 10.
وسنحاول فيما يلي إيضاح جوانب أخرى من الضعف في الردود الإسلامية يمكن أن تنطبق كلا أو جزءا على هذه الردود.
- * -
أمثلة أخرى من الضعف
لنأخذ كبداية أطول الردود الإسلامية، وهو كتاب البرهان اليقيني في الرد على كتاب نقد الفكر
الديني للشيخ حوزة فراج . . هذا الكتاب لا يتضمن في نصفه أية أشارة لما يثيره كتاب نقد الفكر الديني من قضايا ومزاعم واتهامات ! بل هو في مجموعه يرضى بالواقع القائم في العالم الإسلامي، إذ هو لا يتعرض لهذا الواقع ولا يتبرأ منه ولا يرى فيه ما يستحق اللوم والنقد والمواجهة . . وأكثر من هذا يعتز الشيخ جابر حمزة فراج بالواقع العربي في صورته الحالية : (هذه صورة لواقعنا . . استعداد وتحفز . . وإقدام وتسلح . . وتوجيه وتنظيم . . حتى تشهد الدنيا أن العرب الأمجاد بأسهم شديد وبطشهم عنيف إذا ما اعتدى عليهم . . فهم من الحق وللحق . . ) 11.
ودون أن نستفسر الشيخ جابر عن نوعية "التنظيم والتوجيه" ودون أن نناقشه في الاستعداد والبأس الشديد والبطش العنيف بالأعداء . . فإن الصورة التي يقدمها لنا عن الواقع العربي غير كاملة، ولا يمكن لأي مسلم أن يتغاضى عن بعده وتباعده عن الإسلام. فهذا الواقع لا يستحق اللوم والنقد فحسب، وإنما هو بحاجة إلى التغيير والتبديل، بحاجة إلى الرجوع إلى الإسلام.
ورد في ص 27 من كتاب نقد الفكر الديني أنه : (عندما سئل رسل : هل يحيا الإنسان بعد     الموت ؟ ! أجاب بالنفي، وشرح جوابه بقوله : عندما ننظر إلى هذا السؤال من زاوية العلم وليس من خلال ضباب العاطفة نجد أنه من الصعب اكتشاف المبرر العقلي لأستمرر الحياة بعد الموت. فالاعتقاد السائد بأننا نحيا بعد الموت – يبدو لي – بدون أي مرتكز أو أساس علمي).
إن الحياة بعد الموت ليست من دائرة العلم التجريبي ولا من محيطه، وموقف الإنسان منها بالنفي إنما هو وليد الاجتهادات العقلية، وليس نتاج البحث والرصد والتجريب في المختبرات والمعامل العلمية !
جوابا على الدكتور العظم يقول الشيخ جابر حمزة فراج : (فلو افترضنا وجود حياة دنيوية فقط لاختل نظام الدنيا . . واضطرب سير الكون وعمت الفوضى . . وذلك لأن القوانين الوضعية وحدها مهما بلغت دقتها لا تضمن مقاومة الجرائم بأكملها . . ولا تمتد يدها لعقوبة المجرم إلا إذا وقع تحت نظرها ص 64) 12.

إن تعليق حتمية وجود عالم آخر بالجزاء أمر لا نقاش فيه، أما إن نقصر هذه الحتمية على مجازاة السارق ومقترفي الجنايات، فهذا تعليل غير كامل، لأن المقصود منه في الحقيقة هو أن يسود النظام وأن تقل الفوضى !
لا شك أن الجزاء يترتب على مخالفة قواعد ومقتضيات معينة، وهو في المفهوم الإسلامي يترتب على مخالفة قواعد الشريعة الإسلامية الاعتقادية والتشريعية 13.  وهذه الحقيقة تثير لدينا تطبيق هذه الشريعة على صعيد الدولة الإسلامية وما يستتبع مخالفتها من جزاء في الآخرة. وقراءة البرهان اليقيني من أوله إلى آخره تبين لنا أن كاتبه أغفل هذه المسألة الأساسية، ولم يبد أي اعتراض على تطبيق الشرائع الوضعية، وكان الأوضاع القائمة إسلامية مائة في المائة !
- * -
وأغرب مما سبق أن الأستاذ حسن القوتلي 14 يذهب إلى أن الصراع ليس بين الدين والعلم كما يفهمه الدكتور العظم، ولكنه بين الفكر الميتافيزيقي والفكر المادي : (الصراع ليس بين الدين والعلم وإنما بين الفلسفة الميتافيزيقية والفلسفة المادية في الأساس) 15.
الأستاذ القوتلي ينقل الصراع من دائرته الحقيقية، أي بين الفكر الإسلامي والفكر الجاهلي، إلى ما يسميه بالصراع بين المادة والروح : (ومن هنا تعود المشكلة إلى تاريخها الفلسفي الطويل، وأعني به تاريخ الصراع بين المادة والروح، أيهما الموجود الحقيقي، وما هي ماهيته، ومن أين جاء، وإلى أبن يصير) 16.
فهل الصراع حقيقة هو بين الفكر الميتافيزيقي والفكر المادي ؟
قبل الإجابة على هذا السؤال نلاحظ :
أولا – أن الفلسفة بأشكالها القديمة والجديدة دخيلة على الفكر الإسلامي. وصفة العلمية وما يتبعها من صفات الصدق والحقيقة والصواب تنصرف إلى الفلسفة المادية دون الميتافيزيقية ؟
ثانيا – إذا كان الجواب بالإيجاب على ذلك السؤال فإن أزمة الصرع بين الروح والمادة لا تبقى في إطارها الفلسفي، وإنما تصبح أيضا أزمة الفكر الإسلامي، وعندئذ لا يكون من المستغرب أن يتزعم الأستاذ القوتلي الاتجاه الميتافيزيقي في الإسلام، ويصدر كتابا بعنوان "الميتافيزيقا الإسلامية" قدوة بالكاتب المصري المعروف صاحب كتاب "المادية الإسلامية وإبعادها" !!
إن الصراع يأخذ وجهة ثانية حين يتعلق الأمر بالإسلام. ذلك أننا في هذه الحالة نكون أمام حقيقة أساسية، وهي أن الصراع يصبح بين "فكر إسلامي" وبين "فكر غير إسلامي" ولم نسمع بوجود صراع بين الروح والمادة إلا في مباحث الفلسفة !
الفكر الإسلامي هو الفكر المؤمن على الطريقة الإسلامية 17، وهذه الصفة تميزه وتحدد نوعيته، فهو يتخطى مرحلة البحث والشك إلى مرحلة اليقين والانطلاق. ومن هنا فإن كل فكر يجادل في وجود الله أو يحاول إثبات هذا الوجود بالأدلة الفلسفية والبراهين العقلية هو فكر غير إسلامي ! بعبارة أخرى ينطلق الفكر الإسلامي من الإيمان بالله لينتهي بمزيد من الإيمان، أما الفكر الفلسفي فيبدأ من نقطة الصفر بتساؤله عن المصدر الأول والأشياء . . لينتهي بإنكار الخالق والإيمان به على الطريقة الفلسفية ! 18.
هذه النتيجة يجعلنا نرفض الفكر الفلسفي في أصوله وامتداداته، لأن فكرنا الإسلامي فكر مؤمن منذ البداية، موضوعه الدعوة إلى عبادة الله وحده وغايته إقامة النظام الإسلامي الذي يضمن استمرار هذه العبادة.
وعلى هذا الأساس لم يكن الفكر الإسلامي في حاجة إلى الفلسفة الميتافيزيقية في القديم والحديث لكي يثبت صلاحيته، ويركز دعائمه، وليس في حاجة إلى مسايرة الفلسفة المادية الحديثة، والأخذ بمعطياتها الفكرية والعلمية، حتى يستطيع الاستمرار ويتمكن من النهوض !
- *-
أزمة الردود الإسلامية
إن ملاحظاتنا السابقة، تفضي بنا إلى تقرير حقيقة مرة، هي أن الردود الإسلامية تعاني من الضعف والهزال، وتعاني من التأثر بالرواسب والروافد الفكرية المتناقضة. بل إن بعض هذه الردود ينطلق من الدفاع عن أوضاع ومؤسسات وأفكار جاء الإسلام ليقضي عليها ويحرر الإنسان من نيرها !
الكتابات المعادية للإسلام يمكن تصنيفها حسب نظريتين : نرى إحداهما أنه في حالة احتضار، وتذهب الثانية إلى أنه في حاجة إلى النمو. وكلا النظريتين تنكر على الإسلام، بصورة أو أخرى، إمكانية الاستمرار أو التحقق والتطبيق من جديد.
فليس من المستغرب أن يصدر كتاب يدعى أن الإسلام لم يعد صالحا للبشرية أو أنه يقتضي تحولا أو تبدلا لكي يساير وضعية الإنسان المعاصر، فهناك كتابات كثيرة تحمل اللافتة الإسلامية، وهي أبعد ما تكون عن الإسلام، وتخالف أهم المقتضيات الإسلامية !
ومع أن كتاب نقد الفكر الديني ليس بكرا في معاداة الإسلام ومهاجمته، فإنه ينتهج أسلوبا جديدا أقل ما يوصف به أنه يعتمد على الخداع والتدليس والتجريح. فليست مهاجمة العقائد والمؤسسات الإسلامية بالشيء الجديد، ولكن الجديد هو مهاجمة الإسلام من أرضية فكرية فاسدة، والالتجاء إلى أساليب غير علمية كقلب الحقائق وتشويه المعلومات، ومؤاخذة الإسلام بأعمال ونزوات المنتسبين إليه !
وليس المؤلف في الردود الإسلامية على هذا الكتاب هو عاطفيتها وحماستها، وإنما هو افتقادها لعنصر القوة الذي يجب أن يتوفر في كل رد يوصف بـ "الإسلامية".
الإسلام يرفض جميع الثقافات والاتجاهات التي توصف بالعلمية، إذا أقرت مفاهيم مغايرة لمفاهيمه عن الله تعالى وعن الحياة والمجتمع والإنسان. ولهذا السبب ليس هناك أي أساس صحيح لتبرير الأخذ بأحد التيارات المعاصرة والتكون على أساسها، ولو كان وراء هذا الأخذ علماء وشيوخ ومراكز الإشعاع الروحي !
ومن هنا يظهر أن وجهة نظر الدكتور العظم تبدو صحيحة من ناحية المحاولات التي جرت منذ القديم للتوفيق بين الإسلام والتيارات الفكرية المختلفة، ابتداء من التوفيق بين مبادئ الإسلام والفلسفة اليونانية، وختاما بالتوفيق بينه وبين معطيات الفلسفة الماركسية !
ولا نجد أية إدانة لهذه المحاولات الناشزة العقيمة في غالبية الردود الإسلامية. ويبدو تبعا لذلك، أن قليلا من الكتاب استطاعوا التخلص من الشوائب والتأثيرات الثقافية الدخيلة والمعارف الراهنة التي اعتراها كثير من التحريف والتشويه . . لذلك فإن كثيرا من الأعمال الفكرية التي تنسب إلى الإسلام بحاجة إلى تقييم جدي ومراجعة نقدية جذرية. ومن هذه الوجهة لا غير، يمكن أن نجد التفسير الصحيح لضعف وهزال معظم الردود الإسلامية على كتاب نقد الفكر الديني.
إن المسلم العادي له الحق  في حالة هجوم على عقيدته أن يستعمل الكلمات العاطفية المجردة والعبارات الحماسية التعميمية. إما المفكر أو الكاتب المسلم فيجب عليه ألا يكتفي بإطلاق تبريرات نظرية نزاعية، أو باتخاذ مواقف تقليدية جامدة، وإنما عليه إن يبين صلاحية الإسلام، وأن يركز جهوده في سبيل مجابهة الهجمات العدائية وإبراز الحقائق الإسلامية . . وهذا ما تفتقر إليه الأعمال الفكرية الإسلامية المعاصرة، فمعظمها ينزع إلى التكرار والاجترار وعدم التخلص من التأثيرات والرواسب الدخيلة.
ومن هنا يحق لنا أن نقول أن أزمة الردود الإسلامية على كتاب نقد الفكر الديني، ليست إلا جزءا من الأزمة التي تعاني منها الكتابات الإسلامية المعاصرة. وليست هذه الأزمة إلا انعكاسا لما يعاني منه واقع العالم الإسلامي من التخلف والتناقضات، خاصة وأن حركة البعث الإسلامي لا زالت عاجزة عن استقطاب الجماهير المسلمة وأخرجها من حيرتها وجمودها ولا زالت في حاجة إلى دراسة نقدية جذرية للمرحلة المنصرمة من مسيرتها، وتحليل دقيق للأوضاع الفكرية العالمية الراهنة.
ولم يعد خاف أن النظرية التي يدعو إليها الدكتور العظم وأمثاله، اتجهت منذ أول تجاربها إلى الإبداع في الشكليات والاقتصار على تمجيد الاصطلاحات حتى أصبحت لا تتناسب مع المقتضيات الفكرية التي تثيرها. ونضيف إلى ذلك بأنها ابتليت بالأكاذيب وأصبحت بعدما أعلنت أنها نهاية الظلم والاستعباد، تستخدم كتبرير لأقسى المظالم التي عرفها التاريخ. وما كان للعقيدة التي أعلنت أنها نهاية عهد الطغيان وبداية عهد الحرية أن تبرر أي استعباد أو اضطهاد !
إننا نريد من الكتابات الإسلامية أن تكشف عن الحقائق وأن توالي انتقاداتها لما يفرض على الإنسان المسلم من أفكار ونظم وعقائد . . فلسنا بحاجة إلى الكتابات الهزيلة أو المتأثرة بعزة الجاهلية . . ولسنا في حاجة إلى معطيات الفلسفة اليونانية وحفيدتها الغربية لكي ندافع عن إسلامنا، فالإسلام في غنى عن مثل هذا العمل الشاذ، لأنه سخرية به وبتعاليمه، ولأنه انتقاض من قيمته ومكانته.
   

1  دعوة الحق – العدد الخامس 1971 ص 16.
2  اسبب المباشر لتأخري عن الكتابة هو عدم تمكني من الحصول على نسخة من كتاب نقد الفكر الديني.
3  دعوة الحق – العدد الخامس 1971 ص 19.
4  المرجع السابق.
5  المرجع السابق ص 20
6  نقد الفكر الديني
7  دعوة الحق العدد الخامس 1971 ص 19.
8  المرجع السابق.
9  المرجع السابق ص 23
10  ينطبق هذا الوصف أيضا على المقالات التي نشرتها جريدة الشهاب الإسلامية خلال الزوبعة التي أحدثها نشر كتاب نقد الفكر الديني.
11  البرهان اليقيني في الرد على كتاب نقد الفكر الديني ص 45.
12  البرهان اليقيني ص 64.
13  كثير من الناس يجهلون أن الشريعة الإسلامية منهج كامل للحياة الإنسانية.
14  عضو في مجلس إدارة مجلة الفكر الإسلامي البيروتية.
15  العلم ونقد المنهج في كتاب نقد الفكر الديني، مجلة الفكر الإسلامي العدد الرابع سنة 1970 ص 115
16  المرجع السابق ص 116
17  بناء على هذا المفهوم نستثني كل فكر متأثر بتيارات فكرية دخيلة سواء كانت يونانية أو فارسية أو حديثة !
18  ما من شك في أن هذا هو الإيمان الذي يقصده فرنسيس باكون !

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here