islamaumaroc

مشاكل اللغة العربية

  ابراهيم حركات

17 العدد

عندما يتناول أحدنا كتابا يقراه فمن العسير أن يسلم من اللحن، ولو بلغ من التضلع في هذه اللغة أقصى ما يمكن أن يصل إليه العقل البشري. ومن المحتمل أن لا يرتكب القارئ خطأ نحويا بالمرة، ولكن الألفاظ اللغوية العديدة التي وردت في كلام العرب لا يمكن لأحد أن يحيط بها معنى لفظا. ولدينا كلمات كثيرة بعضها نتداوله في ما نكتبه أو نقرأه ومع ذلك فإننا نضطرب أحيانا في قراءتها كلبخ، ومخل، وفجأة ومعز، وكشتبان، وينسق، «فعل بتخفيف السين» وكسوة، وزي، وعنز، وخاتم. وقد نضم ألفاء في «فجأة» أو نكسر التاء في «خاتم» فيخطئنا السامع، مع أن فاء «فجأة» وردت بالضم والفتح، كما وردت كلمة «خاتم» بفتح التاء وكسرها.
وقلما نهتم بالمعنى عندما نقرأ بحضور شخص أو أشخاص آخرين، إذ يكون همنا حينئذ منصبا على التحرز من الأخطاء النحوية. ولذلك يقول الدكتور طه حسين : إننا نقرأ النحو لذاته، بينما الإفرنج يتخذونه وسيلة لفهم علوم أخرى.
ولكي يقدر كل منا مشكلة القراءة في اللغة العربية، يمكنه أن يقارن بين تلميذ من قسم الشهادة الابتدائية عند ما يقرأ قطعة غير مشكولة، وبين تلميذ درس الفرنسية، في مستوى القسم المذكور، عندما يقرأ قطعة باللغة الفرنسية. فمن المؤكد ـ والحالة هذه ـ إن الأول لن يسلم من اللحن عدة مرات، بينما الثاني سيقرأ بسرعة ودون خطأ في الغالب.
وما دامت العربية على صورتها الحالية، فمن المرجح أنها لن تحظى بنفس الإقبال هنا، إقبال أبناء العرب أنفسهم، فإن هؤلاء يجب أن يجبروا على تعلم العربية كلغة أساسية، وإنما أعني إقبال الأجانب الذين يهمنا أن تنتشر لغتنا بينهم أكثر مما هي عليه الآن.
أما صميم مشكلة القراءة في اللغة العربية، فهو كونها تتطلب مستوى عاليا في النحو ليمكن تحرز أكبر ما يمكن من الأخطاء في ما لم يشكل، بينما اللغات الحية الأخرى لا تتطلب هذا المستوى العالي، بل إن بعضها لا يكاد يتطلب مجهودا حقيقيا كاللغة الأسبانية مثلا.
وقد فكر البعض في حل مشكلة القراءة بواسطة إشراك الحركات مع الحروف، بحيث تكون الحركات جزاء من الكلمة، غير أن هذه الفكرة لن تحسم المشكلة، فعند ما نطالب طفلا يتعلم العربية، بأن يكتب بعض التراكيب بأسلوبه الخاص، يتعين عليه أن لا يفكر في موقع الكلمات التي يختارها لتراكيبه فقط، بمعنى أنه لن يفكر فقط بأن هذه الكلمة ينبغي أن تجيء بعد تلك أو قبلها، بل يلزم أن يفكر أيضا في هل يجب أن تكون منصوبة أو مجزومة أو مرفوعة، وسأعطي الآن مثالا بسيطا : عندما ندرس قاعدة «الفاعل» في لغتنا، فإنه لا يكفي أن نعرف أنه الذي يفعل الفعل بل أن نعرف كذلكن أنه مرفوع، وأنه يجب أن يقع بعد الفعل «كربح السابق» مثلا. أما إذا قلنا «السابق ريح» فيصير لفظ «السابق» مبتدأ. ويصير الفاعل مستتر في هذه الحالة...
فنحن إذا، أمام مشكلة أساسية خطيرة هي مشكلة النحو. وأما مشكلة القراءة، فهي نتيجة لصعوبة النحو نفسه. فكر أيها القارئ الكريم أننا قد قطعنا سنوات عديدة من أعمارنا قبل أن نستطيع صياغة مثل هذا التركيب: «هؤلاء من الخدمات اللواتي قبض عليهن وجال الشرطة سارقات سوارين» إذ يتعين أن لا نستعمل في «قبض» لغة اكلواني البراغيث. أما سارقات فيكسر آخرها عوض أن ينصب. وأما «سوارين» مع أن من السهولة بمكان أن يعرف معناهما صبى في الأقسام الابتدائية، ولكن كثيرا من طلبة الأقسام الثانوية سيعجزون عن التفريق بين موقع «سواران» بالألف وموقعها بالياء ولو درسوا قاعدة المثنى واسم الفاعل.
ومما يصعب استعماله في اللغة العربية «المثنى» سواء في الفعل أو في الاسم. أنظر إلى هذا التركيب «كان الرجلان حاضرين مع أخويهما» لا يكفينا أن نعرف أن المثنى هو ما دل اثنين فحسب، بل يجب أن نعرف أنه تارة يكون الألف والنون، وتارة يكون بالياء والنون، وأخرى تحذف نونه، فيجب علينا والحالة هذه أن نكون على علم تام بمعرفوعات الأسماء ومنصوباتها إلخ... ثم فائدة وجود المثنى مبدئيا؟ وإذا كان لوجوده فائدة، أفلا يستساغ أن يكون هناك مثلث ومربع وهكذا حتى نعثر على الجمع ؟
إن المنطق يقتضي أنه متى اشترك اثنان أو شيئان فذلك جمع.
وأما جمع الأسماء فهو من أصعب أبواب النحو بينهما الجمع في اللغات اللاتينية لا يتوقف سوى على إضافة حرف معين إلى الاسم المفرد. فنحن أولا أمام ثلاثة أنواع من الجمع : جمع المذكر السالم، وجمع المؤنث السالم، وجمع التكسير. ثم أن جميع التكسير غني بالأوزان التي لا حصر لها، وأغلبها ليست لها قاعدة مطردة. ولعل الكثير منا يحار في جمع هذه الكلمات كلها أو بعضها : «شق، طل : قفا، رئبال، رؤوم» وأمثالها كثير جدا...
وقد أدليت ببعض الملاحظات في ما يرجع إلى تعقد النحو العربي، على أن نمت ملاحظات أخرى كثيرة في نفس الموضوع، وأعتقد أن في استقصائها مدعاة لملل القارئ. والآن ننتقل إلى مشكلة الألفاظ الفنية في اللغة العربية :
كان العربي في الجاهلية وصدر الإسلام إذا قام يصف جواده أو سلاحه أو مسكنه، عبر عن ذلك بدقة متناهية حيث يجد في متناول يده من الألفاظ ما يمكن أن يعبر به عن أي شيء يدور حوله ، فكلمات سنان ونصل وحسام ومهند، مثلا تؤدي كل منها معنى مستقلا. وجاء العصر العباسي فأصبح تداول مثل تلك الألفاظ قليلا، وكثير منها هجر استعماله بسبب الحضارة التي بلغ إليها العرب في هذا العصر، فما يتعلق بدقائق خيمة البدوي وسلاحه وركوبته، حل محله ألفاظ حضرية من تأثير الفرس خاصة. ولحسن الحظ، فإن اللغة لم تضق عن هذه الألفاظ الجديدة كحانة، وطست، وإبريق، وخرستان وغيرها.
ويوم حل ألوبال التركي بالعربية علومها، فقد تأخرت عن ركب الحضارة الذي بدأ يسير فيه الغربيون منذ أربعة قرون تقريبا، وأنشأت الآلات الصناعية والاختراعات العلمية بينما العرب يقاسون الويلات من جراء الاضطهاد العثماني.
فالكلمات الفنية والعلمية أصبحت اليوم تعد بالآلاف ولم يعرب منها سوى عدد محدود جدا.
ورغم المجامع اللغوية التي تكونت بالشرق، فإنها لم تؤد ما كان ينتظر منها في ميدان إصلاح اللغة وإدخال الألفاظ الفنية عليها.
فإذا أخذنا (دراجة) فقط، فسنجد أن كل لولب فيها له اسم خاص في اللغات الأجنبية، وحتى مقودها يختلف في الاسم عن مقود السيارة مثلا، أما الأجهزة الكهربائية العديدة، وأنواع الأثاث، والمصابيح، وأواني الطبخ وغيرها، فلكل منها اسم خاص في اللغات الأجنبية. ومع أننا لا نخترع أو نبتكر جديدا في هذه الأشياء، فإن قادة الفكر واللغة فينا عجوزا على كثرتهم عن اختراع كلمات هذه الأشياء التي لم نهتد بعد إلى ابتكارها بأنفسنا.
وحتى ما وضع من المصطلحات، يتجلى في كثير منه تكلف وثقل، كالدراجة النارية « وهي في الحقيقة أنواع كثيرة، ولكل نوع اسم خاص في اللغات الأجنبية» وكسيارة الشحن وسيارة النقل وسيارة الإسعاف، كأنه لا يوجد ما يعبر به عن أنواع السيارات سوى بهذه الإضافة المتكررة، هلا قلنا : شحانة أو نقالة.. إلخ ؟
ومن المعلوم أن العرب كانوا في قديم عهودهم يتكلمون العربية سليقة حيث كانت لا تكلفهم دراسة لقواعد معينة، واختلاطهم بمن كانوا يسمونهم الأعاجم هو الذي أفسد عليهم لهجتهم، واضطر العلماء والأدباء أن يعجلوا بوضع قواعد لهذه اللغة، خوفا من أنصارهم في اللهجات الأجنبية، وكان عملهم هذا يهدف إلى المحافظة على سلامة اللغة من اللحن، ولم يكن يهدف إلى تيسير اللغة، إذ لم تكن بعد في حاجة إلى هذا التيسير وأهلها ما يزالون ذوي عزة وبأس. غير وضع قواعد للغة ما، وخصوصا للغة العربية التي تتطلب اهتماما كثيرا باللفظ إلى جانب المعنى، هو في حد ذاته عمل جليل يستحق عليه الواضعون كل تقدير واعتبار بيد أن هؤلاء الرجال المقتدرين، لم يكفرهم أحد في زمانهم، ولم يقل لهم الناس أنكم قد أحببتم أن تخرجوا عن تقاليد العرب وتحطموا تراثهم. بل على العكس من ذلك، فقد تلقى طلاب العلم ورجال الفكر عملهم بمزيد التقدير، وكان علماء النحو في الكوفة والبصرة، يتنافسون في خدمة اللغة العربية. أما اليوم فتفكير بعض الناس، ينحصر في وجوب المحافظة على قواعد اللغة العربية وأصولها، دون أن سمو إلى مقارنة مكانة هذه اللغة بين اللغات العالمية، ولا إلى النظر في حالة تلاميذنا المساكن الذين لا تستقيم لهم لغتنا إلا بعد جهد جهيد وسنين متتابعة من الدراسة.
فما العمل إذا ؟ ـ نهجر خطنا العربي بالمرة وتكتب بالحروف اللاتينية حتى نحسم مشكلة الحركات المنفصلة عن الحروف ؟ ولكن هذا العمل، يعد انفصالا عن جزء من مقوماتنا لصالح حروف أجنبية لا صلة لها البتة بالعربية، ففكرة الحروف اللاتينية والحالة هذه، يجب أن تنبذ لأن العربية ما دامت هي لغتنا القومية، فلا معنى لأن نفصل عنها الحروف العربية التي لا نظير لجمالها في لغة أخرى...
غير أنه من الضروري أن يفكر قبل كل شيء، في تبسيط النحو وتحديد قواعده التي تنقص الاستثناءات المطردة من قيمتها. وتبسيط النحو يستدعي إلغاء بعض الاستعمالات كالمثنى في الفعل والاسم مثلا، وإن كان هذا العمل سيستدعي رد فعل عنيف من المحافظين، وأقصد بهم الذين يفكرون في غابر الأزمان، ولا يفتحون عيونهم على حقائق الحياة.
وأما مشكلة الأعراب بصفة عامة فينبغي أن يوضع لها حد، فإذا كان من المسلم به اعتبار موقع الكلمة أي موضعها في الجملة بحيث تكون بعد هذا الاسم أو ذاك الحرف مثلا، فليس من اللائق أن تستمر حركات الأعراب موضع النزاع في المجالس، حيث يكون القصد مطالعة كتاب أو صحيفة فيتحول إلى نقاش طويل في الرفع والنصب وباقي حركات الأعراب !
والواقع أن مشكلتي الأعراب والكتابة ترتبطان ارتباطا وثيقا، إذ لا توجد فائدة كبيرة في إدماج الحركات في الحروف، ما دامت مشكلة الأعراب قائمة.
وفيها يخص الألفاظ الفنية، أعتقد أن القضية أهون من أن تستلزم كل هذا التراخي والعجز من جانب اللغة. وأعضاء المجامع اللغوية يتحملون أكبر مسؤولية في هذا الباب، لأن سيلا جارفا من الألفاظ العلمية والفنية يزداد يوما عن يوم، ولا يوجد أولا يحاول أن يوجد له مقابل في اللغة العربية.
ولا يعيب العربية أن ليس فيها تعابير فنية بالقدر الذي يوجد في بعض اللغات الأجنبية، ولو أن رجال اللغة فكروا في وضع مقاييس تصبح بها التعابير الفنية أكثر مرونة لحلت مشكلة هذه التعابير وصلحت تلك المقاييس ما بقيت  اللغة. أما أن تكتفي بإيجاد بعض الألفاظ فقط، مع ما تستهدف له هذه الألفاظ من جدال طويل بين أعضاء المجامع اللغوية، فستظل دائما في مؤخرة الركب.
وكثيرا ما يظن بعض الناس أن عجز اللغة في هذا الباب راجع إلى كون العرب أنفسهم ليسوا هم الذين يبتكرون الآلات والأجهزة العلمية فيضطروا إلى إيجاد أسماء لها. وهذا منتهى الغلط، فكثيرا ما تخترع أشياء في انجلترا مثلا وتوضع لها هناك أسماء، ثم يوضع على الفور ما يقابلها في بلدان أوروبية أخرى.
وأنه ما دامت لم توجد مقاييس تعين على تقبل اللغة العربية للتعابير الفنية بأكبر قدر ممكن، ودون صعوبة حقيقية، فيظل الصراع قائما في مجامعنا اللغوية دون كبير فائدة، بل وربما سيأتي الوقت الذي نود فيه أن نكتب حديثا علميا بلغتنا فنجد أنفسنا حيال عشرات من الألفاظ العلمية الحديثة الأجنبية التي تراكمت مع الزمن ولا سبيل إلى ترجمتها أو تأدية معناها الدقيق في اللغة العربية.
  

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here