islamaumaroc

للمناهج التعليمية والثقافية مقدمات لابد منها

  دعوة الحق

136 العدد

في مواجهة هذا التحدي التغريبي الذي يحاول اليوم أن يسيطر على الأمة العربية والفكر الإسلامي نجدها في حاجة إلى أن نتعرف على حقائق واضحة تختفي اليوم وراء المناهج التعليمية والثقافية التي تقوم بتدريسها الجامعات في العالم الإسلامي كله على نحو يحس معه الشباب بأن ما يقدم له في هذه الميادين، وخاصة في ميادين الفلسفة والاجتماع والتاريخ والعلوم السياسية والاقتصاد والقانون، أن هذا الذي يقدم إنما هو من صياغة الفكر الغربي وحده، فإذا توسع في ذلك شيئا قليلا فإنما هو مستمد من الفكر اليوناني والروماني السابق على الفكر الغربي والمنفصل عنه بأكثر من ألف عام، وحيث لا يذكر ولو على سبيل الاستعراض التاريخي أن الفكر الإسلامي كان له دوره وأثره الواضح والعميق في صياغة هذه المفاهيم والآراء والنظريات والمذاهب التي يزخر بها الفكر البشري اليوم سواء في نطاقه الديمقراطي أو الاشتراكي على السواء.
 لذلك فنحن في حاجة إلى أن نتعرف على هذه الحدود الواضحة والعلامات الصريحة لفكرنا العربي الإسلامي التي يبدو أنها ضاعت أو أوشكت على الضياع في غمار التطورات والتحولات المستمرة التي تعتري الفكر العالمي والتي تتزايد على الدوام، بحيث تكاد تلك الجذور الأصيلة التي قدمها الفكر الإسلامي إلى الإنسانية وإلى الفكر البشري منذ بزوغ الإسلام، والتي كانت باليقين بعيدة الأثر في تحوله ونموه وتطوره وإخراجه من الحواجز الوثنية والطبقة الخطيرة التي كان يعيش فيها ويتحرك من داخلها.
  إن من حق شبابنا العربي والإسلامي على مدى العالم الإسلامي وليس في الأمة العربية وحدها أن يعرف وهو يراجع نظريات الاجتماع والسياسة والتاريخ والاقتصاد والقانون أن فكره العربي الإسلامي وأن أجداده العرب والمسلمين كان لهم أثر واضح في هذه النظريات.
 وأن من شأن هذا الفهم أن يزيد شبابنا قوة روحية وعقلية ونفسية تملأ نفسه بالثقة وتدفع عنه تلك الشبهات الخطيرة والحرب النفسية المثارة عليه والتي تحاول أن تصوره وكأنه متسول لنظريات الغرب، هذه النظريات التي صاغتها العقول الغربية وحدها، والتي فرض على العرب والمسلمين أن مفاهيم وقيم قدموها من قبل للفكر البشري فبنى عليها تلك الآراء والنظريات المستحدثة.
ومن حق شبابنا في هذه الفترة الحاسمة الحرجة من تاريخ الأمة العربية أن تقدم للمناهج التعليمية والثقافية بمقدمات توضح هذا وتكشف عنه، وإن نقدم أسماء هؤلاء الأعلام وما قدموه من آراء استمدوها أساسا من القرآن الكريم أبى المفاهيم والقيم الإنسانية التي أهداها الفكر الإسلامي للبشرية وكانت قد أهديت إليها عن طريق السماء فالأديان السابقة ولكنها صحقت وأصابها الاضطراب والتحريف.
 وعندنا أن ذلك سيكون بعيد المدى عقليا ونفسيا على مجرى الثقافة العربية، وعلى التكوين الفكري والروحي لشبابنا فإذا كنا اليوم قد فتحنا أبواب جامعاتنا لنظريات عالمية مختلفة في الاجتماع والتاريخ والسياسة والاقتصاد والقانون، فإن لنا نظريتنا الإسلامية الكامنة التي قدمها الإسلام للبشرية جميعا والتي صدرت أوربا في أوائل عصر النهضة على هذه النهضة، وفتحت أمامها ىفاق التحرر الفكري من قيود الكنيسة وقيود الوثنية وعبادة الفرد، وتبدو بواكير هذا الأثر واضحة في حركة للوثر وكلفن ودعوتهما إلى حرية الفكر وغلغاء الوساطة بين الله والإنسان وحق الإنسان في قراءة الكتاب المقدس وفهمه ومن ذلك تلك الثورات التي قامت لإزالة الصور من الكنائس وإزالة التماثيل.
ولا يقف أمر الإسلام إلى هذا الحد وحده بل يتجاوزه إلى إبداع المنهج العلمي التجريبي الذي قامت عليه الحضارة الحديثة كلها، هذا المنهج أبدعه المسلمون من منطلق القرآن الذي دعاهم إلى النظر في الكون، والذي كان مخالفا مخالفة أساسية لمنهج اليونان الفلسفي والعلمي جميعا، ذلك المنهج الذي وقف عند حدود افتراضات النظريات بينما اتجه المفهوم الإسلامي إلى التجربة أساس، فصحح أخطاء فلاسفة اليونان وحول التنجيم اليوناني إلى علم الفلك بأصوله ومقاييسه واستطاع المسلمون أن يضيفوا إضافات واضحة في بناء الأصول الأولية، وفي مقدمتها الأرقام ورقم الصفر بالذات، وامتداد ذلك إلى العلوم الطبيعية والكيميائية في مختلف مجالات الطب والفلك والفيزياء.
 وقد يقف كثير من الباحثين الغربيين عند هذا الجانب العلمي، معترفين بفضل المسلمين والغرب في هذا المجال، وهو أمر أصبح اليوم ذائعا وشائعا، بعد أن أغمضوا عنه الطرف طويلا، ولكنهم لا يتعدوه إلى أثر الفكر الإسلامي في مجالات الاجتماع والتاريخ والعلوم السياسية والاقتصاد والقانون، مع أن أولوياته في هذه العلوم وإضافاته كانت بعيدة المدى وما تزال آثارها واضحة وضوحا لا سبيل إلى إنكاره.
 ولقد وقف الفكر الإسلامي موقفا صريحا واضحا من الفلسفة الإلهية اليونانية فرفضها رفضا صريحا، وأر إيمانه الأساسي المستمد من "التوحيد" و"النبوة" وبذبك أنشأ فلسفته الذاتية المستقلة استقلالا كاملا عن مفاهيم الفلسفة اليونانية، وإذا كانت هذه الفلسفة قد اغتالت من قبل الديانتين اليهودية والمسيحية فأخضعتهما لها، وغلبت منطق أرسطو عليهما فإنها عجزت أن تفعل ذلك بالنسبة للإسلام، ومن الحق أن يقال أن (الكندي والفارابي وابن سينا، قد قاموا بمحاولات في سبيل نقل منطق أرسطو إلى الفكر الإسلامي بكثير من التحوير لجعله قادرا على التشكل في إطار التوحيد والنبوة، ولكنهم عجزوا لأن منطلق منطق أرسطو كان مرتبطا أساسا بطبيعة الفكر اليوناني النظري، بينما كان الفكر الإسلامي بأصوله وأولياته "تجريبيا".
 وإذا كان المفكرون المسلمون قد جروا شوطا مع الفلسفة اليونانية ومنطق أرسطو قائما فعلوا ذلك حين اتخذوها سلاحا لمواجهة المتكلمين بها في تأييد الأديان الأخرى غير أن الفكر الإسلامي لم يلبث أن مر بهذه المرحلة سريعا.
 وعاد إلى التماس جوهره، وذلك حين قرر منطلقه العلمي في المنهج العلمي التجريبي من ناحية وحين قرر الغزالي: أن أسلوب القرآن كالماء وأسلوب المتكلمين كالدواء، والدواء يحتاج إليه المريض، أما الماء فيحتاج إليه السليم، وأن أسلوب المتكلمين أسلوب ضرورة ولكن أسلوب القرآن هو أسلوب الحياة الطبيعية الدائمة.
وحين تقرر مفهوم "المعرفة الإسلامي" وله جناحاه: العقلي والوجداني، لا انفصال بينهما، لا يستعلى أحدهما ولا ينفرد وحده.
 وحين كشف العلماء عن منطق القرآن الذي هو منطق المسلمين بديلا لمنطق أرسطو، واليونان وبذلك نجا الفكر الإسلامي من سيطرة الفلسفة اليونانية الوثنية واستطاع الإسلام أن يحتفظ بقيمه الأساسية، ومفاهيمه الأصلية.
 هذا كله قدمه الفكر الإسلامي للفكر البشري فحرره من قيوده ونقله نقلة واسعة من الاتجاه النظري إلى الاتجاه التجريبي.
 وشيء آخر قدمه الفكر الإسلامي وكان بعيد الأثر في الحضارة وإعلاء المفهوم الإنساني، ذلك هو دعوة "المساواة والإخاء بين البشر"، الأسود والأبيض، العرب والعجم، وكان ذلك قضاء على نظرية روما القائمة على الفصل بين السادة والعبيد، وفق قواعد "روما سادة وما حولها عبيد" وعلى منطلق جمهورية أفلاطون الذي فرض للسادة التأمل والحكم وللعبيد: العمل والعبودية والذل، ثم جاء الإسلام فألغى هذا المنطق كله وسفهه، وأعلى فكرة المساواة والإخاء، ومن مفهوم الإسلام نشأت كل مذاهب المساواة والعدل الاجتماعي والحرية.
 والقرآن هو أول كتاب على وجه الأرض كشف عن النواميس الطبيعية والقوانين الثابتة التي تحكم المجتمعات والوجود كله ومثله كان منطلق علوم الاجتماع ولم تكن النظرية التي قدمها ابن خلدون فبنى عليها العلماء الفلسفة الاجتماعية المستمدة أساسا من القرآن، والقانون الفرنسي الذي كان مصدرا لقوانين كثير من بلاد الغرب في العصر الحديث مستمدة من فقه الإمام مالك وهو واحد مذاهب الشريعة الإسلامية.
وعشرات النظريات القانونية المستحدثة إنما استمدها الباحثون من فقهاء الإسلام.
                                                      - * -
  ويمكن القول بصفة عامة – إلى أن ندخل في التفاصيل – أن الإسلام قدم للفكر البشري شحنة ضخمة من القيم الإنسانية العالمية التي كانت بعيدة الأثر في تطور الفكر الغربي وتحوله عن جذوره الإغريق الرومانية الوثنية، تتمثل هذه الشحنة في الربط بين العقائد والمعاملات والأخلاق في إطار الإسلام، حيث لا افصال بين الدين والحياة أو بين الجسم والروح، كما ربط الإسلام بين العلم والعمل، وحيث أطلق الإسلام العقل الإنساني قيوده التي كانت تأسره حول المعابد وبين أيدي الكهنة فارتفع إلى مستوى الاعتقاد بحياة وراء هذه الحياة وخلص البشرية من الوثنية، كما رفض الفكر الإسلامي تجسيد البطولة ورأى أن تقدير البطولة يكون بالرأي والفكر والاقتداء.
وليس في الإسلام خطيئة أصلية، وأن كل امرئ رهين بما يفعل، كما كرم الإسلام كل الأديان وكل الأنبياء، واقر عجز العقل وحده عن الوصول على الصواب، وجعل من الوجدان والعقل ترابطا، وعن الإيمان بالغيب أساسا لا تجاوز عنه، كما رفض التقليد والتبعية سواء للماضي القديم أو للوافد من أي مكان.
ويمكن القول عن يقين بأن الثورة الفرنسية في مفاهيمها ومبادئها إنما كانت تستمد جوهرها من الفكر الإسلامي، فقد قامت على أثر الدفعة الكبيرة التي أحدثها الإسلام في العقل الغربي، وتؤكد ذلك العبارات التي جاءت على ألسنة رجال الثورة أنفسهم، والذين كانوا قد طالعوا ثمرات الإسلام في الحكم والشورى والعدل والمساواة.
وقد كان رفاعة رافع الطهطاوي وخير الدين التونسي هما أوائل العلماء المسلمين العرب الذين تنبهوا إلى أثر الفكر الإسلامي في الفكر الغربي الحديث في مختلف مجالاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية واشاروا على ذلك في أبحاثهم.
                                                   - * -
تلك مقدمة أولية لما أردت أن استطرد إليه في هذا المجال وأجليه وأنا على ثقة لا حد لها في أن هذا الاتجاه بعيد الأثر في النفس العربية اليوم، حافز لها على الثقة والإيمان والمقاومة، فباليقين كان الفكر الإسلامي وكان العرب والمسلمون من أجدادنا هم صناع النظريات العقلية التي دفعت الفكر الإنساني هذه الدفعة الكبرى نحو النهضة والحضارة، ونحن اليوم أحق الناس ونحن ندرس هذه العلوم المستحدثة والنظريات "الغربية" أن نعرف مصادرها وأولياتها ودورنا في بنائها. فإلى اللقاء...
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here