islamaumaroc

رمضان.. هل رعيناه؟

  دعوة الحق

140 العدد

تتعدد محاسن رمضان، كما تتعدد مزاياه، وتتوافر جوانبه الإنسانية الزاخرة بمعطيات الفضل، ونوازع الخير التي تصفو معها النفوس، وتعرج فيها الأرواح، بما يربي فيها هذا الركن الإسلامي العظيم من وعي كامل لمعنى العبادة، وفهم عميق لما يتصل بها من مدلولات الصبر والمصابرة والجهاد . . . فرمضان ليس كما اصطلحنا عليه بأنه شهر العبادة والتبتل، والرحمة والغفران فحسب، أو أنه امتناع تام عن الطعام والشراب، وما يلحق بهما من ملذات وإشباع الغريزة الجنسية من طلوع الشمس إلى غروبها خلال شهر كامل، بل إنه، فوق هذا وذاك، شهر له قيم يمتاز بها عن بقية المواسم والشهور : إنه يوجد المسلمين، ويؤلف بين قلوبهم، وبربي فيهم روح النضال والجهاد، ويقوي فيهم المسؤولية الدينية والدنيوية، الروحية والبدنية، ونبع فياض لا يني يتدفق بأكرم معاني التكوين والإعداد، ومدرسة لتطهير الروح وإعلان سلطان الإرادة، والتغلب على العادات اليومية المألوفة المطردة المبتذلة حتى تتمثل للصائمين الصابرين المخبتين حياة الصحراء التي كان يعيش في وجودها النضالي، ومناخها البطولي خيار المسلمين الأوائل الذين ارتفعوا إلى الله بأرواحهم، واستعانوا به، دون سواه، في معارك التوحيد، وكفاح العقيدة، وجهاد النفس . . .
إنه شهر لتكوين النفس الصابرة، ومدرسة تعمل على تحمل الجهاد بمشاقه ومصاعبه، وما يصاحبه من استغناء عن الكثير مما ألفه الإنسان ملازمته، واعتاده من ملاذ الحياة وطيباتها ..    
وإن الإسلام بتربيته وتكوينه وعقيدته حين حمل الإنسان في هذه الحياة أنواعا من الجهاد من له طرقا لتكوين النفس المجاهدة وإعدادها، فهو قد شرع الجهاد لحماية المستضعفين من الرجال والنساء والولدان . . وفي سبيل تحرير العالم من الظلم والسيطرة والعدوان . . . لهذا جعل نفسية المسلم نفسية مجاهد لا تقبل الضيم والخضوع، والاستكانة والذل حتى لعاداتها المألوفة، ونزواتها الطائشة، وأهوائها الضالة . . .
فالجهاد في سبيل تحرير النفس من أهوائها هو الشرط الضروري للجهاد في ساحات الوغى، ويوم الروع في حومة القتال ومعترك الحياة . . .
والأمم الراقية الواعية، المستكملة رشدها لا ترض إلا بالعيش المقيم، في جنات وعيون وكنوز ومقام كريم، مصونة الحقوق، محفوظة الذمم، يحيا أبناؤها على أهبة الاستعداد، لصد العداة، ورد البغاة، والدفاع عن الأوطان والكيان . . . فإن الله لا يوتي نصره لأمة أخلدت إلى الملذات واتبعت هواها، وركنت إلى الشهوات واعتمدت على سواها، وأغلقت الاستعداد والأهب وبطرت معيشتها . . .
ومن هذه المعاني، نرى أن شهر رمضان لدى أسلافنا العظام كان الجهاد المسلح ضد الظلم والشرك، والضلال والطغيان، ففيه تمت أعظم حوادث الإسلام، وفيه تغير وجه التاريخ بانتصار المسلمين في جميع المعارك، فقد انتصروا فيه في معركة بدر الكبرى التي كانت مطلع الأيام، ورفعة الصلاة والصيام، وفرقانا بين الحق والباطل بهذا المدلول الشامل الواسع الدقيق العميق على أبعاد وآماد . . . حيث تحولت النظريات المجردة إلى حقيقة وعمل، والكلمة الواعية إلى حركة ونضال، والشك الحائر إلى إيمان ووعي، والنفور إلى طاعة واستقامة، فكانت التضحيات، وكان البذل والإيثار، وكان الارتفاع عن أدران التراب وأوضار المادة والشهوات .. وفيه، أيضا، علا مجد الإسلام بفتح مكة، حيث حل فيها عليه السلام منصورا ظافر الإعلام، كما خذل فيه الروم والفرس في وقعتي اليرموك والقادسية، كما حقق فيه المسلمون انتصارا ساحقا على التتر في موقعة عين جالوت، وفيه اندحر الصليبيون الغزاة على يد القائد العظيم المسلم صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين في فلسطين . .
تلك أمثلة حية رائعة لما فيه الدين في نفوس معتنقيه الأوائل حتى أتوا بأنواع من البطولة الحق، وألوان من التضحية والفداء ونكران الذات، ويقظة الضمير ما يكاد يشبه المعجزات . . .
وكلنا ما يزال يترنم بمآثر تلك الأجيال التي رباها الدين الصحيح تربية ممتازة على قلة المعرفة، وضعف الثقافة إذا قيست بمقاييس العصر الحاضر . . .
لقد كان إيمان المسلمين بربهم وقضيتهم، يحشد جميع القوى المومنة، ويضع كل طاقاتهم وإمكانياتهم في خدمة الإسلام، ومن أجل المعركة وتقرير المصير، ما تفتقر إليه اليوم الأمة العربية الإسلامية في الصمود والردع والتأثر من أعداء الله . . . 
 كما كان الصحب الكرام رضوان الله عليهم الذين تحلقوا بأجسامهم وقلوبهم وأرواحهم حول رسول الله صلى الله عليه وسلم فامتازوا بشدة البأس، ورجولة الأخلاق، والصبر عند اللقاء، وامتحن الله قلوبهم للتقوى ينعمون بأهلية التلقي والقدرة على الأخذ، وأهلية البذل والعطاء، فنجد طابع الرغبة في الجهاد، والتسابق لنيل الاستشهاد، والاستماتة في سبيل نصرة العقيدة، ومؤازرة محمد الرسول في أداء أمانته، والبعد عن الانحراف في التفكير، والإسراف في الحذر وتوفي المخاوف هو الذي فرض المناخ الصالح للعمل، وأعطى لكل شيء قدره، ولكل خطوة ما تستحقه، وطبع تاريخ المومنين في عصر النبوة وبعدها، فتاريخ الصحابة، أسد الغابة، وسهام الإصابة، حافل بالخطوات الجريئة، والمغامرات الواثقة، والتضحيات المطمئنة الراضية.
 ولما قال محمد عليه السلام يوم بدر، وهو يحرض المومنين على القتال ويحضهم على الثبات : "والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل، فيقتل صابرا محتبسا، مقبلا، غير مدبر إلا أدخله الجنة، ومن قتل قتيلا، فله سلبه . . انبرى عمير بن الحمام، وبيده تمرات يأكلها قائلا : بخ ! . . ما بيني وبين أن أدخل الجنة، إلا أن يقتلني هؤلاء، ثم قذف التمرات من يديه، وأخذ سيفه، وقاتل حتى قتل . . .
                                                   - * -
ويقول عوف بن الحارث، يوم بدر، أيضا، يا رسول الله : ما يضحك الرب من عبده ؟ فيقول الرسول عليه السلام : غمسه يده في العدو حاسرا . . . فينزع عوف درعا كانت عليه، ويقذفها، ثم يأخذ سيفه، فيقاتل القوم حتى يقتل . . !! 
                                                  - * -
وهذا سعد بن معاذ الأنصاري يقول للرسول : قد آمنا بك، وصدفناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، على السمع والطاعة . . فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر بالحرب، صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله . . .
تلك صورة حية من إيمان الصحابة وعقيدتهم وذاك مثال فذ رائع يبدي الصلة الوثيقة الواضحة بين العبادات وأهداف الحياة وغاياتها، فالعبادات ليست عزلا للعابد عن الحياة، ولا فرارا من مجابهو المسئوليات وتملصا منها، ونكوصا عنها، ولكنها تهيئة وإعداد، وتزكية وتطهير . . فشهر رمضان المعظم، الذي تستروح فيه النفس عبق الجنان، وتقبل معه مواسم الخير، وتطلع فيه مواكب النور، وتقام حوله محافل الإيمان والإحسان والبركات، ميزان توزن فيه صلاحية الفرد ومثاليته، واستعداده واستقامته، كما توزن فيه حياة الأمم الإسلامية بمعايير الخلاق والاعتدال، والجهاد والنضال، والتضحية والفداء . . وتقاس فيه أيضا، أعمال الذين قلدهم الله مقاليد المسلمين، ووضعهم موضع الريادة الفكرية، والقيادة والأمانة على الاجيال، وأناط بهم حفظ معاقل الإسلام في كل مكان وزمان من العالم الإسلامي.
 إن مشكلة الحقيقية التي يعاني المسلمون اليوم هي ضعف الوازع الديني، والضمير الأخلاقي عند جمهرة العاملين في شتى الحقول، والميادين المتعددة، ثم امتداد هذا الضعف الذي جعل من الإسلام صورة مهزوزة في النفوس وأدى إلى الخذلان وعدم الاستعداد والتواكل وعدم الحيطة، إلى جماهير الشعوب المسلمة المتطلعة التي تدعو الله في الغدو والآصال أن يدخلها مدخل صدق، ويخرجها مخرج صدق ويجعل لها من لدنه وليا، ويجعل لها من لدنه سلطانا نصيرا . . . وما من شك في أن استمرار ضعف الضمير يؤدي حتما إلى موته، وموت ضمير الأمة الأخلاقي انهيار محقق أكيد لا ريب فيه.
                                                   - * -
إننا لو تمسكنا بروحانية رمضان الذي يضيء للمسلمين معالم الطريق في الحاضر المؤلم، والواقع المرير، في بقية الشهور، وطوال أيام العام في صدق اليقين وحرارة الإيمان المتين، وابتعدنا عن العبث، وألهبنا شعور الأبطال المحاربين، كما تجلى ذلك في عهد الصحابة كعمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص، وأبي عبيدة عامر بن الجراح، وكانت البلاد الإسلامية من أقصاها إلى أقصاها ثكنة عسكرية تزخر بالأبطال، وتموج بالمجاهدين لما وصلنا إلى هذا الدرك الأوهد الذي انحدرنا إليه، ونحن غثاء كغثاء السيل، فتغلبت علينا حثالة الشعوب، وشذاذ الآفاق، وهزمونا في عقر ديارنا في ظرف ستة أيام أو تكاد، وما برحنا في غفلة لأهين عن أنفسنا، وقد غرتنا الحياة الدنيا، مشتتي الشمل، ممزقي الأطراف موزعي الكلمة، يتآمر بعضنا على بعض، ويكيد الأخ لأخيه، والجار لجاره، ويتطاول الأقزام على أبطال الكفاح والنضال، وتستتسر البغات على القشاعم والصقور، حتى باتت صلات الإخاء، وآصرة المودة واللقاء، وقد مزقتها الأطماع والأحقاد، ووزعتها المؤامرات والأهواء لإرواء  غليل الحقد والتشهير، والانتقام والتدمير.
إننا مدعوون في هذه الأيام، وأكثر في أي وقت مضى إلى الرجوع إلى الله والإنابة إليه والاعتصام بحبله والعمل عل تقريب مسافة الخلف، وتقوية الحلف، وتوحيد الصف حتى تصفو النفوس، وتريد إليها إنسانيتها، ويحل الوئام والسلام، ويرجع السيف إلى غمده، ويحرس الليث كناس الغزال، وذلك بالجهاد بما أمر الله به في هذه الحياة . .
وإنه جهاد النفس وشهواتها . . .
وجهاد الأهواء الغالبة، والملذات المستأثرة . . .
وجهاد الظلم ومحاربة الظالمين.
وجهاد الباغين المعتدين من الأعداء . .
وجهاد لإقامة العدل والمساواة والدفاع عن الحق والفضيلة والجمال . . .
كل هذه المعاني يمكن استيحاؤها وأكثر منها في خضوع وتأمل واعتبار في هذا الشهر . . شهر  رمضان . .
فهل وعيناه . . .


 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here