islamaumaroc

لا إله إلا الله

  أبو الأعلى المودودي تعريب محمد عاصم الحداد

17 العدد

«من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم «من قال لا إله الله دخل الجنة» فهذا الحديث يبشر الإنسان بدخول الجنة بمجرد أن يؤمن بالله ووحدانيته، سواء آمن ـ مع هذا الإيمان بالله ووحدانيته ـ بالرسول أو لم يؤمن، على حين أن القرآن يؤكد الإيمان بالرسول بشدة لا مزيد عليها في غير آية من آياته، حتى أن الإنسان لا يمكنه على حسب بيان القرآن، أن يهتدي إلى طريق الحق أو ينال نصيبا في الآخرة إن لم يؤمن بالرسول. وفوق هذا، فإن الحديث لا يشترط على الإنسان لنجاته في الآخرة أن يعمل صالحا، مع أن العمل بالصالحات، وإن لم يكن من أجزاء الإيمان، لا نجاة بدونه، والقرآن لايبشر بالفوز والغفران والجنة والنعيم في الآخرة إلا من كان مع إيمانه قد عمل الصالحات، كما يتضح هذا من غير آية من آيات القرآن كآية (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات...) أو كآية (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيأته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار....) أو كآية (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات..... جزاؤهم عند ربهم جنات عدن...) مثلا : فبناء على كل هذا من رأينا أن هذا الحديث معارض للقرآن، وعسى أن تكتب إلينا برأيك حتى تطمئن قلوبنا ونعلم أن الرسول قد صدق».
هذا ما وصلني به أحد أصدقائي من مدينة... فكتبت إليه بما يلي :
إن أول ما يجب أن يزول عن الدهن بشأن هذا الحديث هو أنه معارض للقرآن، فإن القرآن نفسه قد جاء فيه من الآيات ما يدل على نفس المعنى الذي يدل عليه هذا الحديث كآية «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة بالجنة التي كنتم توعدون» (السجدة : 30)، فكما أنه لا يصح أن يستخرج من هذه الآية أن مجرد الإعتقاد بالتوحيد يكفي في النجاة والغفران ودخول الجنة دون ما حاجة إلى الإيمان بالرسول وعمل الصالحات، كذلك لا يصح أن يتطرق إلى الذهن هذا الخيال الفاسد من الحديث المذكور، وكما أن هذه الآية لا تعارض ما سردت من الآيات في سؤالك، كذلك لا يعارضها هذا الحديث.
هذه واحدة، والثانية أن هناك خطأ يتورط فيه عامة الناس عندما يحاولون فهم القرآن والحديث وهم أنهم يشتهون أن يجدوا القرآن والحديث، كعامة التصانيف الإنسانية يبينان كل موضوع بتمامه وكماله في موضع واحد، إلا أن الواقع ليس كذلك.
فقد نزل القرآن منجما خلال 23 سنة على فترات مختلفة على حسب ما اقتضته الحالات والحاجات المختلفة، وكذلك جاءت أحكام الرسول صلى الله عليه وسلم وتعاليمه متفرقة في مختلف أحاديثه حسب ما اقتضته الحالات والحاجات المختلفة. وكل ما ذكر في القرآن، وكذلك في الحديث هو على نوعين : تعاليم الإسلام الأساسية، وتفاصيل هذه التعاليم جاءت متجمعة في موضع ومتفرقة في مواضع أخرى حسب ما عرض للمجتمع الإسلامي من الأحوال والحاجات المتطورة المتنوعة. فعلى هذا، إننا إذا أردنا الاستنتاج الصحيح سواء من آيات القرآن أو من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فلابد أن نلقي عليهما نظرة  شاملة، وإما إذا التقطنا جزءا من آية واحدة أو حديث واحد صارفين النظر عن سائر الأجزاء المتعلقة به المذكور في سائر آيات القرآن أو أحاديث الرسول، وحسبنا أنه هو الكل، فلا شيء ينقذنا من التورط في الخطأ. وإن شئت المثال، فانظر القرآن ثارة أكد الإيمان بالله فحسب، كما هو في آية «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا.... المذكورة آنفا، وتارة أكد الحاجة إلى الإيمان بالآخرة فقط (الأنعام:   ) وتارة إنما ذكر اليوم الآخر مع الإيمان بالله (النور :    ) وتارة أكد الحاجة إلى الاعتقاد بالآخرة والكتب الإلهية فقط (النساء :    ) وتارة قرر إنكار الإنسان للأنبياء والملائكة كفرا وفسقا (البقرة:   ) وتارة بين للإيمان خمسة أجزاء : الإيمان بالله والإيمان بالرسل والإيمان بالكتب والإيمان بالملائكة والإيمان باليوم الآخر (البقرة:   )
والحقيقة أن هذه المواضع كلها لا تعارض بينها بل إنما جاء فيها ذكر مختلف أجزاء الإيمان مؤكدة حسب الحاجات والمقتضيات العارضة في مختلف المراحل، فإذا صرفنا النظر عن هذا المبدأ وأخذنا آية خاصة من آيات القرآن الكثيرة وادعينا، بناء على ما جاء فيه من عدد أجزاء الإيمان، وإن لا حاجة للإنسان لكونه مؤمنا إلا إلى الإيمان بالتوحيد أو بالله واليوم الآخر أو بالله والرسل فقط، وإن الإقرار ببعض أجزاء الإيمان دون بعضها يكفي له في النجاة، فلن نكون على الصواب أبدا ولا تكون هذه الدعوى منا إلا تنمية لجهلنا بلغة القرآن وأسلوبه في البيان.
وعلى غرار هذا، فإن القرآن يؤكد تارة الإيمان فحسب، وتارة يشترط النجاة بالإيمان مع عمل الصالحات والتقوى كما هو في آية «وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم (آل عمران:     ) وسورة العصر. ثم أنه يؤكد عملا في موضع وآخر في غيره، فيؤكد تارة الصلاة والزكاة، وتارة الصدق والإخلاص وحسن المعاملة، وتارة العفاف وحفظ الفروج وتارة الرحم وحقوق ذوي القرابة، وتارة مواساة اليتامى والمساكين وتارة البر بالوالدين وتارة حدود القانون للحياة الاجتماعية وتارة أكل الحلال وترك الحرام ............ وهكذا فإنه يبين كل واحد من هذه الأمور ويؤكد في موضعه كان عليه المدار للنجاة والفلاح. فإذا قطعنا النظر عن هذه المجموعة المتكاملة لأحكام القرآن وتعاليمه وتناولنا بالنظر لإحدى آياته دون غيرها وقلنا أن القرآن يبشر بالنجاة بمجرد الإيمان دون أن يكون معه العمل أو أنه يكتفي بواحد أو العفاف أو صلة الرحم أو غيرها سواء أكان هذا العمل مقترنا بالحسنات أو لم يكن، فلا يكون منا هذا القول أيضا إلا نتيجة لقلة فهمنا للقرآن وعدم تدبرنا في أسلوبه للبيان. الحقيقة لقلة فهمنا للقرآن وعدم تدبرنا في أسلوبه للبيان. الحقيقة إن القرآن يعرض في مجموعة تعاليمه خطة شاملة متكاملة للحياة الفكرية والعملية حيث قد وضع فيها كل شيء من أجزاء الإيمان والأخلاق والقوانين  العملية في موضعه اللائق به، إلا أنه سلك لتوكيد هذه الأمور وإرساخها في أذهان الناس طريقا خاصا يقوم قبل كل شيء وبعده على الحكمة البالغة والموعظة الحسنة، وهو أن لا ينزل هداية للناس إلا عند المواقع المناسبة لها على حدة. فإذا عرض للناس حادث وكانت أذهانهم مستعدة عندها لقبول هداية خاصة مثلا، أنزل لهم تلك الهداية على الفور بمناسبة ذلك الحادث حتى لا تلبث أن تملأ أذهانهم وتلتحم في قلوبهم وأرواحهم، وأحيانا أمر الرسول بتهذيب طائفة خاصة منهم، فأنزل من التعاليم العامة، على حسب ما تتطلبه أحوال تلك الطائفة، ما كان ضروريا لهدايتها إلى الحق. وأحيانا إذا وجد المجتمع بحاجة إلى تعليم خاص، هيا القلوب والأذهان لتلقيه بالقبول : أولا بضرب الأمثال وبيان نظائر الأمم الماضية وأحوال الأنبياء السابقين والدعوة إلى النظر في الآفاق والأنفس، ثم انزل ذلك التعليم حتى تقع مع نفوسهم الموقع الحسن وتأخذ بمجامع فقلوبهم. وهذا الطريق الخاص لتعليم الناس وتهذيبهم إنما سلكه الله سبحانه وتعالى لأنه ما كان يريد أن يرتب خطة من خطط الإصلاح ويرسم منهجا من مناهج التعليم والإرشاد فحسبن بل كان يريد أن ينفذ خطته فعلا ويحدث بها الانقلاب في حياة الناس الفردية والاجتماعية، شيء ما كان بد فيه من التدريج والترتيب ورعاية المواقع والأحاسيس النفسية.
ونفس هذا الطريق ـ القائم على الحكمة والموعظة الحسنة ـ سلكه الرسول صلى الله عليه وسلم أيضا في تعليم إتباعه وتزكية نفوسهم وإصلاح وأحوالهم ودعوتهم إلى الحق وتبليغهم أحكام ربهم طوال حياته النبوية. فكان يأتيه كل نوع من الناس يسألونه في مشاكلهم وأحوالهم، وكان كل واحد منهم مختلفا عن غيره في عقليته وكفاءته للقبول وحالته الخلقية والاعتقادية  والعملية. فلو أنه صلى الله عليه وسلم لم يخاطب كل واحد منهم في كل حين إلا بحديث بعينه ولم يزوده إلا بنوع خاص من الهداية، لما لقي في دعوته من النجاح والتوفيق ما قد أحدث الانقلاب في التاريخ كان تلميذا للحكيم المطلق فما كان يتبع في حياته إلا نفس الطريق الذي سلكه ذلك الحكيم المطلق في كتابه فكان كل تعليم من تعاليمه مع الرعاية للمناسبة والموقع ولا ينطلق في كل مناسبة إلا بما يوافقها ويسارع إلى الوقوع من قلوب الناس وأذهانهم. وإنك لن تعرف تعليم الرسول الكامل وطريقه الشامل في إرساخه في أذهان الناس، إلا إذا نظرت نظرة جامعة شاملة في هذه الأمور المنتشرة في مختلف المواضع من كتب الحديث. وأما إذا لم تجمع بين هذه الوحدات المنتشرة ولم تركبها على هيئة عدد منظم، وأخذت تستخرج النتائج من كل وحدة من هذه الوحدات بصفتها الفردية المستقلة، لا تلبث أن تبوء بمثل الخطأ الذي يقع فيه الإنسان بنظره في مختلف آيات القرآن متفرقة.
راع هذه القاعدة وانظر نظرة شاملة في الأحاديث التي قد بين فيها الرسول صلى الله عليه وسلم تعاليم الإسلام على غير أسلوب واحد:
ذات مرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فجاءه أعرابي وقال: يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم.
أنظر ماذا في هذا الحديث ؟ رجل يؤمن بالرسول واليوم الآخر وقد دخل في حظيرة الإسلام، فلا حاجة به إلى أن يعرف أجزاء الإيمان والأخلاق مفصلة، وإنما ينبغي الهداية والإرشاد للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، فيعلمه الرسول صلى الله عليه وسلم، على قدر حاجته، أن يستقيم على العقيدة التي تقوم عليها الإسلام وبترسيخ فيها ويؤدي ما عليه من الحقوق لله ولعباده.
وذات مرة أخرى أتى أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : «تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة والمكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان» قال «والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا ولا انقص منه». فلما ولى، قال النبي صلى الله عليه وسلم «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا» (متفق عليه).
فماذا ههنا ؟ مسلم صادق يظهر استعداده لقبول كل هداية من الرسول بالإخلاص وصدق النية، فيكفي أن يعرفه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا يحتاج لدخول الجنة إلى أن يروض نفسه على المراقبات والمجاهدات والأوراد والوظائف الطويلة العريضة، بل له إذا حفظ عقيدته من الشرك ولم يقصر في أداء ما عليه من فرائض الله في حياته الدنيا، أن يدخل الجنة.
ويجدر بنا أن ننظر الآن في نوع آخر من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم:
بعث الرسول صلى الله عليه وسلم معاذ بن جيل إلى اليمن وقال «إنك تأتي قوما أهل كتاب فأدعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فاعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم توخذ من أغنيائهم وترد على فقراتهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم وأثق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب» ورواه الجماعة).
وفي حديث آخر من هذا النوع أنه صلى الله عليه وسلم قال « أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ويقيموا الصلاة ويوتوا الزكاة، فإذا فعلوا عصموا دماءهم وأموالهم وحسابهم عند الله، وفي رواية أخرى لهذا الحديث أنه « أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله. (رواهما البخاري).
إن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما بين في هذه الأحاديث قانون الإسلام الدستوري (Constitution Law  ) وهو أن كل إنسان إذا آمن بوحدانية الله ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم دخل دائرة الإسلام وصار مواطنا من مواطني الدولة الإسلامية. وأما هل هو صادق في إيمانه في حقيقة الأمر أم لا، فهذا ما على الله حسابه وليس من حقنا أن نشق قبله ونقضي عليه بشيء. يقول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر«لم أوامر أن أشق عن قلوب الناس ولا عن بطونهم». إن الضمان بصيانة النفس والمال والعرض يناله الإنسان بمجرد شهادته بالتوحيد وإقراره بعقيدة الرسالة وليس من حق غيره أبدا، بعد هذا، أن بسلبه حقا من حقوق المواطنة في الدولة الإسلامية إلا بحق الإسلام أي إذا أبى أن يؤدي شيئا مما عليه من الحقوق لله وللخلق، فسيعاقب على قدر جريمته.
أنظر ما في هذا النوع من الأحاديث ؟ ليس هناك رجل يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن شيء وإنما هناك رجل يبعثه الرسول صلى الله عليه وسلم حاكما من قبله لناحية من نواحي الدولة ويسزرده بالتعليمات القانونية، فيكتفي بأن يبين له حدود القانون لا يقول له أن الجنة تجب لكل كافر إذا قرأ بلسانه بالتوحيد والرسالة وأدى الفرائض، وكذلك لا يأمره بأن يخبر الناس جميعا بأجزاء الإيمان والقوانين العميلة كلها، لأنه إنما يقصد هنا أن يبين له ما هو الحد بين الإسلام وغير الإسلام وما هي الحقوق الدستورية التي ينالها الإنسان بمجرد دخوله في الإسلام. وهذا موافق بتمامه لما جاء في آية «فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم» فإذن لا يصح لأحد من الناس أن يستنتج من هذه التعليمات القانونية إن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما كان يرى الإسلام منحصرا في الاعتقاد بالتوحيد والرسالة وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وما كانت في نظره أهمية لأي شيء سوى هذه الأمور.
قد رأيت نوعين من الأحاديث : أحاديث يتوجه الخطاب فيها إلى أشخاص بعينهم على حساب حاجاتهم رحالاتهم المخصوصة. وأحاديث لا تتناول بالبحث أحوال الأشخاص بعينهم وإنما غايتها أن تبين ما للسلم من الحقوق الدستورية وما هو الفرق بينه وبين الكافر من جهة القانون في الدولة الإسلامية. وهذان النوعان من الأحاديث لا يخفى عليك ما في أسلوب بيانهما من الفرق الواضح. فبينا أن الرسول في أن الرسول في الأحاديث من النوع الأول إنما يتكلم باعتباره المرشد الروحاني لعامة المسلمين، إذ هو الأحاديث من النوع الثاني يتكلم باعتباره رئيسا للدولة الإسلامية وواضعا للقانون لنوع جديد من نظام السياسي.
هذا ويجدر بنا أن نلقي نظرة في أحاديث من غير هذين النوعين، الخطاب موجه فيها خاصة إلى أولئك الأفراد الممتازين من العرب، الذين اصطفاهم الرسول صلى الله عليه وسلم واختارهم لصحبته من بين أفراد المجتمع العربي في زمانه وكان يعني بتربيتهم وتزكية نفوسهم على عينه عناية غير عادية غير حتى يأتي منهم رجال يتشبعون بروح الإسلام ويكنون مساعديه في القيام بواجبات الرسالة وتبليغها وتعميمها في العالم كله في حياته وبعد وفاته:
عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ رديفه على الرحل قال: «يا معاذ» ! قال «لبيك وسعديك يا رسول الله» قال : «يا معاذ» ! قال «لبيك يا رسول الله وسعديك» قال  : يا معاذ » ! قال «لبيك يا رسول الله وسعديك» ثلاثا، قال : «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على الناس» قال : «يا رسول الله ! أفلا أخبر به الناس فيستبشروا ؟» قال : «إذن يتكلوا» (متفق عليه) ومعنى «إذن يتكلوا» إنهم لا يفهمون روحه فيقعون في سوء الظن بأن النجاة تلزم بمجرد أداء الشاهدين باللسان.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا قعودا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو بكر وعمر في نفر، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين أظهرنا فأبطأ علينا وخشينا أن يقتطع دوننا وفزعنا فقمنا فكنت أول من فزع فخرجت ابتغى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتيت حائطا للأنصار لبني النجار فدرت به هل أجد له بابا فلم أجد فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجه والربيع الجدول) فاحتفزت فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أبو هريرة ؟ فقلت «نعم يا رسول الله !» قال : «ما شأنك ؟» قلت : كنت بين أظهرنا، فقمت فأبطأت علينا فخشينا أن تقتطع دوننا ففزعنا، فكنت أول من فزع فأتيت هذا الحائط فاحتفزت  كما يحتفز الثعلب، وهؤلاء الناس ورائي» فقال : يا أبا هريرة ـ وأعطاني نعليه ـ «أذهب بنعلي هاتين فمن لقيك من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قبله فبشره بالجنة، فكان أول من لقيت عمر، فقال : ما هاتين النعلان يا أبا هريرة ؟ فقلت «نعم يا رسول الله !» قال : «ما شأنك ؟» قلت : كنت بين أظهرنا، فقمت فأبطأت علينا فخشينا أن تقتطع دوننا ففزعنا، فكنت أول من فزع فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، وهؤلاء الناس ورائي» فقال : يا أبا هريرة ـ وأعطاني نعليه ـ «أذهب بنعلي هاتين فمن لقيك من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قبله فبشره بالجنة، فكان أول من لقيت عمر، فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة ؟ فقلت هاتان نعلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني بهما من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشرته بالجنة» فضرب عمر بين ندبي فخررت بها لاستى، فقال أرجع يا أبا هريرة. فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجهشت بالبكاء وركبني عمر وإذا هو على اثري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مالك يا أبا هريرة» ؟ قلت : لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به فضرب بين ثديي ضربة خررت بها لاستي، فقال أرجع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر ما حملك على ما فعلت ؟ فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشره بالجنة ؟ قال : نعم . قال «فلا تفعل فأني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فخلهم». (رواه مسلم)
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثوب أبيض وهو نائم ثم نائم ثم أتيته وقد استيقظ، فقال ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك دخل الجنة. قلت وإن زنى وإن سرق ؟ قال : وإن زنى وإن سرق. قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال : وإن زنى وإن سرق . قال وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر (متفق عليه).
أنظر في هذه الأحاديث الثلاثة : الخطاب فيها للأفراد الذين لا شك في كونهم قد بلغوا الذروة في حسن الإسلام وكماله، فما كان الأمر يقتصر على أنهم كانوا يعرفون تعاليم القرآن وقوانين الإسلام، بل كانوا، فوق هذا، يعلمون بما عملا تاما. فالذي بينه الرسول صلى الله عليه وسلم لهؤلاء لا مجال لأن يخاف بينه الرسول صلى الله عليه وسلم لهؤلاء لا مجال لأن يخاف منه أنهم سيكتفون بالتوحيد ويعدون كل ما سواه عن عقائد الإسلام وحقوقه وواجباته شيئا لا يستحق الأهمية ولا حاجة إليه للإنسان في حياته، فلهذا اقتصر الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يبين لهم جوهر الإسلام وأساسه وهو الاعتقاد بالتوحيد وأن الغاية الحقيقية من بعثه الأنبياء أن يخرجوا الناس من ظلمات عبدوية غير الله إلى نور عبودية وحده وأن المدار لنجاة الإنسان وفلاحه في الدنيا والآخرة إنما هو في خروجه من عبودية غير الله إلى عبودية الله وحده، وأن من أدرك هذه الحقيقة وعلم أحسن العلم أن ليس في الدنيا شيء غير الله له نوع من الألوهية، وإن عليه أن لا يعبد ولا يستعين ولا يطيع إلا الله وحده، لأنه إذا فعل هذا، فلابد أن يتجنب في حياته الطرق المعوجة المتفرقة ولا يتبع إلا الصراط المستقيم، ويتحرى في أفكاره وأعماله الصدق والإخلاص ولا يلبث أن يقبله ويقبل عليه حيثما وجده وبتقي أنله ويؤدي ما أمره الله بأدائه من الحقوق ويقوم بكل مال جعله عليه من الواجبات.
لهذا فإن الاعتقاد بالتوحيد، هو الذي سيضمن له الصحة في الفكر والرأي والطهارة في الأخلاق والأعمال وإما أن يصدر عنه ـ بناء على ما هو مفطور عليه من الصعف والوهن ـ شيء من الذنوب والخطايا، فإن إيمانه بالله سيجبره على أن يتوب عنه ولا يصر عليه أبدا، لأن البقاء على الذنوب والإصرار على الفستق مما يتنافى مع الإيمان.
فهذا المفهوم للأحاديث المذكورة وما في معناها من الأحاديث الأخرى، هو الذي كان قد أدركه الصحابة رضي الله عنهم وهو مفهومها الصحيح. وما كان أحد منهم ظن، بناء على ما جاء فيها، إن الاعتقاد بالتوحيد هو الكافي للإنسان في نجاته ولا حاجة له بعده إلى الإيمان بالرسول أو الكاتب ولا أن يكون في حياته طاهر الأخلاق صالح الأعمال.
وبعد فكيف كان لهم أن يقعوا في هذا الوهم الخاطئ إذ كان واضحا لهم ما هو الإسلام وما فيه من أمور يجب الاعتقاد بها وعبادات يجب التزامها وحدود يحب حفظها والقيام عندها وقوانين يجب طاعتها وطرق يجب اجتنابها ؟ ولأجل هذا، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين هذه الحقيقة إلا للكاملين في إيمانهم الراسخين في عملهم من أصحابه، ونهاهم أن يبينوها لعامة المسلمين. لماذا ؟ قد بين هذا أيضا بنفسه بقوله «إذن يتكلوا» في حديث معاذ بن جيل.
نعم قد تساور الإنسان الشبهة في حديث أبي هريرة بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لعله أمره بتبليغها عامة المسلمين، بل فعلا قد ساورت هذه الشبهة عمر بن الخطاب، إلا أن الواقع أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما أراد أن يبشر بدخول الجنة إلا الكاملين في إيمانهم الراسخين في عملهم من المسلمين. فلهذا لما أعرب عمر عن هذه الشبهة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورافقه على رأيه.
وكذلك من المحال أن يظن من حديث أبي ذو أن المراد يقول «لا إله إلا الله» إنما هو القول باللسان، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه قد بين في المناسبات الأخرى أن دخول أن دخول الإنسان في الجنة يحتاج إلى الإيمان الكامل بالتوحيد. فقد جاء في بعض الأحاديث قوله «مستيقنا بها قلبه» وفي بعضها قوله «مخلصا من قلبه» وفي بعضها قوله «غير شاك» وفي بعضها ألفاظ تدل على نفس هذا المعنى.
وعلى كل، فالواجب أن تعرف أحسن المعرفة أن الأحاديث جاء فيها ذكر أهمية التوحيد إنما التوحيد إنما الخطاب فيها في حقيقة الواقع للذين قد دخلوا في دائرة الإسلام بجميع ما تحمل كلمة «الإسلام» من الشروط والواجبات، وليس الخطاب فيها عاما حتى الذين لم يدخلوا في الإسلام. وبعد، فإنه ليس المراد  بتبشير المسلمين بدخول الجنة إذا كانوا يعتقدون بالتوحيد، أن يعتقدوا أن الله واحد لا ثاني له ثم يقتحموا إلى أذقناهم في مال شاؤوا من أنواع لفسق والفجور والرذائل والمعاصي والبدع، بل المراد بهذا التبشير أن المواد لنجاة المسلم هو على صحة عقيدته بالتوحيد ورسوخها المسلم هو على صحة عقيدته بالتوحيد ورسوخها واستكمالها قبل كل شيء آخر، وانه إذا كانت عقيدته هذه فاسدة، لا ينفعه أي شيء آخر، وانه أذا كانت هذه العقيدة صحيحة قوية، فلابد أن ينال النجاة آخر الأمر. ومن هذه الجهة أم جميع الأحاديث في هذا المعنى تطابق مطابقة تامة الآية القرآنية التي قيل فيها «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون».
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
         

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here